مقالات الرأي

الانسحاب الأميركي والتوسّع الإيراني

أفقَد قرارُ الرئيس الأميركي بالانسحاب من سورية رؤساءَ العالم صوابَهم، بين مستغربٍ “ماكرون”، ومستمتعٍ “بوتين”، ومتخوفٍ “روحاني”، وفرحٍ بقلق “أردوغان”، ومغتاظٍ “نتنياهو”، وهناك عشرات الاحتمالات عمّا سيُفضي إليه ذلك؛ وعدا ذلك، فهناك استقالة وزير الدفاع الأميركي، واحتمال استقالات أخرى.

مالت بعض الآراء إلى القول إن ذلك الانسحاب هو انسحابٌ كلِّي، من كل شؤون سورية، وكأن أميركا بلدٌ تافه، وليست دولة عالمية، لها سياسات في كل أنحاء العالم، وبالتأكيد في سورية؛ وهناك -على عكس الرأي السابق- من قال إن الانسحاب سيساعد أميركا في معركتها المستمرة ضد إيران.

بالتأكيد، ثمة فراغٌ نتج عن قرار الانسحاب، وربما هناك حروبٌ ستندلع في شمال سورية، وربما ستتعقد المشاورات، بين حلف روسيا (تركيا وإيران) على كيفية تقاسم الكعكة السورية. أعتقد أن هذه الآراء تستعجل باستنتاجاتها، بسبب الوضع المتأزم سوريًا وإقليميًا وعالميًا؛ فالعالم بأكمله يمرُّ بمرحلة من انعدام السياسات العقلانية، وليس آخرها تكرار المسؤولين الروس أن لسيف الإسلام القذافي الحقَّ في الترشح لرئاسة ليبيا. عالمٌ يحكمه كل من بوتين وترامب وروحاني وأردوغان وسواهم، يستحق ثورات متصلة دون أدنى شك، وها هو الربيع العربي يتجدّد في السودان، واحتجاجات تونس والأردن والعراق.

انسحاب أميركا، سواء أكان انسحابًا منفردًا من الشأن السوري، أم متوافقًا مع روسيا وتركيا خاصة، سيفيد في تسهيل مهمة الروس، ليتسلّموا مهمة التغيير في النظام، ولا سيّما بعد الانتهاء من الثورة، وبالتالي تشكيل نظام يتوافق معها، ويسمحُ بتمثيلٍ سياسيٍّ لطرفي الصراع: المعارضة والنظام. وهنا يصبح إخراجُ إيران ضروريًا من سورية، أقول ربما يكون الأمر كذلك، وفي كل الأحوال، ستكون روسيا الآن أمام مهمة جديدة؛ فكيف ستُجري تسوية سياسية، وكيف ستساعد هذه التسوية في استجرار الأموال؟ إن الأموال الخليجية أو الأوروبية لن تتدفق، قبل حسم مسألة التغيير في النظام.

الموقف من إيران في سورية نجد تفسيره عبر توافق ترامب مع نتنياهو، بأن الانسحاب من سورية لن يكون على حساب “إسرائيل”، وأن للأخيرة كل الحق في ضرباتٍ مستمرة ضد الوجود الإيراني في سورية، وربما يكون هناك مخطط إسرائيلي – أميركي لعمليات عسكرية أوسع، تشمل داخل إيران ذاتها.

من الخطأ بمكان تصوير عملية انسحاب الأميركيين، وكأنها موافقة لتمدّدٍ إيراني في سورية وغيرها؛ فهناك انسحابٌ من اتفاق نووي، وهناك عقوبات دولية مشدّدة، وهناك رفضٌ خليجي وإسرائيلي لكل سياساتها في العالم العربي. عدا كل ذلك، فإن إيران تنافس أميركا ذاتها، في كل من العراق وأفغانستان خاصة، وأضيف هنا أن الانسحاب من العراق لم يكن كاملًا، وهناك معلومات تؤكد بناء قواعد عسكرية أميركية جديدة في العراق. إذًا لنفصِل بين الوجود الأميركي في سورية وفي العراق؛ فليس من تغييرٍ في مواقف ترامب والإدارة الأميركية ضد إيران، والموقف من إيران هو عنصر اختلاف بين رؤية كل من أوباما وترامب، حيث سعى الأوّل لتوقيع الاتفاق النووي، بينما انسحب الثاني منه. الفكرة الأخيرة لمن يرى أن سياسات ترامب استكمالٌ لسياسات أوباما.

أميركا لم تؤيد ثورة عربية، ولكنها حاولت أن تغازل الإسلام السياسي، ليكون بديلًا من النظام القديم، وحاجزًا أمام الثورات أولًا، والجهاديين ثانيًا، ولكنها لاحقًا تخلت عن الإسلاميين، لمصلحة دعم الدكتاتوريات مجدّدًا، وبالتالي كان من أكبر الكوارث على الثورة السورية رؤية المعارضة التي أكدت أنّ هناك تدخلًا خارجيًا قادمًا، وأن هذا التدخل ضروريٌّ لإزالة النظام، وما زالت كتلٌ من المعارضة تتبنى الرؤية ذاتها؛ فليس من تغيير دون تدخلٍ خارجيٍّ.

أميركا لم تتدخل لدعم الثورة السورية أولًا، وحينما تدخلت حاربت إرهابًا، ساهمت هي في وصوله إلى سورية، عبر العراق وتركيا، أي سمحت له بالوصول عبر مطارات العالم، وحدود سورية، لمحاربته في سورية. وبالتخلص من سورية وليس الثورة فقط، كان لا بد من التخلص من الإرهاب؛ هذا يفسر ما قاله ترامب إن الإرهاب انتهى، وما تبقى منه يمكن للدول المحيطة بسورية التخلص منه. الحقيقة المُرّة هنا أن الحلف الأميركي لمحاربة الإرهاب بدأ في 2014، وانتهى بآخر 2018، وخلال السنوات الأربع هذه، شهدت سورية كوارثَ لن تتعافى منها بعقود.

ما نريد قوله أن أميركا لم تُنافس روسيا، يومًا، على سورية، وكانت ضد الثورة الشعبية منذ بدايتها، وهذا ما لم تعِه المعارضة، وما شكّلَ كارثة حقيقية على الثورة والشعب السوري. النظام مارس النهب ورفض الاعتراف بالثورة، ودمّرَ سورية، وهو المسؤول عن كل هذه المآلات؛ ولو أنه اختار الحوار؛ لتغيّر وجه سورية كليًا.

ليس من توسعٍ لإيران، كما يسود بعض الوهم، وربما ينتاب إيران ذاتها هذا الوهم، وخاصة أنّها حشدت الميليشيات التابعة لها فورًا نحو شمال سورية، وكذلك ما زالت تحلم بخطٍ بريٍّ يصل طهران ببيروت. ولكن هذا لن يتحقق، فكما قلت السياسة الأميركية رافضة له، وبالتالي هناك أسباب للانسحاب الأميركي، تتحدّد في الاستراتيجية الأميركية في مواجهة الصين، وإعادة تشكيل نظام في العراق بما يحقّق مصالحها، وكذلك إعادة الوحدة للخليج، وحماية “إسرائيل”. الاستراتيجية هذه للمنطقة تَمنع التوسع الإيراني، وتبقي إيران في إطار الدولة المحاصرة، واحتمال الحرب ضدها أيضًا، وربما عبر “إسرائيل”.

الكُرة الآن بيد الروس، فكيف سيتحرك بوتين لملاقاة كرةِ صديقه ترامب، هنا السؤال: هل سيكون هناك توافقاتٍ قويّةٍ مع تركيا و”إسرائيل” والسعودية ومصر، من أجل ترتيب شؤون المنطقة، ومنها سورية؟ أم ستنسحب روسيا من حلفها مع تركيا، وتخوض جولاتٍ جديدة من المعارك، في إدلب وشمال سورية، وما الرسائل التي ستصل إلى أوروبا أو الخليج حينئذ! حيث كل معركة قامت بها روسيا تطلّبت وجود الميليشيات التابعة لإيران! إذًا سيدعم الانسحاب الأميركي فكرةَ إجراء مفاوضات قوية، بين كل من تركيا وروسيا، من أجل تسويةٍ تشمل كل المدن السورية. أعتقد أن الانسحاب الأميركي يفيد في فكرتنا الأخيرة، ولكنه أيضًا يتضمن تحجيم إيران.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق