تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

تمهيد أميركي للإعلان عن “صفقة القرن” في شباط المقبل

منذ عدّة شهور يواجه إعلان الخطة الأميركية لتسوية القضية الفلسطينية، المعروفة إعلاميًا باسم “صفقة القرن” التأجيل، على الرغم من أنّ كبير مستشاري الرئيس الأميركي دونالد ترامب وصهره المكلّف بـ “صفقة القرن” جاريد كوشنر، يعتزم الإعلان عنها في شباط/ فبراير المقبل، بحسب ما ذكرت الصحافة المحلية في واشنطن. فيما رجحت مصادر أميركية أن يكون الإعلان عنها في الشهر الرابع أو الخامس من العام الجديد. بينما ذكر السفير الإسرائيلي الدائم لدى الأمم المتحدة، داني دانون، الثلاثاء المنصرم، أنّ الصفقة الأميركية “باتت مكتملة الآن”، مبينًا أنّ واشنطن ستكشف عنها، أوائل العام 2019، من دون تحديد موعد بدقة.

تنازلات مجحفة لمصلحة “إسرائيل”

تطورات عدّة ساهمت في الحيلولة دون الإعلان عن هذه “الصفقة” المشبوهة، وتأجيلها مرارًا، على الرغم من أنّ الإعلان كان متوقعًا، على نطاق واسع، خلال النصف الثاني من العام الجاري، الذي شارف على الانتهاء.

“صفقة القرن” التي لم تكشف إدارة ترامب عن تفاصيلها حتى الآن، يتردد في الأوساط الإعلامية والسياسية الفلسطينية والعربية أنها تقوم على إجبار الفلسطينيين على تنازلات مجحفة لمصلحة “إسرائيل”، تشمل وضع القدس المحتلة وقضية اللاجئين الفلسطينيين حول العالم. على الرغم من أنّ مصادر أميركية متقاطعة أشارت إلى أنه “إلى جانب البنود السياسية لحل الصراع، فإنّ الخطة ستتضمن مشاريع اقتصادية كبيرة سيتم تنفيذها في الأراضي الفلسطينية، وستكون بمثابة دعم للمسار السياسي وليس بديلًا عنه”.

صحيفة (جيروزاليم بوست) العبرية نقلت مؤخرًا، عن مسؤولين أميركيين، أنّ الإعدادات للإعلان عن “الصفقة” مستمرة، عبر تدريب موظفين جدد، مرجحين أن يتم تأجيل إعلانها في نيسان/ أبريل أو أيار/ مايو المقبلين.

ووفقًا للصحيفة العبرية الناطقة باللغة الإنكليزية، فإنّ من بين الظروف التي ساهمت في تأجيل ذلك الإعلان، تخلّي فريق صياغة “الصفقة” عن الاعتقاد بأنّ الفلسطينيين سيقبلون البدء بالمفاوضات دون النظر إلى التفاصيل، وهو ما ثبت خطأه خلال الفترة التي تلت الإعلان الأميركي عن “القدس عاصمةً لإسرائيل”.

وكان ترامب قد قال أثناء لقاءٍ مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في نيويورك في أيلول/ سبتمبر الماضي، إنه سيتم نشر الخطة في غضون شهرين إلى أربعة.

واشنطن حذرت مجددًا، الثلاثاء 18 الشهر الحالي، من رفض الفلسطينيين والدول العربية والمجتمع الدولي لـ “صفقة القرن”، مجددة انحيازها إلى “إسرائيل” وتقديم الدعم لها.

المندوبة الأميركية الدائمة لدى الأمم المتحدة نيكي هيلي، المعروفة بمواقفها المساندة لدولة الاحتلال على حساب الفلسطينيين، قالت إنه في حال رفض خطة السلام “فسوف نعود إلى الوضع القائم منذ 50 سنة (في إشارة إلى الوضع القائم منذ حرب 1967) بينما ستواصل إسرائيل نموها، أما الفلسطينيون فهم بحاجة ماسة إلى خطة السلام هذه”.

وأوضحت السفيرة الأميركية أنّ “إسرائيل باتت في وضع لا يجعلها بحاجة إلى صفقة السلام التي تعترف بالواقع الحالي للشرق الأوسط، ولذلك فهي خطة ستكون مختلفة عن أي خطة سلام سابقة”. وقالت إنّ “إسرائيل لن تبرم اتفاق سلام بأي ثمن ولا ينبغي أن تفعل ذلك”. مضيفة: “لقد اطلعت على خطة السلام التي توجد فيها نقاط قد يحبها بعضهم، وفيها نقاط قد يرفضها بعضهم.. ونحن سوف نظل نمد أيدينا إلى الفلسطينيين الذين دعمناهم ماليًا أكثر من أي شعب آخر”. وأردفت: “بالنسبة إلى إسرائيل وشعبها وأمنها، فسوف يظل دعم الولايات المتحدة ثابتًا، لأن صلتنا بإسرائيل هي التي تجعل تحقيق السلام أمرًا ممكنًا”.

في انتظار الانتخابات الإسرائيلية

من جهة ثانية، قال السفير الإسرائيلي الدائم لدى الأمم المتحدة داني دانون، في تصريحات للصحفيين، بالأمم المتحدة، بنيويورك، الثلاثاء: إنّ “الإدارة الأميركية ناقشت تفاصيل إطلاق تلك الخطة بالفعل مع إسرائيل”. معتبرًا أنّ بداية العام المقبل سيكون الأفضل لإطلاق “صفقة القرن”، لأنها ستكون قبل عدّة أشهر فقط من عقد الانتخابات المتوقعة في “إسرائيل”، مبينًا أنّ طرح الخطة مطلع 2019 “سيسمح لترامب بتقديمها من دون التدخل في الجدل السياسي الداخلي في إسرائيل”.

وأكد دانون أنّ المسؤولين الإسرائيليين سيأتون إلى طاولة المفاوضات لمناقشة الخطة، فيما اعتبر أنّ الفلسطينيين “سيحاولون وقفها، رغم محاولة الولايات المتحدة إشراك دول مهمة أخرى مثل السعودية ومصر والأردن”.

ورفض السفير الإسرائيلي توضيح ما إذا كانت الصفقة ستضمن حل الدولتين الفلسطينية والإسرائيلية، لافتًا إلى أنه لا يعرف تفاصيل الخطة، ولكنه يعلم أنها “باتت مكتملة”، على حدّ تعبيره.

وخلال التجمع السنوي بالأمم المتحدة لزعماء العالم في أيلول/ سبتمبر الماضي، عبّر ترامب أثناء اجتماعه مع نتنياهو، عن رغبته في كشف النقاب عن خطة للسلام خلال مدة تراوح بين شهرين وثلاثة أشهر.

وبحسب ما كشف عنه موقع (أكسيوس) الأميركي، الشهر المنصرم، فإن من المفترض أن يكون ترامب قد عقد اجتماعًا “حاسمًا”، مع كبار مستشاريه للأمن القومي والسياسة الخارجية، من أجل مناقشة كل تفاصيل خطته لما يسمى “السلام” بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وتوقيت إطلاقها. وقال الموقع في تقرير: إن “الخطة جاهزة الآن بشكل أساسي”، مشيرًا إلى أن ترامب قال إنه يريد إطلاقها في وقت ما بين نهاية العام الحالي، وشباط/ فبراير 2019.

وبحسب الموقع، نقلًا عن مسؤول في إدارة ترامب، فإنّ السفير الأميركي لدى “إسرائيل” ديفيد فريدمان يعتقد أنّ على البيت الأبيض الانتظار حتى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية لإطلاق “صفقة القرن”، لتجنب أن تصبح الانتخابات بمثابة استفتاء على الخطة.

ونفى السفير الأميركي التقارير التي أشارت إلى أن الإدارة الأميركية أجلت نشر الصفقة، بسبب ضغوطات مارسها نتنياهو، في ظل الأزمة الائتلافية التي يواجهها.

وكان نتنياهو قد صرح، قبل أربعة شهور، بأنه لا يرى خطة ترامب ملحة. كما اعتبرت وزيرة القضاء الإسرائيلية أييليت شاكيد أن الخطة “مضيعة للوقت”.

رفض فلسطيني وتحفظ عربي واسع

الإصرار الفلسطيني الرافض لـ”صفقة” ترامب دفع مسؤولي منظمة التحرير وسلطتي الأمر الواقع في الضفة الغربية وقطاع غزّة، إلى مقاطعة الوفود الأميركية المكلّفة بإتمام “الصفقة”، الأمر الذي جعل الجانب الأميركي يصرّ على الحصول على دعم إقليمي وعربي أكبر، خصوصًا دعم المملكة العربية السعودية القادرة، بحسب هؤلاء، على حمل الفلسطينيين إلى طاولة المفاوضات؛ إلا أنّ تورط ولي العهد محمد بن سلمان في جريمة اغتيال الصحافي جمال خاشقجي، في قنصلية بلاده في إسطنبول في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، حال دون الإعلان عن “الصفقة” قبل نهاية هذا العام.

بنيامين نتنياهو مع جاريد كوشنر

كذلك لعبت نتائج انتخابات التجديد النصفي الأخيرة في الولايات المتحدة، التي أسفرت عن استحواذ الديمقراطيين على مجلس النواب، دورًا في الضغط على ترامب وإدارته لتأجيل الإعلان عن الصفقة. وبحسب تقارير صحفية أميركية، فإنّ الديمقراطيين الأعضاء في لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي أبلغوا جاريد كوشنر أنهم سيعارضون “صفقة القرن”، إن لم تدعم حلّ الدولتين بشكل واضح وصريح، وهو ما لا تريده “إسرائيل”.

وقطعت السلطة الفلسطينية علاقاتها مع إدارة ترامب، بعد قراره في كانون الأول/ ديسمبر الماضي نقل سفارة بلاده من تل أبيب إلى القدس المحتلة، واعترافه بها عاصمة لدولة الاحتلال. كما أوقفت الإدارة الأميركية مساعدات للفلسطينيين تزيد على 500 مليون دولار.

تحفظ أردني على صفقة ترامب

إلى ذلك، أكدت تقارير عربية وعبرية وأميركية أنّ الملك الأردني عبد الله الثاني، حاول في الشهور الأخيرة، ثني الرئيس ترامب عن إعلان خطته لتسوية القضية الفلسطينية. مؤكدًا أنّ هذه “الصفقة”، إن أرادت الإدارة الأميركية أن تكون مقبولة، فعليها أن تستعرضها سلفًا مع الدول المركزيّة في أوروبا والعالم العربي، وأن تأخذ منهم ملاحظات، وهو الأمر الذي أسف الملك لعدم حدوثه، في إشارة إلى امتعاض الأردن من المباحثات الجارية حول “صفقة القرن”.

وطلب الملك عبد الله من الرئيس ترامب، في حزيران/ يونيو الماضي، وفق مصادر إعلامية، التروي في طرح “صفقة القرن”، مبررًا ذلك بأن هنالك “صعابًا كثيرة” تواجه إعلانها الآن، في حين أصرّ ترامب على المضي في “صفقة القرن”، متذرّعًا بأنه في حال لم تنجح إدارته في ذلك، فإنّ أيّ إدارة أخرى لن تنجح.

وكانت تقارير صحافية عبرية قد أشارت، مؤخرًا، إلى أن الملك عبد الله ومسؤولين أردنيين أعربوا، خلال جلسات مغلقة، عن خشيتهم أن يؤدي الإعلان عن “صفقة القرن” إلى “احتجاجات داخلية في الأردن التي تحوي ملايين اللاجئين الفلسطينيين” إضافة إلى ما وصفوه بـ “أعمال شغب”.

هذا بالإضافة إلى خشية الأردن من سلب دورها التاريخي في حماية المقدسات في القدس المحتلة، وهو الأمر الذي تحدث عنه الملك عبد الله صراحة مع جاريد كوشنر، خلال لقاءاتهما الأخيرة في واشنطن.

محللون سياسيون فلسطينيون وعرب يرون أن لن يتم طرح “صفقة القرن” في المواعيد التي ترجحها إدارة ترامب، لأن الحيثيات القائمة على الأرض تؤكد أن مصير “الصفقة” ما زال يكتنفه الغموض، خصوصًا في ظل الإجماع الفلسطيني على رفض المشروع برمته، كذلك تحفظ بعض الدول العربية نظرًا للأخطار التي يحملها تجاه مستقبلها. مشيرين في هذا الإطار، إلى أن مسألة حق العودة تشكل عمليًا واحدة من العقبات الكبرى التي تعترض مسار “الصفقة” الأميركية، والمقصود هنا حق العودة لجميع اللاجئين الفلسطينيين الذي هجروا من ديارهم في العام 1948، ويمتد ذلك إلى أبناء اللاجئين وأحفادهم الذين تصل أعدادهم اليوم إلى ما يقارب ستة ملايين ونصف المليون لاجئ فلسطيني، وفق سجلات وكالة (أونروا).

ويشدد هؤلاء على أنّ إدارة الرئيس ترامب، التي تتنكر لحق الشعب الفلسطيني المشروع في العودة، تسعى لتضليل دول العالم والترويج لمعلومات غير صحيحة، لتبرير سياستها ومواقفها التي تتقاطع مع المواقف الإسرائيلية الرافضة للقرار 194 القاضي بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق