تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

واشنطن بوست: النظام السوري يفرّغ سجن صيدنايا بالإعدامات

يعود سجن صيدنايا العسكري، سيئ الصيت، إلى الواجهة مجددًا، بعد أن نشرت صحيفة (واشنطن بوست) الأميركية يوم أمس الثلاثاء، تحقيقًا تحدث عن ازدياد كبير في أعداد المعتقلين المتوفين داخل السجن الذي وصفته الصحيفة بأنه “أسوأ سجن في العالم”.

“عمليات إعدام يتم تنفيذها على نطاق واسع في السجن”، كما يروي أحد المعتقلين المفرج عنهم حديثًا للصحيفة، حيث يقول: إن “السجانين يبدؤون جولاتهم يوم الثلاثاء، للمناداة على أسماء المعتقلين المدونة في قوائم الموت، ويقرعون أبواب المهاجع المعدنية، ويصرخون بالمعتقلين ليتجهوا نحو الجدار، ثم يُسحب كل معتقل سيتم إعدامه”.

يضيف المعتقل السابق، مشيرًا إلى زملائه الذين تركهم في السجن: “البعض كانت معنوياتهم منهارة تمامًا، وآخرون أصبحوا مهووسين ومجانين.. الموت سيكون رحمة لهم، إنه كل ما ينتظرونه”.

وذكر تحقيق الصحيفة أن نظام الأسد يسرعّ وتيرة عمليات الإعدام في سجن صيدنايا، بالاعتماد على قضاة عسكريين، ولم يكتف النظام بإعدام المعتقلين الموجودين في السجن نفسه، بل كان ينقل معتقلين من جميع أنحاء سورية إلى سجن صيدنايا، حيث تعقد لهم محاكمات في أقبية السجن، وتتم تصفيتهم قبيل الفجر.

دياب سرية، المنسق العام لـ (رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا)، قال في حديث إلى (جيرون): “بدأ التواصل بين الرابطة وصحيفة (واشنطن بوست) قبل أكثر من 6 أشهر، وطلبت الصحيفة إعداد تحقيق مفصل عن سجن صيدنايا، بعد التقرير الذي أصدرته (منظمة العفو الدولية) عن السجن، في شباط/ فبراير 2017، وتم تزويدها بالمعلومات اللازمة لعمل هذا التقرير”.

الرابطة التي تشكلت من عدد كبير من معتقلي سجن صيدنايا، بعد صدور تقرير العفو الدولية، كما يقول سرية، بدأت بجمع كل المعلومات المتعلقة بالسجن، ووثقت شهادات عدد كبير من الناجين من صيدنايا، ويتم معظم العمل بشكل سري، ولا يُعطى للصحافة إلا جزء يسير، أما العمل فتتم مشاركته مع الهيئات المنبثقة عن الأمم المتحدة، كـ (لجنة التحقيق الدولية التابعة لمجلس الأمن الدولي)، و(الآلية الدولية المحايدة والمستقلة للتحقيق في جرائم الحرب في سورية)، وأي محكمة من الممكن أن تحاكم مجرمي الحرب في سورية.

وأضاف سرية أن “الرابطة مستمرة حتى الآن في التواصل مع أي معتقل يخرج من سجن صيدنايا، لتوثيق ما يجري، وإجراء التحديثات على كيفية التعامل مع المعتقلين، ومعرفة أوضاعهم داخل السجن أهي تمضي على النهج نفسه أم تغيرت”؟

ومن خلال هذا العمل، تمكنت الرابطة من توثيق نحو 1000 اسم لمعتقلين في سجن صيدنايا مفقودين ومتوفين، بناء على شهادات معتقلين آخرين، عايشوهم وشاهدوا ما حلّ بهم، وهذا العدد دقيق جدًا، وفق ما ذكر سرية، وأيضًا بسيط بالمقارنة مع أعداد المعتقلين الموجودين داخل السجن.

محمد الفقير، معتقل سابق في سجن صيدنايا، تحدث إلى (جيرون)، عن معاناة المعتقلين في هذا السجن، التي تبدأ منذ لحظة الوصول إلى باحة السجن، وضرب الشرطة العسكرية للمعتقلين، في ما يطلقون عليه اسم (حفلة استقبال)، ثم تعريتهم وإدخالهم إلى ما يُعرف بزنزانات صيدنايا التي تقع تحت الأرض، حيث ينام المعتقلون الجدد ليلتهم الأولى عراة، في مساحة لا تتجاوز أربعة أمتار مربعة، لعدد قد يتجاوز 20 شخصًا.

التعذيب النفسي -كما يقول الفقير- “لا يقل سوءًا عن الجسدي، ففي الزنزانات، النوم بأمر، والاستيقاظ بأمر.. الطعام، الشراب، ودخول الحمام كله يكون بأمر، ويمنع حتى الهمس الذي قد يعرض المعتقل للضرب حتى الموت، وعند سماع أي حركة في الممر، يجب أن يجثو جميع المعتقلين ووجوههم إلى الجدار، وعند فتح باب الزنزانة، يجب أن يدخل الجميع إلى الحمام”.

يضيف الفقير أن “العقوبات في الشتاء تتغير قليلًا، حيث يصبح التعذيب الجسدي أخف وطأة، ولكن يستعاض عنه بالماء البارد”. وقال: “في إحدى الليالي، قام السجانون بفتح أبواب الزنزانات وأغرقوها بالماء، وبقيت كذلك لمدة يومين، ولم يسمحوا بتصريف المياه، حتى مات في كل زنزانة معتقل أو اثنان على الأقل”.

يروي الفقير من مشاهداته: “كان السجانون يأتون بمعتقلين معاقبين من المهاجع (والمهاجع تختلف عن الزنزانات وتقع في الطوابق العليا للسجن) ويجبرونهم على خلع ملابسهم ثم يقومون بضربهم، كانت أجسامهم نحيلة كما لو أنهم أصيبوا بمجاعة، وكان القمل يفتك بأجساد المعتقلين، إضافة إلى الإسهال الشديد ومختلف الأمراض، لعدم وجود رعاية صحية”.

يؤكد الفقير أن هناك العديد من حالات الموت التي تحصل في سجن صيدنايا، بأسباب عديدة، منها الضرب كعقوبة آنية لسبب مفاجئ، كأن يتكلم أحد المعتقلين دون إذن، أو إذا سُمع وهو يهمس في زنزانته، أو نتيجة التعذيب المنهجي الذي يجري بشكل يومي، ولا يتوقف إلا إذا مات أحد المعتقلين، بالإضافة إلى الموت نتيجة الأمراض، ولا سيما الإسهال الشديد، والأمراض الصدرية، ولكن الأقسى من كل ذلك هو ما يُعرف بحفلات الإعدام، التي كانت تجري كلّ خميس، وهي مخصصة لمعتقلي صيدنايا، وتختلف عن إعدام المعتقلين القادمين من سجون أخرى، حيث يذكر أن أحد السجانين نادى مجموعة من المعتقلين، وأخبرهم أنهم سيذهبون في “رحلة جميلة”، ثمّ تبيّن أنهم أعدِموا جميعًا.

يقول الفقير: “مَن لم يعايش ما يجري داخل السجن، لا يمكن أن يتصور حجم المأساة التي يعيشها المعتقلون، حيث يبدو الموت، بالنسبة إليهم، أفضل شيء ممكن أن يحدث، نتيجة ما يلاقونه من تعذيب مختلف على يد السجانين”.

يشير التقرير إلى تضاؤل عدد المعتقلين في السجن، وكان يراوح ما بين 10 – 20 ألف معتقل، بسبب عمليات الإعدام التي لم تتوقف، حتى إن قسمًا واحدًا على الأقل من السجن أصبح خاويًا بالكامل، بسبب تصفية المعتقلين الذين كانوا فيه، وهو ما أكده سرية لـ (جيرون)، بناء على شهادات العديد من المعتقلين الذين أكدوا أن الطابق الثاني في (السجن الأحمر) أو ما يعرف بإشارة المرسيدس، أفرغ تمامًا من المعتقلين بسبب تصفيتهم جميعًا.

تحدث التحقيق عن “المحكمة الميدانية” في فرع الشرطة العسكرية في دمشق، التي زاد فيها معدل أحكام الإعدام، حيث يروي أحد المفرج عنهم أنه حُكم، في جلسة واحدة، على جميع المعتقلين الموجودين بالإعدام، وكانت الأحكام تُتلى بصوت مرتفع.

وأكدت المعلومات الواردة في التحقيق أن العديد من المعتقلين كانوا يموتون قبل الوصول إلى حبل المشنقة، بسبب سوء التغذية، أو الإهمال الطبي، أو الاعتداء الجسدي، مشيرًا إلى حالتين على الأقل لمعتقلين اثنين: أحدهما قُتل بأنبوب معدني أدخل في فمه، والآخر أجبر السجانون المعتقلين على ركله بأرجلهم حتى الموت، إضافة إلى حالات موت نتيجة الانهيار العصبي.

عشرات الجثث المتراكمة، ظهرت في صور نشرتها الصحيفة تم التقاطها بواسطة الأقمار الصناعية، في الأول والرابع من آذار/ مارس الماضي، في باحات سجن صيدنايا، لمعتقلين تمت تصفيتهم ورُميت جثثهم، في ساحة السجن الأبيض المخصص لاحتجاز العسكريين.

كما أظهرت صور أقمار صناعية أخرى، أراضي عسكرية جنوب دمشق، قالت (منظمة العفو الدولية) في تقريرها السابق إنها قبور جماعية لمعتقلي سجن صيدنايا العسكري، تقع في منطقة (نجها)، وقد أكد تحقيق (واشنطن بوست) حسب الصور الجديدة لتلك المقبرة، زيادة في عدد الحفر وشواهد القبور، في مقبرة واحدة على الأقل، في بداية العام الحالي.

لم تُفلح كل التقارير الحقوقية الصادرة عن المنظمات الحقوقية الدولية والمحلية، في وقف الانتهاكات في هذا السجن، خلال السنوات الماضية، بل ازدادت وتيرتها في تحد واضح من النظام السوري للمجتمع الدولي، ويشكل ذلك خرقًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني، واتفاقية مناهضة التعذيب، وميثاق روما الناظم لعمل المحكمة الجنائية الدولية، على اعتبار أن الجرائم المنهجية في سجن صيدنايا ترقى إلى مستوى جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية.

يذكر أن سجن صيدنايا العسكري يقع إلى الشمال من دمشق بنحو 30 كم، ويتبع لوزارة الدفاع السورية، وتديره الشرطة العسكرية، ويتألف من بنائين الأشهر بينهما هو السجن الأحمر، ويمكنه استيعاب نحو 20 ألف معتقل في الأحوال العادية.

Tags

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Close