هموم ثقافية

عن الوطن والفن والقومية

منذ زمنٍ بعيد، يعتريني نوعٌ من المُغَاص المقيت حين أستمعُ لأي خطاب لبشار الأسد، وهو يتحدث عن نظرية الجراثيم تارة، ونظرية أنصاف الرجال تارة، وأصل اللغة العربية تارة أخرى. وكذلك يعتريني مُغاصٌ أكثر قَرَفًا وسَمَاجةً حين أستمع إلى تحليلات أذناب بشار على شاشات التلفزة، وهم يتحدثون عن أنواع من الهوية السورية: واحدة فوق وطنية، وأخرى تحت وطنية، وثالثة بين بين، ثم يتوصلون في ختام الحلقة إلى نتيجة معروفة من قَبْلِ إعداد الحلقة؛ حيث يقولون في استنتاجاتهم: إن أجمل تلك الهويات وأحلاها وأنقاها وأصلحُها؛ تلك التي تُعلن الولاء لحزب البعث، تحت سقف وطن واطئ، بكرسي مفصل على مقاس قائده الفرد الأبدي الأوحد بشار الأسد.

ولم يقف الحد عند هذا المُغاص، بل ما زاد الطين بلة، وزاد مُغاصي تقيؤًا أنْ وجدتُ نفسي متابعًا لبعض صفحات (فيسبوك) -وعن حُسنِ نية- بُرُغم ما تحمله تلك الصفحات من أسماء وشعارات قومية مقيتة، مثل: (سوريا العروبة، سوريا السريانية، الأمة السريانية، كوردستان…)، ولا أُخفيكم أني للوهلة الأولى خُدعتُ بأسماء هذه الصفحات، فصفحة (سوريا العروبة) أعطتني تصورًا عن تاريخ مُشرق؛ فإذا بها تنادي بأجندة بعثية قومية مقيتة. وليس أقلّ منها خداعًا وفظاظة صفحتا: (الأمة السريانية) و(سوريا السريانية)، فقد ظننت أن من يُدير هاتين الصفحتين سينادي بالمحبة والعيش المشترك بين أبناء سورية، على اختلاف مِلَلِهم ونِحَلِهم، فإذا به يُضمر عداءً مشتركًا للعرب والكورد معًا، وينادي بعودة تاريخية قسرية إلى الخلف إلى ما قبل ظهور الإسلام؛ أي إلى أكثر من 1400 سنة إلى الوراء، وهذه العودة يستحيل أن تحصل لما تهدف إليه من إلغاء العناصر السورية الأصيلة الأخرى، ويستشهد هذا الحاقد بأقوال عباس النوري؛ طبري العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، وبما يحمله من حقد دفين تجاه صلاح الدين وغيره من رموز سورية المحبة. وكذلك كان الأمر مع صفحة (كوردستان) التي يُعلنُ صاحبها العداء لكل من لا يؤمن بنزعته القومية الكردية العلمانية، حتى وإن كان كرديًا مسيحيًا أو مسلمًا.

كرهتُ صفحات (فيسبوك)، وأعرضتُ عن مواقع التواصل الاجتماعي مدةً، إلى أن فتحتُ موقع (يوتيوب)، أبحث فيه عن بعض من الموسيقا؛ لعلي أنسى بسماعها بعض ما أُعانيه من قَرَفِ تلك الصفحات القومية المقيتة، على اختلاف دعواتها وأجنداتها؛ وفجأةً وجدتُ نفسي مع هالة من هالات الإبداع والفن والمحبة والجمال، حين رحتُ أسمع مقطعًا غنائيًا لـ فايا يونان، وأختها ريحانة السريانيتين مع آري جان الكردي، وهم يغنون بلغة عربية ولهجة جزراوية سورية ماردينية، يحكيها سُكان سهول ميزوبوتاميا وأصحاب حضارة ما بين النهرين، ويقولون بكل محبة وإنسانية:

“جيراني هالله هالله/ من عينيكي ما شالله/ جيراني هالله هالله/ جيراني هالله هالله/ من عينيكي ما شالله/ على راسكي علامة/ بوسة لخاطر الله/ الله الله الله/ ع طريق الجزيرة/ مِنْ لِتْرِين نطيتو/ لْخَاطِر عينيكي السود/ بالحبوس صفيتو/ هالله هالله هالله/ جيراني هالله هالله.”

ولم أقف عند هذا الحد من الجمال، بل تجاوزته؛ لأنسى شَقْلَبات بشار الأسد ودوراته النفعية البراغماتية المكيافيلية، مِن فخره بدمشق؛ عاصمة الأمويين، حين كان ينعم سابقًا بقَمْعِ أهلها، دون أن يجرؤ أحد على الوقوف بوجهه، وتحوله -لاحقًا- إلى ناسفٍ لتاريخها الأموي، ثم ليتخلى عنه كله دفعة واحدة، ويدعي زَيْفَ التاريخ وتزييفه وتزويره، مع أن أكبر كم من الزيف التاريخي حصل في سورية خلال حكم حافظ الأسد، وحين اقترب (باب حارة) عباس النوري من المرحلة التاريخية لحكم البعث في سورية، وأكبر مؤامرة ضد الشعب السوري حصلت في عهد وريثه الصغير، ولا سيما بعد ثمانية أعوام من الثورة المشرقة -على قساوتها- ليقول بشار في آخر تصريحاته: دمشق ليست أموية، ولا أهلها أمويون، ولا اللغة العربية لغة أصيلة لدى أهلها السوريين.

لكن ما أنساني هذا القرف أيضًا، مُراسلات إنسانية فنية غنائية بين شيفان الكردي، وسميح شقير ابن جبل العرب، وهو يخاطب أخاه وصديقه شيفان، ويقول:

“لي صديق من كردستان/ من كردستان من كردستااااااان/ اسمه شيفان شيفان شيفاااااان.”

نعم، إنها جولة إنسانية فنية صغيرة في عالم (يوتيوب)، أنستني ما عانيته لسنوات من قَرَف القوميين: (العرب والكُرد والسريان). نعم، لقد وجدتُ أن قليلًا من المحبة أو الإنسانية يكفي لإزالة رواسب عصور من الخطابات القومية والشعارات المؤدلجة، التي تحرق النقاء في نفوس المواطنين الأبرياء، بألمها وسمومها، ولا تخدم إلا نَهَم مُطلقيها، وجشَعَهم وسَعْيَهم نحو المال والسلطة، ولا تمنح سلالمَ التسلق على دمائنا وأجسادنا إلا لأذنابهم، وهم يكذبون، ويدجلون على شاشات التلفزة ومواقع التواصل الاجتماعي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اقرأ أيضاً

Close
Close