ترجماتسلايدر

الربيع العربي حيّ ويتجدد الآن في السودان

الصورة: مئات المتظاهرين يتجمعون في تظاهرة ضد الأسعار المرتفعة وندرة السلع والخدمات الأساسية في السودان في 20 كانون الأول/ ديسمبر 2018

لم تنتهِ بعدُ حركة السترات الصفراء وتظاهرات باريس، التي استمرت ستة أسابيع وانتشرت إلى بعض العواصم الأوروبية الأخرى، لنشهد اليوم أشقاءنا في السودان بجلابيبهم البيضاء، ينظمون تظاهرات ضخمة وواسعة الانتشار، امتدت عبر معظم الولايات في البلاد، ولم تخلُ منها أي مدينة. خرج الشعب السوداني إلى الشوارع، ودان النظام الذي ما زال يحكم بقبضة حديدية منذ 30 عامًا، مضطهدًا شعبه ومفقره، وناشرًا الفساد في جميع أنحاء البلاد. لا يمكن فصل الطغيان عن الفساد، فما إن تتأسس ديكتاتورية فاشية، حتى يصاحبها الفساد، حيث لا توجد مساءلة أو إحساس بالمسؤولية. غياب الحرية أمر ملحوظ وقرارات الحاكم لا يمكن إلغاؤها.

أجد أنّ من الغريب أن يحتج الشعب السوداني من أجل رغيف خبز، على الرغم من حقيقة أن السودان غني بالموارد الطبيعية والمواشي والأراضي الخصبة التي توفر الغذاء للعالم العربي بأكمله! أليس غريبًا أن تستورد معظم احتياجاتها الأساسية؟ هذا هو نتاج النظام الذي خنق السودان طوال 30 عامًا.

بدأت الحكومة “حل” الأزمة بالوسائل العربية التقليدية: القمع والاعتقال والمقاطع التلفزيونية للعناصر الموالية للنظام التي تحمل السلاح، لقمع وترويع المواطنين العاديين. ومع ذلك، لم يوقف هذا الاحتجاجاتِ الشعبية، على الرغم من أن عدد الشهداء قد تجاوز الـ 25 شهيدًا. لا يوجد إحصاء رسمي أو غير رسمي دقيق للقتلى، حيث إن المناطق التي يتجمع فيها المحتجون كبيرة للغاية ولا يمكن تغطيتها على المستوى الأمني، وهناك توقيتان لهم في الليل وأثناء النهار، وهو ما يشتت قوات الأمن.

جاءت الاحتجاجات بمثابة مفاجأة للسلطات السودانية، لأنهم اعتقدوا أنهم قد كبحوا الشعب وقاموا بقمعه بالكامل. علاوة على ذلك، لا تشعر السلطات بمعاناة الناس الذين يواجهون ظروفًا اقتصادية حادة. هناك نقص في الطحين والخبز والبنزين، وهو ما يشير إلى أن الاحتجاجات ستندلع. في الواقع، لقد ازدادت وتيرتها خلال الأيام القليلة الماضية، وأصبحت تدعو إلى إسقاط النظام، وهو نفس الشعار الذي رُفع في بعض احتجاجات الربيع العربي.

ومن المفارقات أن الاقتصاد السوداني، على الرغم من تعليق باراك أوباما الرئيس الأميركي السابق للعقوبات المفروضة على السودان من قبل أميركا قبل 20 عامًا، هو في أسوأ حالاته على الإطلاق، مع تضخم حاد وانخفاض في قيمة العملة الوطنية مقابل الدولار الأميركي. البلد يقبع تحت كابوس اقتصادي، مع نقص الطحين والبنزين إضافة إلى زيادة في سعر كل شيء، حيث أصبحت السوق السوداء هي السبيل الوحيد للحصول على الضروريات الأساسية. وهذا يوضح الإدارة السيئة والفساد الذي يشكل جوهر الدكتاتورية الفاشية في الخرطوم.

بدأت ثورات الربيع العربي في تونس، وانتشرت في مصر وليبيا واليمن. كانت احتجاجات ضد الظلم والطغيان، وطالب المتظاهرون بالحرية والديمقراطية والعدالة والكرامة. وبعد أن انكسرت من قبل الثورات المضادة، عادت الآن إلى الظهور مجددًا في السودان، مرسلةً إلى الطغاة رسالة مفادها أن الشعوب العربية لن تنكسر. قد يتم التغلب على الشعب لكنه يستطيع النهوض من جديد. مهما كان الدكتاتوريون ذوي سلطة وأقوياء، فإن الشعوب العربية غير خائفة، ولن ترحل. الدكتاتوريون هم الذين يجب أن يرحلوا.

لقد أظهر الناس الأحرار في البلدان العربية الأخرى تضامنهم مع احتجاجات السودان، في حين يخشى القادة العرب الصهاينة من أن رياح التغيير ستصل إلى بلادهم، وسيعيشون موجة جديدة من الربيع العربي. الجمر الثوري ما يزال في قلوب الناس، وينتظرون إعادة إشعاله. ولهذا السبب لم تصدر أي حكومة عربية بيانًا دعمًا للشعب السوداني. وبدلًا من ذلك، اتصل بعض القادة العرب بالرئيس عمر البشير لتقديم مساعدة مالية لمواجهة الأزمة الاقتصادية في السودان.

هناك أيضًا تعتيم إعلامي خطير على الانتفاضة السودانية، باستثناء بعض التقارير الأخيرة المخيفة التي ظهرت، حيث اشتكى الجمهور من الاحتجاجات التي يجري تجاهلها. إذا لم تبادر وسائل إعلامية بديلة ووسائل تواصل اجتماعية، فإن العالم لن يعرف الأحداث في السودان. ولذلك، كان القرار الأول الذي اتخذته السلطات السودانية ردًا على الاحتجاجات هو قطع الإنترنت وإقالة وزير الاتصالات.

ومن المفارقات أن هذه الانتفاضة جاءت بعد الزيارة المشينة التي قام بها البشير إلى بشار الأسد، القاتل السوري، من أجل كسر عزلته الدولية، وليكون أول رئيس دولة تخطو قدمه في دمشق ويشيدُ بالرئيس. كلاهما وجهان لعملة واحدة، هي الديكتاتورية والفاشية والظلم والطغيان. أيديهم ملطخة بدماء شعوبهما، وما زالت جرائم البشير في دارفور مدانة من المحكمة الجنائية الدولية، التي أصدرت مذكرة اعتقال بحقه لم تُنفذ حتى الآن. إحدى أكثر الصور إثارة في الاحتجاجات السودانية هي رفع علم الثورة السورية الأخضر، كتعبير عن التضامن مع الثوار، واستيائهم من زيارة البشير لدمشق.

هذه ليست أول انتفاضة سودانية، فقد اندلعت أولى الانتفاضات في عام 1964 وأسفرت عن إطاحة إبراهيم عبود، الرئيس العسكري. وكانت هناك أيضًا انتفاضة عام 1985 أطاحت جعفر النميري، قائد الجيش. إذا أراد الله؛ فسوف تؤدي هذه الاحتجاجات إلى إسقاط عمر البشير قبل أن يرفع علم إسرائيل في الخرطوم. لقد كان يسعى لتطبيع العلاقات مع الدولة الصهيونية. بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء كشفه بذكر ذلك علنًا.

من خلال انتفاضته، أثبت الشعب السوداني أن الربيع العربي لم يمت، وأن موجاته قادمة، لا محالة، مهما طال الزمن. ولسوف يستمر في مطاردة الدكتاتوريين والطغاة في ساعات يقظتهم ونومهم، وكلما حاولوا قمعه في مكان ما، فإنه سوف يندلع في مكان آخر.

إن الخيانة والتآمر والصهينة، التي كشفتها الموجة الأولى من الربيع العربي، أكبرُ من أن تتجاهلها الشعوب العربية. وها هو الربيع العربي ما يزال حيًا، ويتجدد في السودان.

اسم المقالة الأصلي The Arab Spring is alive and kicking in Sudan
الكاتب أميرة أبو الفتوح،Amira Abo el-Fetouh
مكان النشر وتاريخه ميدل إيست مونيتور،MIDDLE EAST MONITOR، 24/12
رابط المقالة https://www.middleeastmonitor.com/20181224-the-arab-spring-is-alive-and-kicking-in-sudan/
عدد الكلمات 807
ترجمة وحدة الترجمة والتعريب/ أحمد عيشة

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق