تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

السودان: ثورات وجنرالات

تطرح انتفاضة الشعب السوداني المستمرة، منذ نحو أسبوعين، تساؤلات كثيرة، حول طبيعتها ومداها وأهدافها وبنية قواها وأفقها، والأهم يتعلق بشكل مواجهة سلطة نظام البشير لها. ومن أهم تلك التساؤلات، يبرز البحث عن دور الجيش السوداني وموقعه من الأحداث الآخذة في الاتساع والتجذر. هل سيقوم الجيش بسحق الانتفاضة بقوة السلاح، إن صدرت له الأوامر من عمر البشير؟

في غضون البحث عن جواب للسؤال أعلاه، يحضر في الأذهان تجارب ثورات الربيع العربي: (تونس، مصر، ليبيا، سورية، واليمن)، ويساور الجميع القلق على مصير انتفاضة السودانيين، خاصة حين تحضر في الذاكرة تجربة القذافي، الذي حاول بوحشية سحق الثورة الشعبية في ليبيا، لكن الحضور الأقوى، بإثارة المخاوف على السودانيين، يأتي من التجربة السورية، عندما قامت قوات الأسد بارتكاب أبشع الجرائم للقضاء على الثورة، ونفذت أوامره بأفظع الصور، ولم تتمرد مراكز القرار في جيشه على قراراته، إلا ما ندر، وبقيت المراكز الفاعلة فيها ملتزمة بتنفيذ الجرائم، من دون أدنى إحساس إنساني نحو حياة الملايين ومصيرهم. وأيضًا لا بد من حضور تاريخ التجارب الخاصة بمواقف الجيش السوداني، من ثورات وتحركات شعبية واسعة ومؤثرة.

إن مراجعة سريعة لتجربة الجيش السوداني، خاصة في موقفه من التحركات الشعبية، في مختلف المراحل، تشير إلى استنتاجات لا ترجح احتمال قيامه بعمليات بطش واسعة، أو ارتكاب مجازر شنيعة ضد شعبه، تكون تكرارًا لتجربة قوات عصابة سلطة الأسد في سورية.

ثلاث اتجاهات مضى نحوها جنرالات الجيش السوداني، إبان الأزمات الثورية، أو السياسية. ففي المرحلة بين 1954، واستلام الجنرال إبراهيم عبود للسلطة 1958، كان الجيش مخرجًا للأزمة السياسية في عهد حكومة “حزب الأمة”، فعلى إثر صراعات شديدة وتحركات سياسية وشعبية، سلمت حكومة حزب الأمة السلطة للفريق عبود، بصفته الرتبة الأعلى في الجيش، على أن يُعد لانتخابات برلمانية، لكنه مضى إلى ترسيخ سلطة الجنرال، وحلّ البرلمان ومنع الأحزاب والنقابات. وبعد أقل من ست سنوات، واجه نظامه أول ثورة شعبية في البلاد، وحينذاك انحاز الجيش انحيازًا حاسمًا إلى الشعب، وتخلى الجنرال عبود عن السلطة 1964، من دون محاولة استخدام القوة والعنف ضد الشعب. ونذكر أن مدة حكمه لم تشهد قمعًا دمويًا لخصومه، حتى للذين قاموا بمحاولتين انقلابيتين ضده.

يعود انتصار ثورة 1964، بأحد جوانبه، إلى انحياز الجيش إلى الشعب، وتبنيه لمطالب الثورة. ولم يمنع إجراء انتخابات ديمقراطية في البلاد، وفاز بموجبها حزب الأمة بالمكانة الأولى، وشكل حكومة شاركت فيها أحزاب أخرى، واستمرت حتى سنة 1969، لكن الصراعات الحزبية بين أطراف الحكومة، فتحت الطريق لانقلاب جعفر النميري، مبررًا ما قام به بإنقاذ السودان من صراعاته السياسية، واستمرت سلطته العسكرية الدكتاتورية حتى سنة 1985.

في أيار/ مايو 1985، على إثر ثورة مايو الشعبية ضد نظام جعفر النميري، عاد الجيش لينحاز إلى الثورة، وكانت أول تجربة يتم فيها تنازل الجنرالات عن السلطة سلميًا، بعد انحيازهم، بقيادة الجنرال سوار الذهب، إلى الثورة، وقد شكل مجلسًا عسكريًا مؤقتًا، بعد إنهاء حكم جعفر النميري. وكان موقف المشير سوار الذهب سابقة في تاريخ الجنرالات في السودان، إذ سلّم السلطة طوعيًا وسلميًا للحكومة المنتخبة ديمقراطيًا.

بعد ثلاث سنوات من التجربة السياسية المدنية للحكم، ولأن تلك التجربة واجهت أزمات داخلية كبيرة، وفشلت في إرساء قواعد نظام ديمقراطي تعددي، وعجز قادتها عن مقاربة مناسبة للصراع المتفجر في جنوب السودان؛ قام تحالف حسن الترابي “ذو التوجه الإسلامي” مع تلميذه الجنرال عمر حسن البشير، بانقلاب أطاح حزبَ الأمة والنظامَ المدني، وأدخل البلاد في ظروف اقتصادية وسياسية مأزومة، وما لبث أن أقصى “التلميذ البشير” معلمه “حسن الترابي”. وأسس حزبه الخاص (المؤتمر الوطني) الذي يعتمد الفكر الإسلامي، وتمتد جذوره إلى حركة الإخوان المسلمين.

في زمن الثورة الحالية (كانون الأول/ ديسمبر 2018)، هل ستخرج المؤسسة العسكرية عن تقاليدها المعروفة بالانحياز إلى مطالب الشعب، عند احتدام الصراع بين السلطة وبين الشعب، وتمارس البطش والعنف، أم أنها -على الأقل- سترفض تنفيذ أوامر عمر البشير، الذي تميزت تجربته في السلطة بالقمع والبطش للقوى السياسية، ولكل التحركات الجهوية والمطلبية؟

في الماضي القريب، عندما انفجر الصراع في إقليم دارفور، لم يكتف البشير بدور الجيش في قمع التمرد المسلح هناك، فزج بميليشيات “الجنجويد”، بطبيعتها القبلية، ليقضي على التمرد. أي أنه لم يعتمد على المؤسسة العسكرية التقليدية فحسب. أضف إلى ذلك أنه يستند، في تثبيت حكمه، إلى حزبٍ يتبنى الفكر الإسلامي، وربما يوظف الدين في مواجهة الثورة العارمة التي تملأ الولايات والمدن السودانية، والعاصمة الخرطوم صارت ميدانًا لأوسع التحركات.

لقد سبق أن قام جيش البشير في 2011 بقمع التحركات الشعبية، وأودى بحياة 200 إنسان. غير أن تلك التحركات لم تكن شاملة ومتجذرة، كما هي اليوم، زد على ذلك أن نظام البشير يفتقر إلى أي مظلة خارجية إقليمية أو دولية تؤازره وتسانده. كما أن القوى السياسية السودانية التحقت بالثورة الشعبية، وطرحت مشروعها بالانتقال السلمي للسلطة، ودعت إلى تشكيل حكومة انتقالية تعد لانتخابات عامة في البلاد.

هذه المعطيات والوقائع ستضع المؤسسة العسكرية السودانية في موضع حرج، يجعل قادتها يفكرون مليًا قبل تنفيذ رغبة عمر البشير، الذي بدا في كلمته الثانية، قبل أيام، متشددًا إزاء الثورة، ولخّص ما يجري بأنه “مؤامرة” على السودان، بعد أن قال في كلمته الأولى: “إن المطالب التي يطرحها الناس هي مطالب محقة، وسنعمل على تحقيقها”.

على الأرجح أن الدكتاتور البشير، للحفاظ على سلطته، يمكن أن يُغرق السودان بالدماء، إذا طاوعته المؤسسة العسكرية، ونفذت أوامره، بدعم من ميليشيات فاشية قبلية. وسيكون هذا الاتجاه غريبًا عن تاريخ الجيش السوداني في علاقته بالأزمات السياسية، وخاصة عندما تندلع الثورات الكبرى، كما هي حال الشعب السوداني اليوم.

Tags

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Close