سلايدرقضايا المجتمع

“شيوخ قسد” في “مشيِّخة العفون”

يستخدم أهل الرقة تعبيرًا ساخرًا ولاذعًا، ينتقدون به أنفسهم ومجتمعهم وآلية الترقي الاجتماعي فيه، فيقولون: “الرقة مشيِّخة العفون”، ويقصدون أن الشخص العَفن، أي الإمعة الجبان الخسيس من الناس، يمكن أن يُصبح شيخًا في هذا المكان، بخلاف المتعارف عليه من أن “المشيخة” هي منزلة مستحقة لمن يمتلك صفات النزاهة والاستقامة والحكمة، إضافة إلى قدرة اقتصادية تمكنه من التكرم وفتح بيته أو مضافته للمحتكمين والمحتاجين إلى رأيه وعدالته وحكمته أو صلاته الاجتماعية والسياسية؛ لحل إشكال أو إجراء مصالحة أو التوسط في شأن ما.

لا يبدو أن هذا المثل السائر يصدق، في أي مكان وزمان، أكثر مما يصدق على واقع حال مجتمع الرقة، في ظل سيطرة ميليشيا (قسد) هذه الأيام، وخاصة بعد تآكل دور شيوخ العشائر والوجهاء المحليين، بسبب كثرة وغلبة الأطراف المسلحة من جانب، وتعددها وتنوعها الأيديولوجي والتنظيمي والسياسي من جانب آخر. وجاء تآكل واضمحلال أدوار الوجهاء المحليين، بعد تنحي الشيوخ الفعليين المعترف بهم، اجتماعيًا، عن أداء ما كانوا يقومون به في مرحلة ما قبل الثورة، وبوجه خاص بعد إدراكهم أن طبيعة الحراك الجاري في البلاد -بعد اندلاع الثورة- لا يعترف بدور جدي لهم، وإن أرسل إليهم بعض الإشارات في وقت ما. فلجأ معظم شيوخ الصف الأول إلى الصمت، فيما سافر آخرون إلى جهات متعددة، تركيا ودمشق والخليج، صونًا لمصالحهم وطمعًا في أدوار مستقبلية محتملة، وتجنبًا للمزيد من التقلب والإذلال، في ظل أوضاع تشهد حراكًا عنيفًا ومتسارعًا لا قِبَل لهم به.

كما ساير بعض هؤلاء الشيوخ تنظيم (داعش) حين كان يسيطر على المنطقة، وبايعوه وزوَّجَ بعضهم أختًا أو بنتًا لبعض قادة التنظيم، إما خوفًا وتقيةً، أو بغية حفظ مصالحهم ومكانتهم وبعض المكتسبات التي قدمها التنظيم لضمان ولائهم له. وعندما جاء زمن ميليشيا (قسد) ابتداءً بالعام 2015، عبر الريف الشمالي لمحافظة الرقة، كان تهتّك العلاقات الاجتماعية قد بلغ أشده، وكان مَن بقي في الرقة، من شيوخها ووجهائها، قد فقد ماء وجهه نتيجة اضطراره إلى مسايرة النظام، ثم فصائل “الجيش الحر” ولاحقًا تنظيم (داعش)، أو أدرك أن الابتعاد في هذا الزمن المتقلب أدنى إلى الحصافة والحكمة وإمكانية بناء جسور وعلاقات طيبة مع محيطهم الاجتماعي الذي فقد احترامه لهم، بينما كان قد “شيَّخهم” في وقت سابق.

لم تجد قيادات ميليشيا (قسد) -والحال هذه- بُدًا من “ارتجال” شيوخ جُدد تُمرر عبرهم رسائلها السياسية، وتستخدمهم في اختراق المجتمعات المحلية. ولهذا الغرض فقد دعمت أفرادًا من العشائر المؤثرة في المحافظة، ماليًا، ووفرت لهم وصولًا مأمونًا ومضمونًا إلى شراكات في أعمال تدر عليهم أموالًا، وانتدبتهم ليمثلوا عشائرهم أمامها، لكنها منعت عنهم إمكان الوصول والتواصل مع القوى الدولية والإقليمية النافذة في الملف السوري. وقد اختارت قيادات ميليشيا (قسد) هؤلاء المشايخ وفق معايير جغرافية، تغطي كامل تراب المحافظة ومعظم عشائرها، لكنها استثنت من التمثيل، مثلًا، منطقة تل أبيض المحاذية للحدود السورية التركية، لاعتبارات ذات رمزية سياسية، حيث تعتبر هذه المنطقة جزءًا من إقليم “روجآفا” الكردي المُعلن من طرف واحد.

هؤلاء الشيوخ المصنوعون حديثًا، لغرض إظهار ولاء المجتمع المحلي للميليشيا المسيطرة، يتشابهون في سيرهم الشخصية وفي منابتهم الاجتماعية؛ فهم -في الغالب- أفرادٌ غير مقبولين، اجتماعيًا، في أوساطهم الضيقة، وذوو إمكانات محدودة ورغبة عارمة في الصعود الاجتماعي، بأي صورة من الصور. وقد حوّلهم إعلام (قسد) خلال الأسابيع الماضية -منذ أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، نية بلاده القيام بحملة عسكرية جديدة، لطرد ميليشيا “وحدات حماية الشعب” الكردية من المناطق التي تسيطر عليها بمحاذاة الحدود السورية التركية- إلى مادة يومية، يرسل من خلالها رسائلَ تهديد ووعيد لـ “الجيش السوري الحر” والجيش التركي.

سكان الرقة يطلقون اسم “شيوخ قسد” على هؤلاء، في استعادة لمضمون “مشيِّخة العفون” النقدي البالغ السوء في دلالته، ومن جانبه يتقصد إعلام (قسد) إظهار هؤلاء الشيوخ، وهم يتحدثون تحت رموز “حزب العمال الكردستاني” التركي، مثل صورة عبد الله أوجلان الحاضرة دائمًا، وشعارات ورموز وصور “حزب الاتحاد الديمقراطي” الكردي، و”وحدات حماية الشعب” الكردية، ليكرروا -بصورة ببغائية- مفردات خطاب (مسد) و(قسد) بحذافيرها، ويهددوا الأتراك والفصائل السورية المتحالفة معهم، وليُظهروا عدم التأثر بانسحاب القوات الأميركية من المنطقة، بعد إعلان الرئيس الأميركي ذلك، قبل بضعة أيام.

من الثابت أن قوى الاحتلال تسعى دائمًا لخلق عملاء وأدوات من السكان المحليين، لكن من الثابت أيضًا أن يكون مصير هؤلاء المتعاملين رهنًا بمصير المحتلين؛ وفي هذه الحال، يبدو أن أيامًا أو أسابيع قليلة وحسب هي ما يفصلنا عن معرفة كيف ستكون حال “شيوخ قسد”.

Tags

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Close