سلايدرقضايا المجتمع

التغيير الديموغرافي في دمشق يهدد مستقبلها

أشارت تقارير ميدانية مجتمعية إلى نقل ملكية أكثر من 8 آلاف عقار، في مدينة دمشق وريفها، من سوريين إلى أجانب (عراقيين وإيرانيين)، منذ عام 2015، وما زال العدد في تزايد مستمر.

وبحسب ما نقلت مصادر محلية، فإن العقارات المنقولة تنوعت بين منازل سكنية ومحال تجارية وفنادق، أو حصص في مشافٍ خاصة، وأراضٍ زراعية ذات مواقع استراتيجية، إضافة إلى بعض المصانع الصغيرة.

وقد عدّ المجتمع الدمشقي هذه العمليات إشارةً واضحةً باتجاه تغيير ديموغرافي تقوم به السلطات إرضاءً لإيران؛ ولا شك في أن هذا الأمر سيترك أثرًا سلبيًا على الحياة الاجتماعية، على المدى المنظور والمستقبلي، ما لم تكن هناك وسائل واضحة لمنع هذا التغيير.

حول هذا الموضوع، قال الباحث في (مركز حرمون للدراسات المعاصرة) طلال مصطفى لـ (جيرون): “منذ وصول الخميني إلى السلطة في إيران عام 1979 كانت استراتيجيته المعروفة بتصدير الثورة إلى البلدان العربية والإسلامية، مُعلنةً، ومنها سورية، خاصة في ظل نظام الأسد الذي سهل له تنفيذ هذه الأجندة في سورية. ومن المعروف أن مدينة دمشق تاريخيًا تُعد مدينة سنّية بامتياز مذهبيًا، بينما تحتضن أقلية شيعية تعد بالآلاف في كل من حي زين العابدين وحي الجورة في مدينة دمشق القديمة، وحي زين العابدين في منطقة المهاجرين، وكان يُطلق عليهم (المتاولة) كما هو حاصل في لبنان”.

وأضاف: “لكن منذ عام 1979 اتجهت إيران إلى تعزيز وجودها السياسي، من خلال العديد من النشاطات الدينية والثقافية، خاصة في منطقة السيدة زينب، وشراء العديد من العقارات والمنازل السكنية والفنادق في وسط مدينة دمشق، ولكن بالخفاء وبواسطة مواطنين سوريين شيعة، حتى لا تظهر الأهداف الحقيقية للنظام الإيراني، أي أن المسألة ليست بجديدة، وإنما قديمة منذ وصول الخميني إلى السلطة عام 1979. وعلى إثر الثورة السورية 2011 وحاجة النظام إلى الدعم الإيراني؛ فتح أبواب سورية، اقتصاديًا ودينيًا وثقافيًا وعسكريًا، للنظام الإيراني حتى أصبح الوجود الإيراني على الأرض في مدينة دمشق واضحًا ومُعاشًا بشكل يومي”.

وتابع: “قامت الميليشيات الإيرانية والشيعية بالعديد من الممارسات القسرية، التي تهدف إلى إخلاء الأحياء الدمشقية خاصة الجنوبية، التي تعد صلة الوصل بين مدينة دمشق والسيدة زينب، من خلال الاستيلاء على أملاك السكان الدمشقيين الأصليين، من أراضي وبيوت بذريعة غياب أصحابها واتهامهم بالإرهاب، إضافة إلى شراء العقارات من بعض المالكين بأسعار باهظة، من خلال وسطاء سوريين، للتمويه على الدور الإيراني الشيعي. إنها استراتيجية التغيير الديموغرافي للمستقبل، باتجاه إلغاء الطابع المذهبي السني لمدينة دمشق نحو المذهب الشيعي، من خلال محاصرة مدينة دمشق بأحياء شيعية، من أجل الهيمنة الأمنية المطلقة عليها، استنادًا إلى أحقاد طائفية تاريخية غير مبررة أخلاقيًا”.

وتحدث مصطفى عن ردات أفعال السكان، وقال: “أعتقد لن يكون لها جدوى، في ظل هيمنة أمنية وعسكرية للنظام وللميليشيات الإيرانية على الأرض، وبالتالي لا يمكن القيام بفعل مجدي دون العمل على إسقاط هذا النظام الاستبدادي، خاصة أن عملية البيع والشراء مشروطة بالموافقات الأمنية، وهذه الموافقات لا تتم إلا للموالين للنظام السوري من الميليشيات الشيعية والسورية الموالية للنظام”.

الشيخ سمير صالح ابن ريف دمشق قال لـ (جيرون): “دمشق مدينة الياسمين العريقة التي تميزت أزقتها عبر التاريخ بذلك الياسمين الأبيض بروائحه العطرة التي يتغنى بها الشعراء، ولقد كان سكان دمشق أشبه بهذا الياسمين، بطيب صحبتهم وكرم ضيافتهم ونقاء سريرتهم، بقيت دمشق حاملة هويتها العربية والإسلامية، على الرغم من احتضانها للكثير من الأقليات الدينية والعرقية التي عاشت في دمشق، قيم التسامح والتنوع  سادت بين جميع أهلها والوافدين إليها، وظلت دمشق عنوانًا للنقاء والتنوع، من دون الاعتداء على نسيجها السكاني والعمراني، ولكن حين وصل إلى حكمها الأسد الأب؛ بدأت ملامح التغيير تظهر سريعًا على تلك المدينة الوادعة بل على البلاد عمومًا، حين دفع الأسد أبناء طائفته إلى الدخول في أول جيش طائفي تشهده البلاد، بعد أن أبعد جميع أبناء الطوائف الأخرى عن مراكز قيادة هذا الجيش، وذلك لأنه يريده جيشًا لحمايته وحماية مخططاته القذرة لمستقبل البلاد. قام الأسد ببناء مساكن الضباط على كل التلال المحيطة بدمشق، ثم أسكن فيها العسكريين التابعين له لا للبلاد، الذين يحمون مخططه على حساب البلاد، نعم لقد أحاط الجيش الطائفي دمشق إحاطة السوار بالمعصم، وبدأت الممارسات الطائفية من الأيام الأولى لهذا الجيش، في كل بقعة من أرض الوطن، وعندنا مما نذكره الكثير”.

وأضاف: “لقد كان فعل الأسد الأب أولَ خنجر مسموم يغرس في صدر تلك المدينة الجميلة، في محاولة لاختطافها من أهلها واغتصابها عنوة على مسمع ومرأى العالم أجمع، ولقد كان للظروف الدولية والإقليمية الدور الكبير في نجاح المهمة القذرة، مع ما كان يمتلكه الرجل من قوة وشوكة، ولكن موت الأب ومجيء الوريث الأضعف في الأسرة جعل المشروع يضعف، لصالح النفوذ الإيراني الذي كان يدخل إلى البلاد علانية، بعد أن كان سريًا على زمن الأب، وقد افتتحت إيران مقار عبادة خاصة بها، في أماكن لا يوجد فيها أحد من نسيجها الطائفي إلا حفنة من رجال المخابرات الذين يقودون التجار، ويتحكمون في مفاصل المدن والقرى في كل مكان، ومع أن السلطة الدينية التابعة للأسد أنكرت ذلك مرارًا، فإن ثورة الشعب السوري على الحكم الطائفي البغيض، طلبًا لحرية مدينة الياسمين من تلك القبضة الدخيلة، فضحت كل ذلك، واليوم وقد صار اللعب على المكشوف، حين صارت دمشق تكتسي بالسواد في مواسم الشيعة، وصارت قطعان الحجيج الشيعة تدخل مسجد بني أمية، لتلعن أهل دمشق، وتطالب بالثأر منهم، وتشتمهم علانية أمام حكومة الاحتلال الأسدية”.

وختم: “لقد احتلت القوة الإيرانية مساحات شاسعة من الأرض في بلادنا، ومنعت أهلها من العودة إليها، كما حدث في القصير والزبداني وداريّا وغيرها، وهي اليوم تشتري الفنادق والبيوت في دمشق وغيرها، وتدفع بسخاء، مع ما يصاحب ذلك من حملة تجنيس منهجية لقطعان المجرمين الطائفيين من العراق ولبنان وإيران، وتوطينهم مكان العائلات النازحة من بيوتها، كل ذلك -بلا شك- هو خطوات عملية لتغيير ديموغرافي كبير في سورية وفي دمشق عاصمة الأمويين، ولعل من يتابع الأحداث يعلم أن نجم إيران الصاعد يضعف بشكل سريع، ولعل حكومة الملالي تسقط بعد فترة، نتيجة الضربات الاقتصادية الموجعة، وما يرافقها من غليان كبير في الشارع الإيراني، لذلك أقول إن الأسد وفريقه المجرم لن يستطيعوا فرض الأمر الواقع على أقدم عواصم التاريخ، إلا إذا تقاعس مثقفوها وعلماؤها وتجارها وشبابها عن نصرتها، وهم جميعًا معنيون بفضح المشروع الإيراني ومحاصرته، وإخراجه من دمشق الحبيبة ومن كل البلاد، وأنا هنا أنصح كل من يأتي على دبابة النظام وإيران ليسكن البلاد عنوة، بأن يدرس التاريخ جيدًا، وأن لا يفكر بذلك لأن الأيام دول، وقوي اليوم سيكون ضعيفًا ومهزومًا في المرحلة القادمة، وستكونون أنتم وأولادكم وقودًا لحرب لا تُبقي ولا تذر، وليس لعاقل مصلحة فيها، ولكن الحق سيرجع لأصحابه، شاء من شاء وأبى من أبى، بعز عزيز وذل ذليل، والأيام القادمة ستثبت ذلك”.

أما يوسف الغوش، رئيس المجلس المحلي السابق في زملكا، فقال لـ (جيرون): “لقد أثبتت الوقائع العسكرية، من خلال عمليات القصف المنهجية والمدمرة التي كانت تشنها قوات النظام الطائفية، بكافة صنوف الأسلحة الجوية والبرية والكيمياوية، على المناطق الثائرة التي خرجت عن سيطرة النظام وطاعته الأبدية، أن ثمة هدفًا استراتيجيًا، من وراء عمليات القتل والدمار والتجويع التي لحقت بتلك المناطق، وهو التهجير والتغيير الديموغرافي الطائفي، بغية الخلاص من الخزان البشري الثائر ضدهم، إلى الأبد، ولإرضاء إيران وميليشياتها المتحفزة لانتقامها التاريخي الحاقد وأطماعها في السيطرة على دمشق وريفها، عبر تشييعها، وإلحاقها بأوهامها الإمبراطورية”.

وأضاف: “منذ تهجير آخر دفعة من ثوار دمشق وريفها، الأخبار تتوالى بالسيطرة على ممتلكات مواطنين، من الذين قضت عليهم مجازر النظام وهجّروا قسريًا، وما يعزز ذلك التوجه صدور القانون رقم 10 سيئ الصيت، في محاولة لإعطاء سياسات التطهير والسيطرة بعدًا قانونيًا، ومع اقتراب التطبيق الكامل لهذا القانون الجائر، على الرغم من اعتراض دول ومنظمات حقوقية عليه وتصريحات روسية واعدة بتعديله، يبدو أن النظام الطائفي ماض في تطبيقه، وتؤكد المعلومات الواردة أن الكثير من الممتلكات السكنية والتجارية والسياحية والصناعية، قد تم وضع اليد عليها فعلًا، سواء من قبل النظام وشبيحته، أو الميليشيات الداعمة له. وينذر هذا الأمر بحرمان نسبة كبيرة من سكان دمشق وريفها من ممتلكاتهم وحقوقهم، ولهذا لا بدّ أن تتضافر الجهود من قبل فاعليات دمشق وريفها، لتوحيد الجهود الإعلامية وتسليط الضوء على ذلك المشروع وفضحه، وكذلك تشكيل لجنة قانونية للتواصل مع منظمات ودول، ومع الأمم المتحدة لمنع تنفيذ هذا القانون، غير الشرعي، وكذلك لا بد للائتلاف والوفد المفاوض، عبر اتصالاتهم وعلاقاتهم، من التحدث في هذا الموضوع، وضمه إلى أولوياتهم الرئيسية”.

من جهة ثانية، قال المهندس عزت محيسن، من داخل دمشق، لـ (جيرون): المطلوب اليوم -بتصوري- أن تنشئ المعارضة ما يمكن تسميته (دائرة توثيق أملاك المهجرين)، لتقوم بتوثيق أملاك من لديه سندات مُلكية موثقة، ووضع سجل إشارة للعقارات التي لا تتوفر سندات ملكيتها، تكون بمثابة إشارة نزاع، يتم الفصل بها خلال المرحلة الانتقالية، أو ما يليها، وعلى هيئة التفاوض طرح هذه القضية بمفاوضاتها، حيث يتم تثبيت عدم الاعتراف بالقوانين التنظيمية التي صدرت في مرحلة التهجير”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق