كلمة جيرون

أسباب مُضحكة

قررت دولة الإمارات العربية المتحدة إعادة فتح سفارتها في دمشق، بعد أن أغلقتها نحو ست سنوات، وهو أمر أثار حفيظة المعارضة السورية وامتعاضها، وأسعد النظام السوري ومواليه.

أن تقرر دولة الإمارات القيام بمثل هذه الخطوة، على سلبيتها، هذا شأنها، وأن تقوم لاحقًا أي دولة عربية بخطوة مشابهة، أيضًا هذا شأنها، أما أن تتذرع الإمارات بأن ذلك “يُعزز ويُفعّل الدور العربي في دعم استقلال وسيادة سورية ووحدة أراضيها وسلامتها”، وأيضًا “درء مخاطر التدخلات الإقليمية في الشأن السوري”، فهذا من شأن السوريين أن يتوقفوا عنده، ويردّوا عليه.

بعد ست سنوات من إغلاق سفارتها، وبعد مقتل نحو مليون إنسان في حرب النظام على الشعب، وما يزيد عن عشرة ملايين لاجئ سوري في بقاع الأرض، طردهم عنف النظام من سورية وشرّدهم، وبعد دمار ما يُقدّر بنحو 40 بالمئة من البنى التحتية السورية؛ تذكّرت دولة الإمارات أن افتتاح سفارتها “سيعزز سلامة” سورية!

وكذلك بعد تدخّل كل من هبّ ودبّ في الشأن السوري، وتغلغل إيران إلى عمق الدولة والمجتمع والاقتصاد السوري، وانفلات كل الميليشيات الطائفية اللبنانية والعراقية والأفغانية الموالية لإيران في سورية، نهبًا وسلبًا وقتلًا وانتهاكًا، تذكّرت دولة الإمارات أن افتتاح سفارتها “يدعم سيادة سورية”!

وكذلك بعد سيطرة روسيا على القرار السياسي والعسكري السوري، وبناء عشر قواعد عسكرية برية وبحرية وجوية لها، في مختلف البقاع السورية، وارتهان الأسد لأوامر ضباط روس، وتجنيد بعض كبار ضبّاطه كأذرع محلية للضباط الروس؛ تذكّرت دولة الإمارات أن افتتاح سفارتها “يدعم استقلال سورية”!

وأيضًا، بعد سيطرة ميليشيات العمال الكردستاني والاتحاد الديمقراطي الكردي، على جزء من الأراضي السورية، والتفكير باقتطاعه من أجل حلم دولة ينشدونها، وبعد سيطرة (داعش) على جزء من الأراضي السورية، والتفكير باقتطاعه من أجل حلم إمارة يتمنونها، وتباهي النظام السوري بجزء “مفيد” من سورية يُهيمن عليه؛ تذكّرت دولة الإمارات أن افتتاح سفارتها “يدعم وحدة أراضي سورية”!

وأخيرًا وليس آخرًا، بعد لهو “إسرائيل” بالسماء السورية مئات المرات، وقصفها حيث يحلو لها، ومتى يحلو لها، وكما يحلو لها، أي بقعة من الأراضي السورية، وانتهاكها الأرض والسماء، من دون رقيب ورادع وحسيب، تذكّرت دولة الإمارات أن افتتاح سفارتها “سيحمي سورية من مخاطر التدخلات الإقليمية”!

إشارات تعجّب لا تنتهي، وسخرية مريرة لا حدود لها، أن تتذكر دولة الإمارات كلّ ذلك وتتناسى كل شيء آخر، وتنسى أن النظام السوري رفض الحلول العربية، واحتقرها وسيستمر، وأنه قتل شعبه بلا إنسانية، ودمّر حاضر سورية ومستقبلها، واستهان بالروابط العربية وأهانها، وشجّع التطرف والطائفية والقتل، وفتح شرق المتوسط لكل مارقي الأرض وقتلته، واستسلم لروسيا بمهانة، وارتهن لإيران بتطوّع، وتوسّل إلى أميركا بتكلّف، ورهَن سورية نهائيًا لأجندات إقليمية ضيّقة ودولية عابرة للقارات، وباع سورية ويبيعها، مقابل بقائه.

من جديد، إن كانت دولة الإمارات تريد أن تُعيد العلاقات مع نظام الكيمياوي والأفران البشرية، فهذا قرارها وشأنها، لكن على الأقل كان عليها أن تكون صادقة مع شعبها ومع السوريين، حتى لا تكون أسبابها مُضحكة، وكي لا تضع نفسها في نفس خانة “جنون” النظام السوري.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Close