أدب وفنون

سهير المصادفة: “الربيع العربي هو الأهم في تاريخ العرب الحديث”

ضيفتنا اليوم.. شاعرة وروائية ومترجمة مصرية، من أعمالها: مجموعة (هجوم وديع)، مجموعة (فتاة تجرب حتفها)، رواية (لهو الأبالسة)، رواية (ميس إيجيبت)، و(رحلة الضباع)، و(بياض ساخن)، و(لعنة ميت رهينة)، حصلت على دكتوراه في الفلسفة عام 1994 من موسكو، وهي عضو في اتحاد كتاب مصر، وعملت رئيسًا لتحرير “سلسلة كتابات جديدة” بالهيئة المصرية العامة للكتاب، شاركت في هيئة تحرير وترجمة بعض القواميس والموسوعات مثل: قاموس المسرح، موسوعة المرأة عبر العصور، دائرة المعارف الإسلامية. وترجمت عن الروسية رواية (توت عنخ آمون) للكاتب الروسي باخيش بابايف، وكل حكايات الأطفال التي ألفها شاعر روسيا الأشهر بوشكين، ومعظم حكايات كاتب الأطفال الروسي أفاناسيف. حصلت على العديد من الجوائز والتكريمات، إنها الروائية والشاعرة د. سهير المصادفة التي التقتها (جيرون) وكان لنا هذا الحوار:

– تتنوع ألقابك بين الشاعرة والروائية والمترجمة والباحثة.. فأيّ الألقاب تفضّلين؟

= بالتأكيد، الروائية، نحن نفضل دائمًا خيارنا الأخير، حيث نكون أكثر نضجًا، ويصبح متأخرًا أن نتراجع عن خيارنا هذا، أظن أن كل ما كتبتُ، وكل ما ترجمتُ، كان قرابين لأكتب الرواية في النهاية، وليس فقط كل ما كتبت؛ ولكن كل ما فعلت في حياتي، وكل ما قرأت، كان من أجل كتابة رواية فارقة.

– إذن متى بدأتِ الكتابة؟ وما العوامل التي ساهمت في إبراز موهبتك؟

= في سن مبكرة، بعد انتهاء المرحلة الابتدائية مباشرة، كنت قارئة نهمة، وقرأت -آنذاك- كل ما هو متاح في مكتبة أبي، ولدى باعة الصحف، من كتب الألغاز والمغامرات وأعداد مجلتي ميكي وسمير، ثم بدأت قراءة الشعر، ثم كتبت ما أذهل في هذا الوقت مدرّسيّ، فأولوني رعايتهم، وهكذا بدأت رحلتي مع الكتابة.

– روايتك الأولى (لهو الأبالسة) حققت -وما زالت تحقق- أصداءً قوية، على عكس عادة الأعمال الأولى، التي تكون أقل تأثيرًا ونجاحًا، برأيك ما السر؟

= لأنها -ببساطة- لم تكن عملي الأول، كنت قد نشرت ديوانين، وحصلت على جائزة كبرى، وحققت قصائدي أصداء طيبة، وكنت أترجم وأكتب في الدوريات باستمرار، وأواصل كتابة روايتي الأولى طوال خمس سنوات، ثم أعيد كتابتها مرات عديدة، وأخلصها من أكبر قدر ممكن من مشاكل العمل الأول. أظن أن السر يكمن في وسوستي عند النشر، وتأخري قليلًا عن دفع مخطوطاتي إلى الناشر فور الانتهاء منها، بل أحتفظ بها أمامي مدة ليست قصيرة.

– قلتِ ذات مرة “يكفيني كتاب واحد كل خمس سنوات”، وبالفعل نجد أعمالك الإبداعية قليلة بعض الشيء، فلماذا أنتِ مُقِلّة في الكتابة؟

= كما أخبرتك.. أنا مُوسوِسة عند نشر أعمالي، وأحرص أن تكون روايتي الجديدة إضافة إلى مشواري الإبداعي، أعرف أن المكتبة العربية قاسية في أحكامها، وأنها تتخلص -أولًا بأول- من الكتب الضعيفة، وتلقيها مع أول فرصة، إلى غياهب النسيان. أنزعج من عدد الروايات التي تطرحها المطابع العربية في السوق كل يوم، من دون مراجعة ولا تأن. قلت ذلك في حوارٍ، بعد نشر روايتي الأولى (لهو الأبالسة)، التي أعدتُ كتابتها بخط يدي ثلاث مرات حتى عام 2003، (لم يكن لدي جهاز حاسوب آنذاك). منذ سنوات، أنا أكتب مباشرة على الكمبيوتر وهذا يختصر كثيرًا من وقت إعادة الكتابة أكثر من مرة، ثم تصحيحها حتى الوصول إلى درجة الاطمئنان على العمل. ولذلك ستجد أن الفترات الزمنية تقاربت بين روايتي الثانية (ميس إيجيبت) والثالثة (رحلة الضباع)، فأصبحت عامًا واحدًا فقط، بين (رحلة الضباع) و(بياض ساخن).

– روايتك (ميس إيجيبت) استغرقت أربع سنوات، هذا يذكرني بمقولة لماركيز: “مع كل الخبرة التي اكتسبتُها لم يعد لدي مشكلة في كتابة رواية جديدة، لكن أخشى أن يلاحظ الناس أن قلبي ليس في الرواية”، فهل تسيرين على نهج ماركيز؟

= نعم؛ ويكاد يكون الأمر شديد التطابق مع مزاجي الإبداعي وحالتي النفسية، فالآن أستطيع -ببساطة- أن أكتب رواية جديدة كل ثلاثة أشهر، ولكنني بالفعل أخشى أن أكون “مجرد حرفية”، أخشى ألا تكون روحي قد انسكبت بكاملها في سطور الرواية، أو على الأقل جزء من روحي لا يُستهان به. في الفترة التي أتأمل فيها مخطوط الرواية، قبل تسليمها إلى الناشر، أتلمس ذلك بحرص، وأتأكد أن روحي قابعة هناك. على كل حال، لا أبدأ الكتابة فعليًّا، وتستلبني الأحداث كليًّا، إلا وأنا محمومة بسخونتها، وأرى أمام عيني روحي وهي تواصل نزفها.

– وكيف ترصدين حركة شخصيّات رواياتك، هل يتم ذلك من خلال مشاهداتك اليوميّة أم من خلال مخزونك التراثي وما تلتقطينه شفاهيًّا، أو تسمعينه، أم ماذا؟

= من كل ذلك معًا، وأكثر، من رؤى تداهمني أيضًا، من أحلام تطاردني، وأنا نائمة وأنا مستيقظة على حد سواء، من ذكرى بعيدة في طفولة مبكرة، أندهش كيف أتذكرها هي بالذات دون غيرها، فتسحب معها عالم الرواية كله بشخوصه وزمانه ومكانه، من مقطع من أغنية منسية لصوت مجهول. تختلف كل مرة نقطة إلهام الرواية، ولكنني أظل أرقبها أيامًا باهتمام، وأتأمل اتساعها وبريقها الذي يزداد حدة، حتى تتولد منها الشخوص، فأتركهم يتحركون أمامي بحرية مدة أخرى من الزمن، وعندما يزداد صخبهم ويبدؤون الكلام والحركة ويسعون معي لخط مصايرهم؛ هنا فقط تأخذني حمى الكتابة، فأكتبهم.

– يقولون: إنّنا نعيش مرحلة موت الشّعر والقصة، وازدهار الرّواية، هل يمكن أن يموت الشعر؟

= ليس هناك جنس أدبي يموت. الشعر -كما تعرف- مرتبط بشغف ووهج وشباب ومراهقة وفتوة العالم، مرتبط بالرغبة في التحليق والصعود لإمساك القمر وجلب قطعة منه للحبيبة، مرتبط ببكارة الحواس الخمس وما زاد عليها من حواس، مرتبط بسخونة المشاعر وفعالياتها التي لا تقل عن نسبة مئة في المئة، مرتبط بكون غامض يدور في فلكه الشاعر بكلماته الآسرّة ليحاول فك غموضه، مرتبط بأراض جديدة وغابات موغلة في العمق. الشعر كان طوال الوقت وعبر قرون، قليلًا، أعني الجيد منه بالطبع، والآن أصبح الشعر أقلّ من القليل. أحيانًا أتصور أن العالم أصبح كهلًا، ولم يعد يحتمل الشعر، أصبح القمر في متناول اليد، وتبدلت المشاعر، وأصبح العالم مثل كرة صغيرة يلهو به الصغار، ألا يذكرك الهاتف الذكي في يد طفل أو طفلة صغيرة وإصبعها يحرك شاشته، فتتغير خرائط العالم أمامها ويأتيها الكون صاغرًا، أنت ترى الكون كله في راحة أيدي الصغار، وهذا قتل للخيال الذي هو مرادف أوّلي للشعر.

– يؤكد البعض أهمية الجوائز في حياة المبدع، بينما يرى آخرون أنها طوق نجاة يُلقى به إلى غريق بعد وصوله إلى الشاطئ، أي رأي تؤيدين؟

= الجوائز -بالتأكيد- مهمة للمبدع، هكذا كانت منذ ذيوعها، ولكن كم من مبدعين لم يحصلوا على جوائز وهم خالدون، مثل دوستوفيسكي، وكم من مبدعين حازوا جائزة نوبل نفسها، وألقاهم التاريخ في غياهب النسيان. رأينا مبدعين شبابًا حازوا جوائز كبرى في بداية مشوارهم الأدبي، وقتلتهم هذه الجوائز، فلم ينتجوا شيئًا ذا قيمة بعدها، ورأينا مبدعين كبارًا لم يحصلوا على الجوائز المهمة إلا في نهاية مشوارهم الأدبي، ولكنهم تفرغوا لمشروعهم الإبداعي، ولم تشوشهم أضواء الجوائز. الجوائز الأدبية مهمة بالتأكيد، ولكنها تكون لعنة على غير الموهوبين وعلى الجائزة، وتكون إضافة مهمة إلى الأدب؛ إذا مُنحت للموهوبين الذين يستحقونها.

– من موقعك كمترجمة، كيف تقارنين بين حركتي الترجمة: الأدب العربي إلى لغات أجنبية، والأدب العالمي إلى العربية؟

= أرى أن حركة الترجمة من الآداب العالمية إلى اللغة العربية أكثر غزارة وأهم بكثير. الغرب يترجم أكثر من دون شك، ولكن نصيب الأدب العربي منه قليل. وليس بسبب ما يقوله بعض المغتربين العرب ويرددونه ليل ونهار، من أن الإنتاج الغربي أروع وأكثر ثراء وقيمة. أرى أن الغرب أكثر تكاسلًا في ترجمة الأدب العربي، وأن اختياراته انتقائية لتلبية الصورة الذهنية التي رسمها للمواطن العربي. يوجد الكثير من الأعمال الإبداعية المهمة والأكثر روعة من إنتاج الغرب، ولكن المستشرقين لا يترجمون إلا النزر القليل من أعمال أقل قيمة للسبب أعلاه، أو بسبب الشللية وعدم اجتهادهم للحصول على المشهد الأدبي العربي كاملًا.

– أبديتِ إعجابك بالاستجابات النقدية الشبابية التي تواكب أعمالك الإبداعية باستمرار، كيف تنظرين إلى النقد الذي تناول تجربتك، وهل من أثرٍ له في النص الذي تكتبينه؟

= نعم، أفرح جدًّا باستجابة الشباب لما أكتب، ففي مصر، في السنوات الأخيرة تحديدًا، تكون من الشباب جموع من القراء والباحثين بأعداد كبيرة، وحققوا معدلات كبرى في القراءة والدراسة والبحث، وهم متفوقون لأن وسائل تعليمهم صارت أحدث واتصالهم بالعالم صار أسرع، هم يعرفون جيدًا ماذا يكتب العالم بأسره الآن، ويستطيعون فرز الغث من السمين، وبوجودهم ومواصلة مشوارهم البحثي سيحققون طفرة نقدية هائلة في العالم العربي. أتابع باهتمام بالطبع كل ما يُكتب عن أعمالي، ولكن كيف يكون له أثر فيما سوف أكتب، فأنا كل مرة أحاول حرث أرض جديدة ولا أعرف كيف سيرون ما ستنتجه تلك الأرض.

– هل توافقين على تعبير الأدب النسويّ والأدب الذكوري؟ ولمن تقرئين من الأديبات العربيات؟

= لا؛ الأدب أدبٌ، سواء كتبه امرأة أم كتبه رجل، المضحك في الأمر أنه لا يوجد من يطلق عبارة “أدب ذكوري”، وإلا وافقت على المقولة، هم يكتبون أدبًا إذا كان كاتبه رجلًا، وحتى إذا كان أدبًّا رديئًا وركيكًا، ثم يطلقون على ما تكتبه المرأة: أدبًا نسويًّا. حتى إذا كان أدبًّا رفيع المستوى ومتفوقًا على الأدب الذي يكتبه الرجل. أما بخصوص قراءاتي، فأنا أتابع كل الكاتبات العربيات باهتمام، ومن دون ذكر أسماء، حتى لا أُغضبَ بعضهن.

– هل تعانين من مأزق الورقة البيضاء؟

= مطلقًا، على العكس تمامًا، أنا أفرح ما دامت الأوراق بيضاء، وليس هناك ما يُكتب، ولكن دعني أتذكر متى رأيت أوراقًا بيضاء؟! أظن أنني على العكس أحاول الهرب من تسويد الأوراق، فتقريبًا الكتابة تطاردني طوال الوقت. ذات مرة، وتحديدًا بعد انتهاء الفصل الثاني من (بياض ساخن)، وجدتني أمام الأوراق البيضاء وظننت أنني أعاني من حالة “توقف المبدع”، ففرحت وقلت لنفسي: “هذا أفضل!”. ولم يمر سوى يومين ووجدتني من جديد أقف محمومة في منتصف عصف الكتابة.

ختامًا.. كيف تقرأ “سهير المصادفة” تأثير الربيع العربي على المشهد الإبداعيّ عربيًّا في السنوات الأخيرة؟

= الربيع العربي هو الأهم على الإطلاق، في تاريخ العالم العربي الحديث، كان يوم العرب قبله مثل بحيرة راكدة، تُلقى فيها الأحجار فتدور قليلًا لتبتلعها إلى الأبد، كان الخرس والاكتئاب على وجوه معظم دول الربيع العربي في الشوارع، يصيب الكتابة بالبلادة، إلا القليل منها. مَن كان يرى بعينين مفتوحتين على آخرهما. وفجأة أصبحت الشوارع والميادين تغصُّ بالصور، فجأة رأينا كيف تُرفع صفحات من تاريخ العرب إلى جوار بعضها البعض، واختفى الحد الفاصل الراكد بين الخير والشر في الشخوص، فأحدهم قد تراه -شكليًّا- بلطجيًّا، وأنت داخل إلى ميدان التظاهر، ثم تكتشف أنه ثوري، وقد يموت برصاصة إلى جوارك بعد يومين. كانت الدماء تسير جنبًا إلى جنب مع الأغنية، نعم.. شهد -وسيشهد- الأدب العربي الكثير في السنوات القادمة. وكما أن الربيع العربي كان له ما له من كوارث على المنطقة، مثل ما له من صحوة استثنائية للشعوب، فهكذا كان الأدب العربي، ونحتاج إلى وقت إضافي لنستطيع تحديد تأثيره جيدًا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق