سلايدرقضايا المجتمع

شتاء النازحين السوريين.. وحلٌ وقهرٌ

شكّلت عملية تهجير ملايين السوريين، منعطفًا كبيرًا في حياة مئات الآلاف منهم، خصوصًا النازحين على الحدود الشمالية مع تركيا، والجنوبية الغربية مع لبنان والأردن، ولا يخلو تعاقب الصيف والشتاء، على مخيمات النازحين، من حملٍ ثقيلٍ للآلام، وأشدها تلك التي تأتي من ريف إدلب الشمالي، أو من مخيم الركبان على الحدود الأردنية: وحول الأراضي، فيضان الأنهار، سيول الأمطار، غرق الخيام واقتلاعها، وبرد لا تحتمله الأجساد.. وقد فُرضَت على هؤلاء النازحين تضحيات كبيرة، ونكبات لم ينجحوا بالتخلص منها، لا بالمناشدات الإنسانية والدولية، ولا في لفت الانتباه لمن يستغيث للخلاص من وحل النزوح.

خلّفت هجمات النظام على قرى السوريين ومدنهم، دمارًا وخرابًا واسعًا، وجملة من الحقائق تخص المهجرين والنازحين، داخل سورية وخارجها، فالظروف الفريدة التي يعيشها النازحون في مخيمات الجنوب، والشمال السوري على الحدود التركية، أو مخيمات عرسال اللبنانية، هي لترسيخ وضع مزرٍ يخدم بندًا واحدًا في الأجندة الدولية والإقليمية: الضغط على اللاجئين السوريين، باعتبارهم الخزان المعادي للنظام، وهذا لا يروق لمعظم الأجندة التي تسوّق رواية وقوفها إلى جانب قضية السوريين، على اعتبار أن دعم السوري في نزوحه ولجوئه يمنحه قدرًا أكبر للصمود في وجه النظام.

تأكيد حقيقة أن قضية السوريين مع الظلم والاستبداد، هي لبّ صراعهم مع النظام، وبالتالي إحاطتهم بقدر واسع من هذا الظلم، وتسليط القهر عليهم، الهدف منه إغفال أبسط حقوقهم الإنسانية في أماكن النزوح، والتغاضي عن معاناتهم يخدم في المحصلة سياسة النظام.

يتحول موسم معاناة النازحين السوريين، كلّ شتاء، إلى مناشدات لا تلقى آذانًا مصغية، مع اكتساب سياسات رسمية عربية وإقليمية خبرةً في طرق تحييد هذه المعاناة، وإبطال تأثيرها في اتخاذ قرارات عملية تخفف معاناة السوريين، على العكس، تفشت ظاهرة العداء للاجئين، وربط وجودهم بمشكلات محلية وبيئية واقتصادية واجتماعية، وانتقلت عدوى انتفاخ ظاهرة العنصرية ضدهم والتحريض عليهم.

لم يعد تسليط الضوء على معاناة السوريين في الداخل، أو في مناطق التهجير والنزوح، يستقطب التضامن المطلوب أو الشكل الطبيعي لإسناد مطالبهم الإنسانية حتى من القوى أو البلدان “المؤيدة”، وقد اهتز التأييد المألوف لمصلحة التنسيق المباشر أو غير المباشر مع النظام، وبالتالي أي خطوة تتقدم باتجاههم باتت تحسب من زاوية المصلحة مع النظام.

فكيف للسوري أو المراقب أن يُقيّم طريقة تعاطي السياسات الإقليمية والعربية مع معاناة السوريين، في قضايا الدعم النفسي والطبي والتعليمي، بإثارة الأسئلة، وقضية هذه البلدان هي التسول من المجتمع الدولي، والإيحاء بأن قضية النازحين هي سبب أزمات اقتصادية واجتماعية في هذه البلدان؟ الحديث عن وحل الشتاء وبرودة الطقس لا يقرنه البعض مع هجمات النظام ضد عموم السوريين الذين واجهوا عدوًا تميّز بوحشية وهمجية راسخة.

وعلى الرغم من ظهور أسئلة مُشكّكة بدور المنظمات الدولية والمؤسسات الفاعلة المعنية بدعم النازحين واللاجئين السوريين، لم تجر إدانة واضحة لهذا التقصير والتقاعس، وصولًا إلى حد التآمر مع النظام ضد النازحين، وإضافة القهر المركب إلى جرائم النظام التي ترامت على كاهل السوريين، التي فتحت الأعين على فداحة الظلم والقهر، في مخيمات النازحين مع موسم شتاء جديد، يُعيد للأذهان مشهد الكارثة التي لحقت بالسوريين من جراء تدمير النظام المنازل والمدارس والمشافي.

إن هدف الإبقاء على حالة الإذلال للسوريين في مناطق التهجير والنزوح، هو أن لا يتسنى للسوريين إعادة صياغة حياتهم الاجتماعية والوطنية، حتى في المناطق التي ما زالت خارج سيطرة النظام، ومنع إعادة البيئة السورية المتميزة، وتجريدها من كل عناصرها الفعالة، وإغراقها في وحل المشكلات والتفاصيل، وتصعيب إمكانية بناء ما دمّره الأسد، وتسهيل بعثرة المعاناة على أماكن مختلفة، تارة في عرسال، وأخرى في الركبان والزعتري، ودير بلوط أو في ريف إدلب الشمالي.

شتاء ووحل السوريين يزيد مأزق الدول التي تدّعي حرصها على قضيتهم، ويُعرّي الإنسانية المُدّعاة، للشعور بكل الأوقات بأن كل الجهود تهدف إلى إسناد قاتلهم لا إنقاذهم ودعمهم، فمتى ينتهي شتاء السوريين ويجف وحلهم، ويعود ربيعهم؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق