أدب وفنون

لورنس تتذكر

“فلتعلمي: لأنك امرأة، ولأنك سوداء؛ عليكِ أن تبذلي أضعاف الجهد الذي يبذله الآخرون، كي تصلي مثلهم إلى الهدف نفسه”.

تلك كانت وصية والد لورنس لابنته الصبية الفارعة الطول، إفريقية الجمال. تكوين لورنس خليطٌ من جيناتها الكاميرونية السوداء، واسمها الفرنسي الأبيض، وقلبها الملون، وواقعية أوروبا، وجموح الشباب لاكتشاف نفسه والعالم، وأحلام نساء الأرض في أيّ قارّةٍ كنّ..

تقول لورانس إنها لم تأخذ من أمها الفرنسية سوى هدوءٍ ظاهريٍّ، يطفو فوق بحر من هواجس ورثَتْها عن أبيها الكاميروني، وربّتها بحرصٍ وإتقان. جاء والدها صغيرًا من الكاميرون. كبر في فرنسا ونال الدكتوراه في علوم الهندسة، وتزوج زميلته الفرنسية، وأنجب لورنس وأخاها واكتسب الجنسية الفرنسية، ولم يخسر مخاوف صدره. لم يكن يخاف على ابنه خوفَه على ابنته التي كبرت وأصبحت طالبة في أحد فروع كلية الصحافة والإعلام، وسط عديد من الزملاء المتنافسين على تعلّم: كيف تصنع سبقًا صحفيًا؟

لم تساعدها أسفارها الترفيهية والاستكشافية الأولى، في فهم خوفها الموروث ولا في تقليله، ولم تجب -أيضًا- عن الأسئلة الكامنة في قاع روحها.

حين وصلتها أخبار اللاجئين السوريين في لبنان؛ قررت أن يكون سفرها العملي التدريبي الأول (لتصنع سبقًا في الحياة قبل الصحافة) للعمل مع هؤلاء الذين لا بدّ أن يكونوا خائفين جدًا، بعد أن فقدوا خيوط حياتهم كلها بغتةً، وأصبحوا في العراء. بدأتْ عملها في مطبخ المنظمة، في إعداد وجبات الطعام للنازحين، لمّتْ شعرها الكثيف والمجعد في ربطةٍ أنيقة، جلستْ بين العاملات، تستمع كثيرًا لكل من حولها، وقليلًا تحكي ولا تتذمر أبدًا، لا تقتصد في ابتسامتها الهادئة، وتسرف في إتقان عملها كربة بيتٍ قديمة، انقضت حياتها في تقطيع البصل وفرم البقدونس وغسل الصحون وتنظيف الأواني والأرض، بعد انتهاء الطبخ. لكنها، في سهرات السمر، في مكتب المنظمة، كانت تفرد شعرها المجنون وترقص كبوهيميةٍ في بارٍ أوروبي..

عرفتُها عن قربٍ، حين سكنا في غرفة واحدة في مكتب المنظمة في البقاع اللبناني، ولأنني أصحو باكرًا كل يوم، صارت تطلب مني أن أصحّيها في السابعة. أقترب من سريرها، وبفرنسيتي الضعيفة أهمس لها: “هيا يا صغيرتي، أفيقي يا حلوتي الصغيرة”. أنتبه أنها تصحو من النداء الأول بكامل وعيها، تستحم ثم تشرب كأس حليب وتأكل موزة، وتنطلق إلى شغلها في المطبخ.

بعد أيامٍ، طلبت مني لورنس -بكل تهذيب- أن أرافقها في مشيها المسائي إلى النهر القريب: “أريد أن نحكي، قالت، لا أريد لحديثنا أن يكون في الغرفة”!

عند النهر، انسابت لورنس مثله في حديثها: “لم تكن أمي غائبة ولا مهملة لي أو لأخي، كذلك لم أعش معها علاقةً خاصة، كتلك التي في أفلام السينما أو في الكتب، لذلك، لا أنفر من أمي ولا أحبها كثيرًا أيضًا. ليس لدى أمي مشاريعها العظيمة، وهي لا تنظر أبعد من غدها القريب، وربما لهذا كانت أسعد من أبي الذي يهرب إلى الأمام البعيد لينأى أكثر عن إرثه البيولوجي. تعلّقتُ بأبي أكثر منها. أبي أورثني كل شيء، بدءًا من لوني واضطراب عواطفي وليس انتهاء بمخاوفي، بينما لم تورثني أمي سوى جنسيتها الفرنسية التي أشهرها سلاحًا في وجه من يزدري لوني، لكنها أبدًا لن تنصف مشاعري.

عندما صار عمري عشر سنين؛ قلت لأبي: خذنا إلى الكاميرون. قال أبي إنه لن يأخذنا إلى هناك، لن يشدّنا إلى ضعفٍ لم يبرأ هو منه، وسيظل يحمله وحده بصمت، ما دام لم يولد أبيض البشرة.

أخذني أبي في نزهة إلى النهر، أجلسني مقابله، من عينيه كنت أرى كيف يصلني صوته من قاعه السحيق:

“أصبحتِ كبيرة بما يكفي يا لورنس، لتدركي أن هناك حقائق مؤلمة في الحياة، لا خيار أمامنا سوى أن نقبلها دون فائض من الأسئلة؛ أعرف أنّ ما سأقوله لك ليس عدلًا، ولن يعجبك ولن يقنعك، لكنه واقع الأمر: عليكِ أن تبذلي مقابل كل هدف تركضين إليه جهدًا مضاعفًا ثلاث مرات، مقابل جهدٍ واحدٍ يبذله الآخرون، الأول لما يستحقه هدفك، والثاني لأنك امرأة، والثالث لأنك سوداء البشرة”.

قالت لي لورنس إنها لم تعد صغيرةً منذ يوم النهر، منذ عرفت ما ينتظرها، وعليّ ألا أناديها بعد اليوم “يا صغيرتي”، فقد أصبح عمرها 23 عامًا، عمرٌ تعتقد أنه يكفي لتواجه مصيرها كامرأة ناضجة، تتخذ قرارها بنفسها، وإن كان صعبًا، وقد جاءت إلى لبنان لتتدرب على ما أرادت، ولتتعلم من الأطفال الذين يعانون في المخيمات أكثر مما عانت، ولتخبرهم، (حين ربما ليس لديهم مَن يحذرهم من حجم الشرّ في هذا العالم)، أنها تؤمن بأنهم سيكبرون ويعبرون أحزانهم وينجون، إن بذلوا جهدًا مضاعفًا مرتين، ثلاثًا، وربما أكثر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق