أدب وفنون

الـ “نُص”

نعم، مثل كل مرّة، ها قد بدأت موسيقى الـ … أ… عفوًا.

– توطئة ضرورية لا بد منها.

كلما قرأت كتابًا أو بحثًا، موضوعًا أو مقالًا في الشأن السوري، وكلما شاهدت أو سمعت تقريرًا إخباريًا، أو نقاشًا -جماعيًا كان أو ثنائيًا- حول المسألة السورية، أو حتى إذا -وقد حدث- حلُمت في تفصيل من تفصيلات الملف السوري المعقّد متعدد الأبعاد، أو كلما أردت الكتابة أو الكلام في هذا الصدد؛ حضرَتني وغزتْ رأسي كخلفية موسيقية بعيدة مستمرة، ألحان الملحمة الشعرية، الصاديّة العظيمة التي يقول الشاعر في مطلعها:

“حبيبي قرّب، بُصِ بُصِ بُصْ، زعلان؟! إزعل. إزعل نُصِ نُصْ”.

لفترة طويلة، أرّقني… هذا الارتباط المذهل بين الملحمتين!

– مقاربة أولى، تاريخية.

حاولت الـ “بَصّ” -بقدر استطاعتي- على الحياة السياسية السورية، الممتدة من تاريخ الاستقلال الوطني، حتى انقلاب البعث واستلامه السلطة في ستينيات القرن الماضي.

أولًا -وهذا اعتراف- زاغَ بصري، بعدها، وجدت نفسي في موضع الـ “نُص”، حيال فهمي لخريطة أحداث عظيمة الغزارة، والترابط والتفكك والتباعد والتقارب في آن معًا، فبقي موقفي “نُصِ نُصِ”، أمام الـ “نُص” معلومة، الـ “نُص” تأريخ، الـ النُص حقيقة… للـ “نُص” دولة.

لاحقًا، “أبُصُّ” فأرى بوضوح هذه المرّة، الـ “نُص الزعلان”، من حزب البعث العربي الاشتراكي، يقبع في السجن، والـ “نُص” الثاني “حبيبي قرّب”، أصبحوا قادة وجنرالات، وأبطال لـ “نُص” تحرير، و”نُص” تصحيح. على رأسهم طاغية اكتمل في بُنية سلطوية مُحكمة، أخذت شكل “نُص” رئيس و”نُص” ملك.

أتابع الـ “البَص”… دراماتيكيًا، أنتج ذاك الواقع خريطة جديدة كما يبدو. الـ “نُص الزعلان” من “أنصاص” الأحزاب والتنظيمات والحركات السياسية السورية -ومن ضمنها البعث طبعًا- دُكّت في المعتقلات، ولم تخرج كوادرها من الأقبية، إلا عُجّزًا أو موتى.

أما الـ “نُص” الآخر منها “حبيبي قرّب”، فقد دُّك -أيضًا- على نحو آخر، أسعده ذلك واستلذّ، فانبسط وانتظم فيما سمّي جبهة، “نُص” وطنية “نُص تقدمية”، جاءت على هيئة شَكَر، فلا هي أنثى، ولا ذكر.

– مقاربة ثانية، معاصرة.

على الرغم ممّا تحمله رمزيّة “الخمسة” من قدسية دينية مطلقة في كوكب السويداء اللازوردي، فإن هذا المعتقد الراسخ لم يشفع للطاغية المؤسس “خمسة شاورما يا بو سليم” من السقوط -رمزيًا على الأقل- عندما تمّ اجتثاث روحه المعدنية الجوفاء المحنّطة من “براغيها”، في كبرى ساحات الكوكب الغاضب، وتحطيمها، ولطمها بكافة مقاسات الأحذية وأنواعها وألوانها. الأمر الذي خلع الباب من مصراعيه، وأفضى إلى جملة سيناريوهات محتملة، لعمليات ثأر مضاد كانت متوقعة التنفيذ من قِبل وليّ عهده، الخليفة “نُص الدولة الأسداني”. ولكن، ما كان من الأخير الـ “نُص” طبيب، الـ “نُص” عسكري، الـ “نُص” سياسي، وعلى غير المتوقع، إلا أن أمسك العصا من الـ “نُص”، آخذًا بـ “نُص” نصيحة من مُعلميه الروس، تمثلت بضرورة الحفاظ على مريديه وأتباعه في الكوكب اللازوردي، فرفع شعار “حبيبي قرّب، بُص بُص”. كما أخذ بـ “نُص” نصيحة من حُماته أحفاد كسرى، تلخصت في إظهار عدم الاكتراث بالناقمين عليه من رعيته المأجورين، وادعائه الترفّع عمّا حدث، فتبنّى سياسة:” زعلان؟! إزعل، إزعل آه وبس”.

هنا، ذهب المآل نحو مصير مفتوح مرتقب، وانقسم الكوكب اللازوردي “نُص بـ نُص”، بين “الباصص” لـ “نُص” الكأس الملآن، مكتفيًا بوجود “نُص” دولة، وبين “الـباصص” لـ “نُص” الكأس الفارغ، رافضًا واقع الـ “نُص” دولة…

وما زال حال الكوكب “نُصِّ نُصِّ” حتى يومنا هذا..

– واقع، بلا مقاربات

“حبيبي قرّب، بُص بُص بُص، نُص” التاريخ السوري، خضع وما زال لعمليات تحريف وتزوير مقصود ومدروس، يكفي أن تراجع أقرب كتاب إليك في المنهج الدراسي الحديث لأحد أبنائك.

“حبيبي قرب”، “بُص بُص، نُص” الجغرافية السورية تناهبتها الدول، شراءً واستئجارًا، وفق عقود ومعاهدات رسمية، من لواء إسكندرون، مرورًا بحميميم، وصولًا إلى حواري دمشق القديمة، وأنقاض المدن المدمرة بالبراميل الغبية والصواريخ “نُص” الذكية.

“حبيبي قرب، بُص”… للسيادة الوطنية الـ “نُص”، “بُص” للشعب السوري، الـ “نُص” مهجّر ولاجئ ونازح ومعتقل ومقتول، والـ “نُص” الآخر في طابور واحد يستجدي أدنى مقومات حياة الكائن الحي.

“ح-بيي—-“…لا! “زعلت”؟!!

“طب زعلان!، إزعل، إزعل آه وبس”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق