أدب وفنون

سينمائية الصورة والمشهد في شعر أحمد عثمان

القيمة الجمالية، لأي منتج أدبي، مرهونة بمعايير كثيرة، وتحتل الخصوصية هرمها في تجربة المبدعين، لأنها المتّكأ الرئيس الذي يميز صاحبه من غيره، وبسبب التجدد المستمر لمفهوم الحداثة، زمانيًا ومكانيًا؛ فإن التميّز من الآخرين، في جوانب معينة، يمثل قيمة خاصة للكاتب، في زمن تصارع المفاهيم أثناء محاكمة النص الأدبي من قبل النقاد من جانب، والقارئ من جانب آخر.

(كمآذن ألفت مراثي الريح) المجموعة الشعرية الفائزة بالمركز الأول، في جائزة الشارقة للإبداع العربي، في دورتها العشرين للشاعر السوري أحمد شكري عثمان، تحفل بالكثير من الجمال والخصوصية، ولعلّ أهم ما يميزها الصنعة الدقيقة للمشاهد، فالصورة الشعرية منتجة بحساسية عالية، يمثل فيها المكان الحيز والحامل الأهم في عملية إثارة الدهشة، انطلاقًا من تقسيمات الديوان (العتبات- الأبواب- مآذن عتيقة- القباب- المشاهد) وصولًا إلى متون النصوص، التي تسرد الأحداث في لقطات تتحيز للجمال، أو تستنهض الإنسانية ليشعر المتلقي بأحاسيس الشاعر وعواطفه المتداخلة أو المتراكمة بشعره.

” قرًى تتوارى على ضوءِ حافلةٍ في المساءِ وريحٌ تئنُّ

والذي قد تراءى دروبٌ تربتُ فوق الحجارةِ

كي تتناسى فلا تطمئنُّ

وبين المدى المدلهمِّ سرابٌ تجلّى وهمٌ وحزنُ” ص91

 نصوص عثمان، منحازة إلى الصورة والمشهد، وهي تشبه -إلى درجة عالية- اللقطات والمشاهد السينمائية، لأنه يربط أفكاره باللحظة الزمانية والمكانية، فأحيانًا ينطلق من الجزئيات للوصول إلى الصورة الكاملة، وأحيانًا يفعل العكس، فيبدأ من الكل وينتهي بالجزء. وكأنه يستثمر أنواع اللقطات السينمائية كلها في نصوصه، فيستخدم اللقطة البعيدة والقريبة والمتوسطة والبعيدة جدًا والثنائية، غير أن مفهوم اللقطة هنا مقلوب عكسًا؛ فالسينما تعطيك واقعًا حقيقيًا مؤطرًا في سياق رؤية المخرج أو المصور أو كلاهما معًا، أما في النص الكتابي فإن اللقطة المنتجة عبر المفردات تطلق عنان الخيال، ويمنح القارئ أحقية تنفيذ الصورة والمشهد في الزمان والمكان الأقرب إلى حالة التلقي عندهم. ومثل ذلك هذه الصورة الشعرية في قصيدته (كتاتيب مهجورة) التي تنطلق من البؤرة الضيقة مكانيًا المتمثلة بالطحالب المتراكمة فوق أدراج البيوت، ليصل بفكرة الحنين إلى أعلى مستوياته عبر هذه التداعيات النفسية.

“أوّلتُ حلمي واستعرتُ من الطَّحالب فوقَ أدراج البيوتِ سكينة الأرجاءِ

بين مداخلٍ للحزنِ مشرعة

وبين قناطرٍ شاخت من الفقدانْ..” ص 81

 في شعر عثمان، تتقابل العبارة والكلمة مع الإضاءة وآليات اختيار المصور للزوايا، ومن الملاحظ أنه كثيرًا ما ينطلق من رصد الجزئيات الصغيرة والمشاهد اليومية، كما يقوم المخرج السينمائي بالاعتماد على أسلوب اللقطة القريبة، لجذب الانتباه وللوصول إلى أعلى مستويات المتعة، وتأجيج المشاعر تجاه موقف أو مشهد معين. لأن اللقطات البعيدة ستدخله في مضمار الوصف، وبالتالي تغييب الوجداني والتداعيات على حساب الجملة المثيرة والمنبهة للحواس.

“البيتُ ينخره الفراغُ

فلا يداكِ تربّتانِ على أرائكِ غربتي فجرًا

ولا قدماكِ تختبرانِ كسر رتابةِ الفوضى

واختبرتِ فحولة البلور

لبدتِ المرايا وجهها العاري بأوهام الوضوحِ..” ص47

الانتقالات السريعة، عبر استخدام الجمل القصيرة، تقوم باستنفار خيال المتلقي، مثل تنقلات الكاميرا السريعة بين الأمكنة لإنتاج اللقطات من زوايا مختلفة، وهنا تشكل الكلمة والعبارة روافد للصورة التي ستحث القارئ على الولوج إلى مساحات مكانية وزمانية معينة، فالكلمة هي الأساس في إبراز الجانب الدلالي للصورة المتخيلة.

” الرسائلْ

ما تبقّى من دموع أبٍ على وجع المداخلِ

حسرة الأرجاء حين يشوبها صمتٌ

وصايا الفلِّ فجرًا للذين تنكّبوا طرقَ الرحيلِ

وفارقوا عبق المنازلْ..” ص15

 تكرار العبارة واللازمة الشعرية يتساوى مع تكرار بعض الصور الدرامية التي تريد رصد حالة ما، سلبًا أو إيجابًا، يريد الشاعر إبرازها لما لها من قيمة أو أثر، فيركز على تكرار المشهد عبر جمل وتراكيب متشابهة، ولقد تكرر ذلك عند عثمان في صورة الطحالب والدرج المسن والجدران المتداعية والمداخل، في أكثر من نص، والمطلع على الواقع سوري عمومًا أو القريب من الشاعر سيدرك تمامًا أن الحنين، يجبره على تكرار بعض الوقائع. وتكرر لديه حضور الأم وحالة الفقد كثيرًا؛ فالأم في حقيقة الأمر هي الأصل الذي يحن إليه جزء، أعتقد أن حضورها كان أكثر إقناعًا من حضور مشهدية الطحالب، على الرغم من قسوة واقع الهجرة والابتعاد من الوطن، على ذات الشاعر.

“ذات حلمٍ دوّنت أمي وصاياها وخصّتني بأن أبقى نديًّا

مثل زهر البيلسانِ الغضْ

ثم قالتْ: لا تخف يا ابني إذا ما متُّ يومًا

وابتسم فالأرضْ

وحدها المثوى

إذا شاخت عروق القلبِ يا ابني أو توارى النبضْ.. ” ص65

 اللقطة المجردة من الحوار والمونولوجات، التي توسع وتضيق الجانب الدلالي للمشهد ستضعنا أمام واقع رتيب ومنمّط وبلا أثر، لهذا كان الشاعر يقوم -على نحو انتقائي- باختيار التفاصيل التي تتناسب والفكرة المراد طرحها، لهذا كان يستعين بالذاكرة الجمعية للإنسان لغاية تفجير المكامن الإنسانية، وبذلك سيكون أقدر على إيصال رسالته إلى المتلقي بعيدًا من مستوى وعيه الاجتماعي والثقافي.

“إن روحي من على الشبّاكِ ترنو مرة أخرى رجوعكْ

لم يفرقْ بيننا موتٌ صغيري مطلقًا

فامسح دموعك

لم يفرقْ بيننا موتٌ صغيري مطلقًا

فامسح دموعك..” ص71

 الفكرة الناضجة وغير المنمطة، طرحًا أو قولًا، سوف تغري السحر بالانبثاق في النص الأدبي، من خلال استخدام تقنيات تتناسب ومراحل إنتاج الحالة أو المشهد، إذ ليس من مهام الشاعر قول الواقع كما هو، فهو صانع وسارد جديد للحكاية القديمة أو حتى المطروقة سابقًا، لهذا يقوم عثمان باستقدام جانب ما وتهميش آخر لخلق الدهشة أو الحيرة بما يليق بالمتعة التي يصبو لها المتلقي.

“كالمستجيرِ بحكمةِ الأشجارِ

كنتُ أحبُّ من طبع الجذور عنادها

وترفع الغصن الحليم عن الإساءةِ

كلّما الحطابُ حاولَ أن يهوِّن من جلادة صبرهِ..” ص131

 لم يكن الشكل مقيدًا لمقدرة الشاعر على تشكيل المشهدية الدرامية في قصائده، فلقد خلقها في نصوص العمود والتفعيلة أيضًا، مع ملاحظة النجاح أكثر في نصوص التفعيلة، ولقد كانت القوافي والموسيقى الداخلية في نصوصه، بمثابة الموسيقا التصويرية المرافقة للمشاهد التي يصورها بعدسته الدقيقة..

“يقيني صوت مئذنةٍ صداها      كفيلٌ كي يبدّد كل شكّي

على أحجارها شاخ انتظاري    فلو نطقت، ترى ماذا ستحكي؟” ص57

 أخيرًا، لا بدّ من الإشارة إلى أن الشاعر أحمد عثمان وقع -كغيره من الشعراء- في ديوانه الأول، على الرغم من جماليات قصائده، في فخ التكرار، إلى جانب الشعور بعدم تنوع معجمه الشعري، ويبدو ذلك واضحًا من خلال استخدام أدوات التشبيه، إضافة إلى بروز النمطية في تشكيل الجملة الشعرية، والاستغراق في الشرح عبر استخدام (كي) ولام التعليل، غير أنه -في سياق آخر- قد تمكن من استثمار عواطفه وهواجسه في كتابة نصوص قادرة على استفزاز خيال القارئ، وكان دوره مثل دور المخرج والمصور والكاتب في أثناء الكتابة، ليتحول بعدها إلى مقاعد المتفرجين ليقيم هويته البصر كتابية والصورة الحرف ضوئية، بعد استثماره الموفق للزمان والمكان في خلق الصورة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق