مقالات الرأي

الترامبية كبداية للانكفاء الأميركي

توقفت السياسة الهجومية الأميركية في منطقتنا، بعد الحروب التي شنّتها الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق عقب أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001، وتحولت إلى حالة انكفاء تدريجية يشوبها الارتباك والتردد، ظهر ذلك بوضوح في التعامل مع الحدث السوري الكبير منذ العام 2011. وسواء في عهد الرئيس أوباما أو عهد الرئيس ترامب الذي تلاه، لم تكن السياسة الأميركية متّسقة أو واضحة، ومع أنها شهدت تطورًا ملحوظًا في الأشهر الأخيرة، من خلال تعيين جيمس جيفري كمبعوث خاص إلى سورية، والحديث عن بقاء القوات الأميركية حتى القضاء على (داعش) والانسحاب الإيراني، وتحقيق الحل السياسي، بما يشبه وضع خطة متكاملة حول المسألة السورية، فإنّ الحديث المتكرر عن الانسحاب يربك أي خطة أميركية ويفقدها المصداقية، كما حدث في ربيع هذا العام، ويحدث في هذه الأيام.

ففي تغريدة مفاجئة، 19 كانون الأول/ ديسمبر 2018، عبّر الرئيس دونالد ترامب عن رغبته في الانسحاب من سورية، وأكد أنّ تنظيم (داعش) قد تمّت هزيمته. وهذا الأمر يتناقض بوضوح مع الاستراتيجية (ثلاثية الأهداف) المذكورة أعلاه. كما نقلت شبكة (سي إن إن) عن مسؤول في البنتاغون، أن بلاده تخطط لانسحاب تام وسريع من سورية، وأنه تمّ إبلاغ شركاء الأميركيين بهذه الخطوة.

وقع كلام ترامب وقع الصاعقة على الجميع، وعدّته (قسد)، الخاسر الأكبر من انسحاب القوات الأميركية، طعنةً في الظهر، وهددت بإطلاق آلاف الدواعش الموجودين في سجونها. أما أول ردّات الفعل الأميركية فقد جاءت من الدبلوماسية السابقة في عهد الرئيس أوباما، ويندي شيرمان، إذ اعتبرت أن “سحب قواتنا من سورية لا يشكل استراتيجية للشرق الأوسط”. تبع ذلك جدل واسع في الأوساط الأميركية حول قرار الانسحاب، واستقال، حتى الآن، مسؤولان كبيران هما وزير الدفاع جيمس ماتيس، والمبعوث الأميركي إلى التحالف الدولي ضد (داعش) بريت ماكفورك.

ولم يتأخر حلفاء الولايات المتحدة في التعبير عن استغرابهم للقرار الأميركي، فقد اعتبرت بريطانيا القرار خاطئًا، وأن من المبكر الحديث عن هزيمة (داعش)، وأعلنت فرنسا إبقاء قواتها في سورية، وجاء الموقف الألماني على لسان وزير الخارجية، الذي اعتبر قرار الانسحاب الأميركي المفاجئ مثيرًا للدهشة، ولم يكن الموقف الإسرائيلي ببعيدٍ من هذه المواقف.

في المقلب الآخر، اعتبر الرئيس الروسي بوتين أن القرار “صحيح إن حدث”، وأعلنت الناطقة باسم الخارجية الروسية، ماريا زخاروفا، أن الانسحاب الأميركي هو بمنزلة “عودة إلى القانون الدولي، وتسهيلًا للحل السياسي في سورية”. وما زالت السلطات الرسمية، السورية والإيرانية، صامتة، ولو أنها تراقب الوضع عن كثب، وتستعدّ لملء الفراغ أو بعضه.

يعكس الاهتمام بقرار الانسحاب الأميركي سعة طيف التداعيات التي قد تتبعه، ومنها إعادة توزيع أدوار الدول والكيانات المتدخلة في الشأن السوري، والآلية التي ستضبط التفاعلات الناجمة عنه، ذلك أن أثر ودور اللاعب الأميركي لا يمكن مقارنته بأي دور آخر، من حيث قدرته على تعزيز أو إعاقة خطط اللاعبين الآخرين في سورية.

أول المستفيدين هم الأتراك، بلا شك، الذين يستعدون لبسط سيطرتهم على الشريط الحدودي لتشكيل المنطقة الآمنة التي ما انفكوا يطالبون بها، منذ بداية اللجوء السوري إلى تركيا، ولن يحدّ من طموحهم سوى الحدود التي ستفرضها روسيا من خلال دعمها للقوات الحليفة المتقدمة من الجنوب والغرب، واحتمال استخدام الروس لـ “قوات سوريا الديمقراطية” في كبح مساعي أنقرة. أما احتمال قبول تركيا بانتشار قوات نظامية سورية (حرس حدود) أو قوات البشمركة التابعة للمجلس الوطني الكردي، فهو أمرٌ مشكوك فيه، ولا سيما أنها قد حصلت على ضوء أخضر أميركي، أكّده ترامب في محادثته الهاتفية الأخيرة مع أردوغان. مع ذلك، تدرك تركيا خطورة التسرع في مثل هذا “الضباب السياسي”، وقد دفعها ذلك إلى إعلان تأجيل عملية الاجتياح، ربما من أجل التنسيق مع الأميركيين.

أمام رفض حلفاء واشنطن القرار، فضلًا عن المعارضة الداخلية الأميركية، يبدو من الصعب تنفيذ القرار الأميركي، من دون إجراء تعديلات جدية عليه بغية التخفيف من آثاره السلبية، بعيدًا من التبسيط الروسي القائل إنّ الخطوة الأميركية قد تسرع الحل السياسي، كما تريده روسيا بالطبع، الذي يعني التربّع على “عرش” سورية حتى حصول انفجار آخر، هذا إن لم يتحوّل اقتسام مناطق النفوذ الحالية إلى تقسيمٍ دائم.

الدرس المهم الذي يجب تعلمه هو أن حصص الحلفاء الصغار في النزاعات الدولية قد لا تتناسب وأدوارهم التي تحددها القوى التي وظفتهم ضمن أهدافها المعلنة، وحال (قوات سوريا الديمقراطية/ قسد) مثال راهن في اعتمادها المطلق على الولايات المتحدة، في إطار التحالف الدولي ضد (داعش). لكن، ومع ذلك، لم تبلغ السياسة الأميركية هذا المستوى المخزي من التعامل مع الشركاء، مثل ما وصلت إليه في عهد الرئيس الحالي دونالد ترامب، وهو ما جعل مصداقية الولايات المتحدة، كدولة عظمى، في أدنى مستوياتها.

وبانتظار تكشُّف المواقف والصفقات، إن وُجدت، ستكون اللوحة السورية مختلفة، بعد غياب الولايات المتحدة عن شمال شرق سورية، حتى لو استمرت جهودها الجوية ضمن التحالف الدولي ضد (داعش) في جيبه الأخير شرق دير الزور، وربما تكون مقدمة لتجدّد الحرب مع تبدّلٍ في التحالفات، وانتعاش تنظيم (داعش). وفي كل الأحوال، سيدفع السوريون الثمن مرة أخرى من أرواحهم وممتلكاتهم ومستقبلهم.

من جهة ثانية، أصبح الحديث عن الترهُّل الأميركي مشروعًا، وأن وحدانية القطب الأميركية أضحت شبه عاجزة عن إدارة الملفات الدولية الساخنة والمصالح الأميركية، على مستوى العالم، بالكفاءة ذاتها، في ظروف يستمر فيها الزحف الاقتصادي الصيني والمعارضة الأوروبية لسياسة الولايات المتحدة الوصائية، ووقوف روسيا بالمرصاد لاقتناص الفرص على الصعيد الدولي.

ما يحدث هو ضرب من التخبّط في السياسة الأميركية المتّبعة في منطقتنا ككل، أكثر من كونه إعادة تموضع للدور الأميركي يأخذ بالحسبان احتياجات الحلفاء والصراع مع الأعداء. نتائج مثل هذه السياسة الأميركية كارثية على شعوبنا، فضلًا عمّا قد ينجم عنها من اضطراب في العلاقات الدولية، في وقت لم يستطع العالم فيه تكوين بديلٍ مقنع لإدارة العلاقات الدولية، عن طريق تطوير عمل الأمم المتحدة ومجلس الأمن.

العالم ليس بخير في مرحلة تاريخية تبدو الحروب عاجزة عن حلّها كاستمرار للسياسة، ولعل من الأفضل للولايات المتحدة وللعالم بأسره أن ينسحب الرئيس ترامب ذاته من البيت الأبيض، أو أن يتم دفعه إلى ذلك بالوسائل الديمقراطية ذاتها التي أوصلته إلى هذا الموقع الحساس والمؤثر، على مستوى العالم كله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق