تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

البحث عن سورية “السورية”

بعد ثماني سنوات من حرب نظام الأسد على الشعب السوري، وإصراره على التمسك بالسلطة حتى لو خسرت سورية آخر سوري فيها، ودخول جيوش أكثر من ثماني دول، وتحمّل نظام الأسدين المسؤولية القانونية والأخلاقية التامة للحال التي وصلت إليها البلاد؛ نستعيد ما قاله الأسد، في الأيام الأولى للثورة: “إن أرادوها حربًا مفتوحة، فأهلًا وسهلًا”، وهذا يؤكد أن لديه نيّة مبيتة، عن سابق إصرار، وليست نتيجة “مؤامرة كونية”، كما ادّعى كذبًا.

يلعب نظام الأسد على رهانات عدة، لكن أهمها أنه سيستطيع الإفلات من أي عقاب على ما ارتكب، منذ أن فتح أبواب معتقلاته، ليطلق كل أرباب السوابق والعتاة من المتطرفين، واعتقل الكثير من الثوار الوطنيين، وكان مصيرهم القتل تحت التعذيب، واخترق كل التنظيمات الإسلامية، واستطاع أن يُدخل إلى الثورة السورية كلَّ من يستطيع العبث بمساراتها، وتحويل أنظار العالم عن جرائمه إلى محاربة الإرهاب، وتحويل معركة الحرية والكرامة التي يكون طرفاها (نظام قاتل وشعب ثائر) إلى “محاربة إرهاب”.

اعتقد النظام السوري واهمًا أنه يستطيع اللعب على تناقضات الدول، لكنه هذه المرة، بعد هذا الحجم من التدخل الأجنبي وهذه الجيوش التي دخل أكثرها من دون أي تنسيق معه أو طلب منه، لن ينجو، لأنه بكل بساطة لا يملك -لا نظريًا ولا عمليًا- القدرة على إخراجها، أو الضغط عليها كي تخرج، فهل يغرق السوريون معه، أم يفتشون عن طوق نجاة لهم ولسورية “السوريّة”، بدلًا من سورية “الأسدية”.

تحاصر القرارات الدولية نظام الأسد، وتضغط عليه، وتؤكد ضرورة التغيير السياسي، وأن المجتمع الدولي لن يدفع قرشًا واحدًا لإعادة إعمار ما هدمه الأسد، إلا إذا رأى تغيرًا ملموسًا، إضافة إلى بروز صراع المصالح والنفوذ، بين الدول الحاضرة على الأرض السورية، وبالتأكيد، أصبح الأسد خارج دائرة هذا الصراع، ولن يستطيع بأي حال أن يكون جزءًا منه، لضعفه وارتهانه للروسي والإيراني الذي يسيّره كيفما يشاء؛ فانقسمت سورية إلى ثلاث مناطق نفوذ واضحة المعالم: سورية الروسية بمشاركة إيران، وسورية الأميركية بمشاركة قوات (قسد)، وقد زاد من تعقيدها قرارات الإدارة الأميركية الانسحاب اللفظي من سورية، كما انسحبت روسيا لفظيًا من سورية في وقت سابق، وسورية (الجيش الحر) المدعومة من تركيا.

سورية الأسدية وأوهام التعويم

يحاول الأسد الظهور بمظهر المنتصر، يساعده في ذلك “جيش إلكتروني” ضخم روسي – إيراني، في محاولة يائسة بائسة للإيحاء بأن الأسد يُعاد تعويمه، وزيارة البشير لنظيره المأزوم، مشحونًا بطائرة روسية، تصب في حسابات الروس وحدهم، والاستثمار في هذه الزيارة التي استغرقت ساعات، بسرية من دون إعلان، والترويج بأن هناك دولًا “تنتظر أن يصفح عنها الأسد”، وأن طابور المنتظرين طويل، وأن تونس سوف تدعوه إلى القمة العربية، هو لإيهام البعض بأن كل ذلك صحيح، لأن هناك هزيمة داخلية ليس أكثر. وقد توهّم البعض بأن النظام استطاع أن يكسر عزيمة الثورة، ليتضح لاحقًا أن كل ذلك وهم، على الرغم من أن هناك دولًا ما زالت تُناصر الأسد كالجزائر ولبنان والعراق، وتضغط باتجاه رفع تعليق عضويته في الجامعة العربية والتطبيع معه، لكن هذا أمرٌ معقد جدًا، ولا سيما أن “نصائح” أميركية وأوروبية قالت إنه توقيت خاطئ.

سورية “السورية” والبحث عنها بين الحطام

على الرغم من كل ذلك، فإن سورية التي بناها الأسدان انتهت، سورية التي كان الخوف والرعب سيدا الموقف فيها لم يعد لها وجود، وما يجري الآن هو بناء سورية ثانية، كلٌ يريدها على مقاسه دوليًا، وكل الأطراف الإقليمية والدولية تحاول حياكة مصالحها في الجسد السوري المنهك، قتلًا ودمارًا وانعدامًا للموارد.

على السوريين الآن البحث عن سورية “السوريّة” التي نمَت في قلب الثورة، وأضحت هدفًا تتخلّص به من عبارة “سورية الأسد” التي جثمت على صدور السوريين عقودًا طويلة، سورية “السورية” تمرّ بمراحل مخاض مؤلمة، سورية التي لا يتحول فيها عيد النيروز إلى حالة أمنية، ولا تمتلئ المساجد فيها بالمخبرين، ولا يُنظر فيها إلى المسيحي على أنه درجة ثانية، ولا يُميز بأنه من الأقليات. عليهم البحث عنها، ولو بين الأنقاض، وأن ينفضوا عنها الغبار، ويمضوا إليها واثقين.

Tags

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Close