سلايدرقضايا المجتمع

الزواج المبكر.. مقصلة الطفولة

ملفات مُكدّسة وازدحام في قاعات المحاكم، وفتيات لم يتجاوزن الثامنة عشر من عمرهن يخفين أوجههن الطفولية، في انتظار الحصول على حكم الطلاق، ومستقبل مجهول بعد أن فقدن طفولتهن بزواجهن المبكّر.

الطفلة (رهام) ذات الاثني عشر ربيعًا كانت أفضل حالًا من أترابها، إذ إنها تجاوزت الكارثة، وطلبت الانفصال، قبل أن يتم زواجها بالشاب الذي خطبها، وكان لها ما أرادت.

تحدثت رهام إلى (جيرون) موضحة تفاصيل ما حدث معها، وقالت: “حضرتُ محاضرة، منذ عدة أيام، تتحدث عن مخاطر الزواج المبكر وآثاره السلبية، واقتنعتُ بحدوث تلك المخاطر؛ فقررت أن أفسخ خطوبتي، وأخبرت أهلي بالأمر، وبالفعل لم ألقَ اعتراضًا، فأبي متوفى وأخي صغير، ولم يرفض خالي القائم على أمرنا قراري، وأخبرته بأنني قررت أن أكمل دراستي”.

أكملت رهام حديثها بصوت طفولي، وقالت: “أتمنى أن أكون طبيبة في المستقبل، لقد تركت المدرسة هذا العام بعد خطوبتي، وسأعود العام المقبل لأكمل دراستي”، وتابعت: “أستغل وقتي الآن في دورة للخياطة أتعلم التطريز، وقبل شهر شاركت في دورة تمريض”.

لم تُعبّر (رهام) عن فرحها أو حزنها بفسخ الخطبة، فقد كانت تتعامل مع الأمر على أنه “قطعة حلوى” تذوقتها ولم يعجبها طعمها. حاولوا قصّ أجنحتها الطفولية بسبب الفقر، لكنها استطاعت أن تتحول من طين إلى أثير، وواجهت الموقف، ومن حسن حظها أن أهلها لم يُجبروها على الاستمرار في تلك اللعبة الخطرة.

أكثر ما يثير الدهشة والحزن أن الطفلة كانت تعتقد أن الزواج هو عملية تجميل للشخصية: قصة شعر وأحمر شفاه وكحل وفستان أبيض، كانت تتمنى أن تكون “ملكة” تنظر إليها صديقاتها في يوم العرس بإعجاب، بعد أن حرمها الفقر الكثير من الأشياء، فتمنت أن تُحقق أمنياتها في ليلة واحدة، لتكون كدمية ترتدي فستانًا وتتزين بمساحيق تجميل تغطي القهر الذي سكن وجهها.

تؤكد دراسة نشرها (المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية) في آب/ أغسطس 2017، أن نسبة تزويج القاصرات في البلاد، قبل أحداث الحرب، كانت تصل إلى نحو 7 بالمئة من مجموع القاصرات، وبلغت 15 بالمئة في 2012، وتجاوزت 30 بالمئة عام 2015.

وفي السياق ذاته، أصدرت (وزارة العدل) التابعة لنظام الأسد تقريرًا، تؤكد فيه أن عقود زواج القاصرات بلغت 10 بالمئة من عقود الزواج المسجلة في المحاكم الشرعية في دمشق في 2013، وتزيد النسبة كثيرًا في مناطق الأرياف البعيدة من العاصمة. وأما العقود غير المسجلة في المحاكم الشرعية، فتمثل عقود زواج القاصرات فيها 60 بالمئة.

من جهة ثانية، أكدت والدة رهام (أم محمد)، وهي سيدة فقدت زوجها منذ أعوام، ولم يعد لديها سوى أولادها الذي يبلغ الكبير منهم 14 عامًا، في حديث إلى (جيرون) أنها لم تُجبر ابنتها على الاستمرار في الخطبة والزواج، وأنها حاولت فقط أن تُقنعها عن العدول عن رأيها، لكنها رفضت، فاحترمت رغبتها، لافتة النظر إلى أنها لم توافق على خطبة ابنتها إلا بسبب الظروف الصعبة والفقر المطبق الذي يعيشون فيه.

وأضافت أم محمد: “على الرغم من صغر سن رهام، فإن لديها عقلًا واعيًا أكبر من عمرها، هي من اختارت الخطبة وهي من أنهتها. لقد وافقتُ على خطبتها، بسبب ظروفنا المعيشية، حيث إننا لا نملك سوى هذا المنزل الذي اشتراه لي زوجي الراحل، ولكن ليس لدينا ما يكفي لنعيش حياتنا كالآخرين، وهذا ما جعلني أرضى بأن أزوج ابنتي في عمر مبكر”.

من جانب آخر، قالت عائشة طعمة، المحاضرة في إحدى حلقات “زواج القاصرات”، لـ (جيرون): “لقد طرحنا خلال المحاضرة عدة أفكار في ما يخص الزواج المبكر، وأكدنا أن جسم الفتاة الصغيرة ليس مهيئًا للتغيرات الفيزيولوجية المصاحبة للحمل، ويُعتبر هذا السبب رئيسيًا في إصابتها بأمراض نفسية عدة، كالاكتئاب والتوتر والقلق والأرق والوسواس القهري، وبالتالي قد يؤثر في العلاقة الزوجية والعناية بالمولود”.

المحاضرة التي حضرتها رهام، وقررت على إثرها إنهاء خطبتها، بحسب طعمة، قدّمت “فكرة عدم تهيؤ الفتاة -نفسيًا- في سن مبكرة، لممارسة العلاقة الزوجية، ولتحمل مسؤوليات الأسرة، ما قد يُسبب صدامات وخلافات زوجية”، ولفتت النظر إلى أن المحاضرة “تطرقت إلى أهمية التعليم، وكيف يمكن أن تُحقق الفتاة بالتعليم الاستقلال وحرية القرار وزيادة الوعي، وتشارك في مواقف الحياة، وتتمكن من الدفاع عن نفسها”.

وتنص المادة 16 من قانون الأحوال الشخصية السوري على أن أهلية الزواج في الفتى تكتمل بتمام الثامنة عشرة من عمره، والفتاة في السابعة عشرة من عمرها، ولكن لم ينص القانون على منع ناقصي الأهلية من الزواج، بل على العكس سمح لمن هم تحت السن القانوني بالزواج، في المادة 18 من الأحوال الشخصية، إذا ادعى المراهق البلوغ، بعد إكماله الخامسة عشرة أو المراهقة بعد إكمالها الثالثة عشرة، وطلبا الزواج، ويأذن القاضي بالعقد، إذا تبين له صدق دعواهما واحتمال جسميهما، شرط موافقة ولي الأمر.

في الموضوع ذاته، أكدت الاختصاصية النفسية أمنية ترك، في حديث إلى (جيرون)، أن “الزواج المبكر يؤدي إلى الحرمان العاطفي، سواء من حنان الوالدين أو من حقها في اختيار الزوج المناسب، إضافة إلى حرمانها من عيش مرحلة الطفولة، متمنية إصدار قوانين تمنع زواج القاصرات، وتلاحق الآباء والأزواج قضائيًا”.

وأوضحت الترك الآثار السلبية للزواج المبكر، حيث “يؤدي إلى حدوث اضطرابات في العلاقات الجنسية بين الزوجين، تنتج عن عدم إدراك الطفلة لطبيعة العلاقة، وتؤدي إلى فشل العلاقة الزوجية، وإلى عدم التكيف وعدم القدرة على تحمل المسؤولية، كما قد تؤدي بعض الحالات إلى إدمان الفتيات القاصرات على التدخين أو الكحول، بسبب كثرة الضغوط”.

ورأت الاختصاصية النفسية أن “زواج الفتاة القاصر سيؤدي إلى حرمانها أيضًا من حق التعليم، ما يؤثر عليها وعلى أطفالها في المستقبل، لكونها لم تكتسب خبرة كافية في الحياة، كما أنه يؤدي إلى اتخاذ قرارات غير سليمة وحكيمة، إذ تكون الفتاة غير قادرة على تعليم أبنائها؛ الأمر الذي يساهم في نشر الأمية والجهل في المجتمع”، وأشارت إلى أن “المنظمات تُحاول توعية الأهالي بمضار وسلبيات الزواج المبكر في محاولة لتقليل نسبته”، ولكنها اعتبرت أن تغيير تلك العادات والتقاليد المترسخة في أذهان الكثيرين “صعب للغاية”.

يُشار إلى أن نسبة تزويج القاصرات السوريات ارتفعت في دول الجوار، وفق منظمة الأمم المتحدة، إذ أكدت الإحصائية أن 35 بالمئة، من مجموع حالات زواج اللاجئات السوريات في الأردن، هي حالات زواج مبكر، بينما 32 بالمئة من حالات الزواج بين اللاجئين في لبنان هي لفتيات تحت سن 18 عامًا، وبلغت النسبة 25 بالمئة من القاصرات السوريات في مصر.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق