تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

التداعيات الميدانية لقرار الانسحاب الأميركي من سورية

أحدث قرار الرئيس الأميركي المفاجئ الذي تضمن سحب القوات الأميركية من سورية، صدمةً وإرباكًا واضحين لأطراف الصراع المختلفة في سورية، حتى ضمن الإدارة الأميركية نفسها؛ لِما لهذا القرار من تداعيات كبيرة يمكن أن تؤدي إلى حرب مفتوحة بين الأطراف المختلفة، سيدفع ثمنها كثيرٌ من الأطراف، ويمكن أن تكون الجهة الأكثر تضررًا من هذا الانسحاب (قوات سوريا الديمقراطية/ قسد) ومكونها الرئيس ميليشيات (بي واي دي) الوجه الآخر لحزب العمال الكردستاني (بي كي كي) الذي يعتمد اعتمادًا كاملًا على الدعم الأميركي اللوجستي والدعم القتالي الميداني، خاصة الجوي منه، ولولا هذا الدعم؛ لما صمدت هذه الميليشيات يومًا واحدًا، أمام القوى التي قاتلتها، وخصوصًا تنظيم (الدولة الإسلامية في العراق والشام/ داعش) الذي هُزم في كل المعارك التي خاضتها ضده.

لعل هذا القرار الذي اتخذه ترامب -على نحو سريع وفردي- له مدلولاته وتداعياته خاصة على المؤسسات الأميركية التي سارع أعضاء في أحد أهم هذه المؤسسات (الكونغرس) إلى استنكار هذا “القرار المتسرع” الذي لا يخدم المصالح القومية للولايات المتحدة الأميركية، ويزعزع مصداقيتها مع حلفائها في منطقة الشرق الأوسط والعالم، وأعتقد أن هذا القرار سيكون له تأثير سلبي على الرئيس الأميركي شخصيًا، في الاستحقاقات المقبلة التي يمكن أن يكون ترامب قد اعتقد بأن اتخاذه مثل هذا القرار سيكون لمصلحته في هذه الانتخابات، من خلال الترويج بأن سحبه للقوات الأميركية من سورية -بحسب تصريحاته وتبريره لهذا القرار- حافظ على أرواح الجنود الأميركيين، في حرب ليست حربهم، وفي الوقت نفسه -بحسب تصريحات ترامب أيضًا- سيخفض هذا القرار تكاليف الحرب المادية التي تدفعها أميركا لقواتها في سورية، ويتم تحويل هذه الإمكانات إلى بناء الجيش الأميركي من الداخل. وهذان السببان اللذان تذرع بهما ترامب غيرُ واقعيين وغيرُ صحيحين بالمطلق؛ لأن القوات الأميركية -طوال مدة وجودها في سورية- لم تخسر جنديًا واحدًا، بعكس خسائرها البشرية الفادحة التي ما زالت تتكبدها في العراق، ومن يرد أن يتفادى خسارة جنوده؛ فإن عليه أن يسحب قواته من المنطقة الأكثر خطرًا على هذه القوات والأكثر عددًا فيها، والسبب الآخر الذي تذرع به ترامب هو عودة الجنود الأميركيين إلى ديارهم، لإعادة البناء الداخلي في المؤسسة العسكرية الأميركية وتقليص النفقات والتكاليف، وهذا أيضًا لا يمتّ إلى الواقع بصلة؛ لأن عدد الجنود الأميركيين في سورية لا يتجاوز 2150 مقاتلًا، وهذا العدد يسيرٌ؛ إذا ما قورن بعدد الجنود الأميركيين في العراق الذي يتجاوز 15000 مقاتل، ويكلف الخزينة الأميركية أضعافًا مضاعفة، بالمقارنة بتكاليف القوات الأميركية في سورية، خاصة إذا عرفنا -وهذا غير خفي على أحد- أن أغلب هذه التكاليف تغطيها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة.

وإذا عدنا إلى الأحداث والتصريحات التي وقعت قبيل إعلان هذا القرار؛ وجدنا أن أبرز هذه التصريحات هي تصريحات المسؤولين الأتراك التي تعلن -ومنها تصريحات الرئيس التركي- عزم تركيا على بدء معركة شرق الفرات، وإبعاد المنظمات الإرهابية الانفصالية عن الحدود التركية، وإضعاف هذه التنظيمات وتفكيكها، وقد قابلتها تصريحات أميركية تتحدث عن قرب تخلي أميركا عن (قسد) بالإشارة إلى أن تعاونها مع هذا التنظيم مرحلي، وأن علاقتها مع تركيا علاقة استراتيجية تجمعهما مصالح مشتركة، خاصة أن كلا الطرفين يُعتبر من أهم وأقوى أعضاء حلف الناتو، والغريب أن هذه التصريحات النارية غابت بعد قرار الرئيس الأميركي، وبتنا نسمع عن تأجيل لهذه العملية! وإذا ما تابعنا التصريحات الروسية والإيرانية وإعلام الأسد؛ وجدنا أن هذه الأطراف الثلاثة هي أبرز المرحبين بهذا القرار، إذ عدّوه انتصارًا لهم ولسياساتهم، وإذا نظرنا إلى (قوات سوريا الديمقراطية/ قسد) وجدنا أنها الخاسر الأكبر، من هذا القرار.

وبهذا؛ يمكن أن نلخص المشهد الميداني العام في شرق الفرات بشيء من الدقة، وحسب المعطيات التي ذكرناها، في حال تطبيق قرار الرئيس الأميركي (وأعتقد أنه لن يطبق بكامله، وعلى الأقل سيتم تعديله من حيث بقاء جزء من هذه القوات في سورية خاصة في المنطقة الشرقية والجنوبية الشرقية من سورية) يكون الانسحاب من منطقة الشمال والشمال الشرقي من سورية قد حقق هدفه الرئيس، وهو إعادة خلط الأوراق لإحداث واقع جديد، وفرض تحالفات جديدة بين الأطراف المتقاتلة على الأرض، تخدم الأسد وإعادة إنتاج نظامه، وقد بدا ذلك واضحًا من خلال الدعوات التي أطلقها قادة (قسد) لقوات الأسد، لتسليمها المناطق التي تسيطر عليها (قسد) خاصة مدينة الرقة والمنطقة الممتدة من مدينة البوكمال على الحدود مع العراق، بمحاذاة الضفة الشرقية لنهر الفرات وصولًا إلى مدينة الحسكة؛ وبهذا يكون الأسد وحلفاؤه هم أكثر الرابحين من قرار ترامب، حيث إنهم استعادوا بموجبه، من دون قتال، الكثير من الأراضي والمناطق الشاسعة التي حررها “الجيش الحر”، من دون أي جهد يذكر، وهذا هو الهدف غير المعلن الذي سعت وتسعى أميركا وحلفاؤها الروس في سورية لتحقيقه، وما حدث في الجنوب السوري، عندما تخلت أميركا عن فصائل “الجيش الحر” ليس ببعيد من الذاكرة، وقد أدى إلى رضوخ الفصائل لمطالب روسيا، ليتم تسليم أهم جزء من المناطق المحررة إلى الأسد وعصاباته؛ وبهذا يكون مسلسل تسليم المناطق المحررة لعصابات الأسد، بتخطيط ومباركة أميركية، قد شارف على نهايته، لتبقى المنطقة المحاذية للحدود التركية التي تمتد من منبج غربًا وصولًا إلى رأس العين شرقًا، وهذه المنطقة يمكن أن تكون ساحة معركة سيُترك الأكراد الانفصاليون وحدهم، ليواجهوا القوات التركية التي سرعان ما ستسيطر على هذه المنطقة، لتحمي حدودها وأمنها القومي، ريثما يتم استقرار نظام الحكم في سورية، ويصبح فيها جيش يمكن أن يحمي الحدود الشمالية المحاذية لتركيا، ويمكن بعد ذلك أن يتم الاتفاق على صيغة تستطيع تركيا -من خلالها- حماية أراضيها من الأحزاب الانفصالية.

بإيجاز شديد: كلّ ما يحدث هو خسارة للثورة السورية وللشعب السوري الثائر، ووأد لثورة الحرية والكرامة، في ظل غياب تام لمؤسسات الثورة التي قدّم الشعب السوري الكثير الكثير، لتقوم هذه المؤسسات بتمثيله، وتحقيق أهداف ثورته التي ضحى من أجلها، وأضاعها صبية السياسة، مقابل حفنةٍ من الدولارات، ووعود بمنصب هنا وكرسي هناك.

Tags

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Close