تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

مؤشرات التوجّه العربي للتقارب مع نظام الأسد

لم يستبعد الأمين العام المساعد لـ (جامعة الدول العربية) حسام زكي حدوثَ أيّ تغيير، بخصوص إعادة تفعيل عضوية النظام السوري في (الجامعة العربية) في المرحلة المقبلة، وأشار زكي إلى “وجود نقاش بين الدول الأعضاء حول الأمر”، وأن مقومات التوافق “ليست موجودة حتى الآن”، وجاء ذلك خلال مؤتمر صحفي عقده بمقر (جامعة الدول العربية) في القاهرة، الاثنين الفائت.

وكانت (الجامعة العربية) قد علقت مشاركة وفود سورية في اجتماعاتها؛ لعدم تنفيذ تعهداتها، ضمن خطة العمل العربي لحلّ الأزمة السورية، وتوفير الحماية للمدنيين في سورية، كما قررت فرض عقوبات سياسية واقتصادية، ودعت إلى سحب السفراء العرب من دمشق، أواخر العام 2011.

وفي آخر تطور لموضوع إعادة العلاقات مع نظام الأسد، أُعلن أن دولة الإمارات ستعيد فتح سفارتها في دمشق، اليوم الخميس، في خطوة تمثل دفعة دبلوماسية كبيرة لنظام الأسد ومن يسانده. وسبق ذلك دعوةُ (البرلمان العربي) مجلسَ جامعة الدول العربية واللجان المعنية، إلى “العمل والتنسيق، من أجل إعادة سورية إلى الفضاء العربي”، وذلك في بيانه الصادر عن الجلسة الثالثة المنعقدة في القاهرة، في الـ 11 من الشهر الجاري.

بالتزامن، تواترت أنباء عدة عن توجّه عربي، لكسر عزلة رئيس النظام السوري بشار الأسد عن محيطه العربي، التي بدأت على إثر اندلاع الثورة السورية 2011، وترافقت تلك الأنباء بخطوات عربية تجاه الأسد، توحي ببدء تعويم النظام السوري عربيًا. فما أبرز الأحداث التي تدل على ذلك؟

زيارة الرئيس السوداني إلى سورية

الحدث الأبرز في إطار السعي العربي لترميم العلاقات مع دمشق هو زيارة الرئيس السوداني عمر البشير إلى سورية، وما حملته في طياتها من أبعاد سياسية مهمَّة، كونها الزيارة الأولى لرئيس عربي، منذ اندلاع الثورة السورية، ووصل البشير إلى دمشق على متن طائرة روسية، في زيارة لم يعلن عنها إلا قبيل عودته إلى الخرطوم.

خلال المحادثات، أكد الرئيسان: السوداني عمر البشير والسوري بشار الاسد، أن “الظروف والأزمات التي تمر بها العديد من الدول العربية تستلزم إيجاد مقاربات جديدة للعمل العربي، تقوم على احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية؛ وهذا بدوره كفيل بتحسين العلاقات العربية، بما يخدم مصلحة الشعب العربي”، بحسب ما نقلت وكالة الأنباء السورية (سانا).

وأعلنت وزارة الخارجية الروسية، في بيان لها عن أملها “أن تسهم نتائج الزيارة في إعادة العلاقات بين الدول العربية وسورية، واستئناف عضويتها الكاملة في جامعة الدول العربية، في أقرب وقت ممكن”.

تندرج زيارة الرئيس السوداني عمر البشير إلى دمشق، في إطار التسويق لبشار الأسد سياسيًا، ويرجح أن تكون الخطوة الأولى باتجاه كسر الجمود العربي نحو الأسد، ويدعم ذلك الترحيب الروسي بالزيارة وتوقعاتها منها، ولا تخرج الزيارة عن هذا النطاق؛ إذ لا مبرر آخر لها؛ باعتبار أن كلا البلدين يعاني أوضاعًا داخلية معقدة. وجميع التصريحات التي رافقت الزيارة وأعقبتها أكدت أهمية نتائجها، من ناحية عودة العلاقات العربية مع سورية، كما أن الرئيس السوداني عمر البشير، المطلوب لـ (محكمة الجنائية الدولية)، وحليف السعودية في حربها باليمن، غير قادر على لعب أدوار رئيسة على الساحة العربية، نظرًا إلى ما تعانيه بلاده من أوضاع اقتصادية صعبة، ولا يتعدى دوره إيصال الرسائل بين الأطراف العربية.

زيارة علي مملوك إلى مصر

على صعيد آخر، أعلن (جهاز المخابرات العامة المصرية)، يوم الأحد الفائت، عقد لقاء جمع علي مملوك رئيس (مكتب الأمن الوطني السوري)، برئيس (جهاز المخابرات العامة المصرية) اللواء عباس كامل، في القاهرة، وقالت وكالة الأنباء السورية (سانا)، في بيان مقتضب: إن الجانبين “بحثا مختلف القضايا ذات الاهتمام المشترك، بما في ذلك القضايا السياسية والأمنية وجهود مكافحة الإرهاب”.

صحيفة (الوطن) السورية، المقربة من النظام الحاكم، نقلت عن مصادر مطلعة أن “الزيارة أتت في سياق إعادة توحيد الصف العربي”.

وتأتي أهمية الزيارة من موقع مصر في التحالف الرباعي العربي، المنضوية به مع السعودية والإمارات والبحرين، وازداد تنسيق المواقف بين هذه الدول على نحو لافت بعد الأزمة مع قطر، ويحتمَل أن تكون مصر واجهة لمواقف هذه الدول تجاه النظام السوري أو متكاملة معها، بخاصة بعد بدء الحديث عن تحضيرات فتح السفارة الإماراتية في دمشق، وموافقة السعودية على تحمّل تكاليف إعادة الإعمار في سورية، بدلًا من الولايات المتحدة، وقد تسعى دول، مثل مصر والإمارات والسعودية، لمحاولة كسب النظام السوري، بما يفيد صراعها وتنافسها مع دول إقليمية في المنطقة، ولا سيّما تركيا.

تصريحات ملك الأردن

في الاتجاه ذاته، خطا الأردن نحو سورية، وبدأ بإعادة علاقته مع النظام السوري إلى سابق عهدها، وقال العاهل الأردني عبد الله الثاني، خلال لقائه صحافيين أردنيين، الأحد الماضي: “علاقاتنا ستعود مع سورية، كما كانت من قبل. نتمنى لسورية كل الخير، إن شاء الله الشغل سيرجع كما كان من قبل، وكذلك الأوضاع تتحسن في العراق بشكل ملحوظ، ونحن دائمًا على تواصل معهم، من أجل فتح الأسواق لمنتجاتنا”.

وعلى الرغم من أن الأردن يعاني أوضاعًا اقتصادية صعبة، فإنه أبقى على منفذه الحدودي مع سورية (جابر-نصيب) مغلقًا، طوال فترة سيطرة قوات المعارضة السورية (ثلاث سنوات) على المنطقة، قبل أن يقرر إعادة فتحه منتصف تشرين الأول/ أكتوبر من العام الجاري، على إثر عودة المنطقة لسيطرة النظام السوري.

وتعتبَر الأردن بوابة اقتصادية ومنفذًا بريًا، بين الدول العربية والنظام السوري، وتأكيد العاهل الأردني عودة العلاقات مع سورية كما كانت سابقًا، قد يكون تمهيدًا واضحًا للبدء بإعادة التبادل التجاري بين الدول العربية والنظام السوري عبر الأردن، وبالتالي تسويق النظام السوري، كشريك اقتصادي مهم في المنطقة العربية.

إن تزامن عمليات تعويم النظام السوري -عربيًا- من نواحٍ عدة (سياسية، استخباراتية-أمنيَّة، اقتصادية)، يشير إلى بدء مرحلة جديدة، ولأننا في منطقة مليئة بالمتغيرات وتتقلب فيها الأحداث والمواقف باستمرار، واستنادًا إلى المؤشرات السابقة؛ يمكننا القول إن المرحلة القادمة قد يسود فيها اتجاهٌ يؤيد عودة التطبيع العربي مع النظام السوري إلى سابق عهده، وإن الخطوات الفردية تجاه الأسد -حاليًا- قد تكون تمهيدًا لخطوات جماعية تالية. وإذا أثبت الربيع العربي أن هموم الشعوب العربية واحدة، تتمثل في العيش الكريم والسعي نحو الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية؛ فإنه أثبت كذلك أن للأنظمة العربية همومَها أيضًا، وتتلخص في محاربة الشعوب وقمع تطلعاتها إلى الحرية والديمقراطية، والعمل على إبقائها تحت نير العبودية المطلقة للسلطة الحاكمة، وفي سبيل ذلك ستستمر هذه الأنظمة في “التنسيق والعمل المشترك”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق