مقالات الرأي

هل على اللاجئ أن “يبيع ثيابه” كي يتأقلم؟!

قبل عقدين ونصف من الزمن، وصل مهاجر سوري إلى مونتريال، كان أستاذًا جامعيًا في دمشق، ويسكن في حلب، وكان عليه كل أسبوع أن يُسافر مرتين ما بين المدينة التي يسكنها والمدينة التي يعمل فيها، ولم يكن يفعل ذلك عن هواية، بل لم يكن راتبه الجامعي يكفيه لأن يستأجر بيتًا في دمشق، وينفق على بيته الحلبي في الوقت نفسه، فوجد في السفر حلًا لمشكلة ظنّها “مؤقتة”، ثم أدمن السفرَ، إذ كان يتيح له الهرب من البيت والجامعة، والعيش في أحلام اليقظة، ومن تلك الأحلام كان حلم الهجرة إلى الغرب.

في أحد الأيام سألني: هل تعتقد أنني سأجد عملًا مناسبًا هنا؟ قلتُ له: ستجد في النهاية عملًا ليس بالضروة ما كنت تحلم به، ولكن قبل ذلك سيتم وضعك في “طاحونة اللحمة”، و”فرمك” لحمًا وعظامًا، ثم إعادة تكوينك من جديد، عندئذ ستجد عملًا، وهذا الأمر قد يستغرق سنة أو عشر سنوات، حسب قدرتك على التكيف. قال: وإذا لم أستطع؟ قلتُ له: ما تزال حقائبك مغلقة، فلا تفتحها، وعد إلى بلادك.

لم يُصدّق الرجل ما قلتُه له، ولم يعد إلى بلاده، ووافق على أن يتم “فرمه” كي يتأقلم مع وسطه الجديد، من دون أن يقول ذلك. وهذا هو واقع اللاجئ السوري، أو “المهاجر الإجباري” في زمن الحرب، لأن بعض السوريين يرفضون كلمة “لاجئ”، ويعتبرونها إهانة، فهم يُفكّرون كل يوم بالعودة، ولكنهم في الحقيقة لا يريدون رؤية أنفسهم وهم يغوصون في “مياه الغرب” وخدماته، مستمتعين بوفرة المياه ونظافتها، وبالمسابح الشتوية والصيفية، وإن كانت أحيانًا في “البوركيني”، ولا يجدون في ذلك التناقض نقيصة، فهم قد اعتادوا، على مرّ الزمن، قولَ شيء وممارسة عكسه.

ذكّرني بتلك الواقعة “فروة” من الصوف الصناعي، وجدتها في أحد محال البالة، التي أُدمن على زيارتها، على أمل العثور، في يوم ما، على “فانوس علاء الدين السحري”، ولكن لم يخطر ببالي، بالرغم من القرابة بين الغرضين، العثور على “فروة”، كان يمكن أن تشكل ثروة، في كندا، قبل قرن من الزمن، لما يمكن أن توفره من دفء لسكان البادية، وعلى الرغم من أن كندا كانت مصدرًا مهمًا لتجارة الفراء وتصنيعه وتصديره لأثرياء العالم، فإن البيئة الطبيعية المثلجة مختلفة عن بيئة البادية والصحراء؛ حيث يمكن استخدام الفروة في العراء، على ظهر الجمل، وفي الخيم والبيوت، وهي غير عملية في الثلج. وخطر على بالي، بعد أن عثرت، في رفّ آخر، على ثوب أفريقي من قطعتين، يقوم مقام “الجلابية” العربية: “هل بيع المهاجر ثيابَه (الوطنية) دليلٌ على تأقلمه مع مجتمعه الجديد؟ وهل تخلى عن تلك (الأزياء) برغبتة أو أنه كان مضطرًا إلى فعل ذلك؟”

من الصعب الإجابة عن تلك التساؤلات، ولكن من خلال خبرتي المهجرية الممتدة على مدار ثلاثين عامًا ونيف، أستطيع القول إن التخلي عن الأزياء “الوطنية”، والأمتعة التي رافقت المهاجر أو اللاجئ، كان عملًا طوعيًا من حيث الشكل الخارجي، ولكنه كان إجباريًا، اذا أخذنا بعين الاعتبار متطلبات الحياة، وأنماط العيش في مجتمع جديد. فالبيوت، في مونتريال مثلًا، مصممة في أغلبها كي تسكنها أسرٌ قليلة العدد، ومع الزمن أصبحت أصغر، لاقتصار عدد السكان على اثنين أو أقلّ، والخزائن الموجودة في تلك البيوت صغيرة بدورها، تتسع لكمية قليلة من الثياب والأغراض، ولا مبرر لتخزين الكثير من الثياب من فصل إلى آخر، لذلك تصبح “الفروة” مع الزمن عبئًا، وخاصة أن القيمة العاطفية لها تلاشت أو تكاد، وأصبحنا ننظر إلى الجانب العملي من وجودها، والحيّز الذي تشغله، في الوقت الذي نحتاج فيه إلى ثياب جديدة. وهكذا يتخلص العربي من فروته، والأفريقي من ثوبه، والهندية من ساريها، وغير ذلك، ويرتدي ما يرتديه الكندي، أما الثياب الأخرى التي جاءت معه، فتبقى، إن بقيت، كنوع من الذاكرة والفلكلور والتاريخ، وما “المتحف الكندي للحضارة، لجمع ودراسة وحفظ وعرض المواد التي تلقي الضوء على التاريخ البشري في كندا والتنوع الثقافي لشعبها”، إلا محاولة للحفاظ على تاريخ وعادات الكنديين عبر القرون.

هذا الكلام قد ينطبق بنسب مختلفة على الأشياء، ولكن ليس على الأفكار والعقائد، التي يأخذ التخلي عنها أشكالًا أكثر تعقيدًا، ولفترات أطول.

أخيرًا يمكنني القول: إن ما تعيشه الجاليات السورية في أوروبا وأميركا خاصة، من مشاكل عائلية ومشاكل مع المحيط، ما هو إلا نوع من التأقلم، فما نتمسك به الآن ونراه معادلًا لأرواحنا، قد نجده مستقبلًا معروضًا في محال “البالة”، وهذا ليس دليلًا على أن اللاجئ السوري، أو غيره، يبيع ثيابه “الوطنية”، ولكنه يتخلى عنها، برغبته، كي يتأقلم مع عالمه الجديد، وهذه سنّة الحياة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق