مقالات الرأي

الانسحاب الأميركي من سورية ليس “مؤامرة”

“أميركا لن تذهب إلى الخارج بحثًا عن كائنات وحشية لتدميرها”… إن كانت تغريدات دونالد ترامب، الفجّة، تُشكّل صدمة لمراقبي السياسة الخارجية الأميركية، فإن المقولة التي افتتحنا بها المقال هذا، قالها جون كوينسي آدامز، الرئيس السادس للولايات المتحدة الأميركية (1825 – 1829)، وهو مهندس مبدأ (مونرو) الشهير. فحالة “التشوش” التي يعانيها كلّ من يراقب السياسة الخارجية الأميركية، خاصة في السنوات الأخيرة، قد تكون سمة مستقرة في هذه السياسة، حسب ما يخبرنا متخصصون في تاريخ العلاقات الدولية.

بعد أن أعلن ترامب، في تغريدة، الانسحاب من سورية، قبل أيام، تداول ناشطون سوريون، عبر (فيسبوك)، رسمًا كاريكاتيريًا، يُظهر ترامب وهو يحمل مطرقة ضخمة، ويسير مبتعدًا عن صرح مدمّر، يحمل اسم سورية، ويقف على أطلاله بوتين والأسد، اللذين يلوحان له بشيء من الودّ. وحمل الرسم عنوان “المهمة أنجزت”. ذلك الرسم الذي نشرته إحدى وسائل الإعلام، يعبّر ببساطة، من دون أي تكلّف، كيف يفهم السوريون، أو كثير منهم على الأقل، السياسة الأميركية في بلادهم. لكن هل يعتمد هذا الفهم المرتبط بقناعة تتعلق بوجود مؤامرة ضد السوريين، وهي قناعة يقدمها الطرفان الرئيسيان في سورية المعارضون والموالون.. هل يعتمد على ركائز معرفية تمنحه صفة الموضوعية؟ أم أن هذا الفهم يفتقر إلى قراءة واعية وكافية لتاريخ السياسة الخارجية الأميركية؟

لا نقلل من حجم “التشوش” الذي يبرر هذا الارتباك السائد في أوساط المراقبين والمعلقين على سياسة أميركا الخارجية، خاصة في ما يتعلق ببلد تعقدت الأجندات فيه، خلال السنوات السبع الماضية، كسورية. فكاتب هذه السطور، شخصيًا، يقرّ بأنه كان ضحية لهذا “التشوش”، إذ كان مقتنعًا بوجود استراتيجية أميركية راسخة بخصوص شرقي الفرات. لكن، هذه القناعة تعرضت لاهتزاز نوعي، مع تصريحات ترامب الأخيرة، التي رافقتها استقالة مسؤولين أميركيين. وعلى الرغم من أن قضية الانسحاب الأميركي من سورية ما تزال ضبابية، وقد لا تحدث بالصورة التي أعلنها ترامب للملأ، فإن من الممكن الإقرار بحقيقة مفادها أن الأميركيين في حالة ارتباك في سورية، ولا يملكون مذهبًا عملياتيًا دقيقًا، حيال التطورات في هذا البلد. فما يحكم سياستهم حياله، منذ العام 2011، هو تجاذبات بين ثلاثية، المثالية والنفعية والتجريبية. إن فَهم ذلك يساعدنا -كسوريين- في قراءة التشابكات الخارجية التي تؤثر في مستقبل بلادنا، بصورة أكثر واقعية، وبعيدًا عن الأمنيات أو الظنون. والأهم من ذلك أن نفهم أنّ تلك الثلاثية، التي تولد حالة “تشوش” و”ارتباك” في السياسة الخارجية الأميركية، ليست وليدة الأزمة السورية وتعقيداتها، بل هي وليدة الجدل الذي لم يُحسم في أوساط النخبة الأميركية، حول التقاليد الواجب اعتمادها في سياستهم الخارجية، منذ نهاية الحرب الباردة. وهو جدل مرتبط بجدل آخر أكثر تعقيدًا، يتعلق بطبيعة النظام العالمي الراهن، وبالتالي، كيف يمكن للأميركيين التعامل معه. ببساطة، النخب الأميركية منقسمة حول ذلك. وإن كان ترامب يمثّل توجهات يمينية محافظة، تنادي بمبادئ العزلة وتقليص التدخلات الخارجية، فإن مساعدين لترامب، ينتمون إلى تيارات أخرى أو، بتوصيف أدق، يؤمنون بأولوية تقاليد أخرى في السياسة الخارجية الأميركية، تجعل من التواجد العسكري الأميركي في الخارج، أداةً لا يمكن الاستغناء عنها، لحفظ مصالح الولايات المتحدة.

يخبرنا والتر ماكدوجال، وهو أستاذ التاريخ والعلاقات الدولية، في جامعة بنسلفانيا، وصاحب كتاب ملفت في تاريخ السياسة الخارجية الأميركية بعنوان “أرض الميعاد والدولة الصليبية – أميركا في مواجهة العالم منذ 1776″، أن السياسة الخارجية الأميركية لطالما شابها التشوش والارتباك، إلا في الحالات التي يظهر فيها خطر واضح ومُلح، يهدد المصالح الأميركية.

ويقر ماكدوجال بأن الأجانب، من مراقبي السياسة الخارجية الأميركية، سواء من حلفائها أو من خصومها، لطالما عانوا إزاء “التشوش الأميركي” في السياسة الخارجية. فأميركا أقوى من أن يتم تجاهلها، وأوسع من أن يتم خداعها أو السخرية منها، وأكثر غرورًا من أن تُعجب بها، وأكثر تقلبًا من أن يثق بها أحد. إنها “عصية على الفهم”، حسب ماكدوجال.

تلك حقيقة تؤكدها عشرات الشهادات لخبراء عبر التاريخ المعاصر، منهم الدبلوماسي السوفيتي الشهير أندريه جروميكو، الذي عاب على الأميركيين عدم صياغة سياسة ثابتة ومتماسكة. ووصف المؤرخ آرثر شليزنجر التاريخ الأميركي بأنه دورات من الحرب بين الواقعية والمسيحانية. وتحدث كيسنجر عن الازدواجية بين العزلة والعالمية. وقال المؤرخ مايكل كامن إن الشعب الأميركي “شعب متناقض”.

وهكذا قد تنصاع المؤسسات الأميركية لقرار ترامب بالانسحاب من سورية، فهو قرار في نهاية المطاف، يمثّل وجهة نظر يؤيدها كثير من الأميركيين، حتى مع الانعكاسات السلبية التي سينتجها على هيبة أميركا الخارجية، وقدرتها على التأثير في مناطق عديدة من العالم، وعلى علاقاتها مع حلفائها الذين تزداد ريبتهم في جدارة التحالف مع واشنطن. وقد نُفاجئ بأن قادة بعض تلك المؤسسات نجحوا في إقناع ترامب بالتراجع عن قراره أو تأجيله. لكن في كل الأحوال، الأمر ليس مؤامرة أميركية لتدمير سورية، حسب ما يعتقد كثير من السوريين، بقدر ما هو نتاج هامشية الخطر الإيراني أو الروسي في سورية على المصالح الأميركية، الأمر الذي يؤدي إلى انقسام حاد في الآراء بين المؤثرين في صنع القرار بواشنطن، بين من يريد استخدام سورية كرقعة للجم النفوذ الإيراني – الروسي في المنطقة، وبين من يريد الانسحاب وترك المشهد برمته لصراع مختلف الأطراف، واستخدام وسائل القوة الناعمة الأميركية للتأثير، وإن كان ذلك التأثير طفيفًا. ففي نهاية المطاف، الأمر لا يعني المصالح الأميركية، بشكل مباشر، ولا يشكل خطرًا مُلحًا عليها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق