تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

احتجاجات السودان.. هل يُطبق البشير خطة الأسد الأمنية؟

على وقع تداعيات زيارة البشير للعاصمة دمشق، دخل السودان منعطفًا جديدًا، بانطلاق احتجاجات امتدت -خلال أيام معدودات- إلى معظم المدن السودانية، وصولًا إلى العاصمة الخرطوم، تنديدًا بتفاقم أزمات ارتفاع الأسعار وندرة الخبز والسيولة النقدية، وتمركزت الحشود قرب المنشآت الحكومية ومحطات الوقود ومباني البنوك، وشملت أحياء الرميلة وجبرة جنوب الخرطوم، ومدينة القضارف وعطبرة وبورتسودان وبربر وكريمة ومروى، ومن المتوقع أن تواصل امتدادها لتشمل بقية المناطق في السودانَين.

رفع المحتجون شعارات تضمنت مطالبتهم بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، بصورة تُعيدنا إلى تظاهرات أيلول/ سبتمبر 2013 حين لقي 80 شخصًا مصرعهم، حسب تقديرات الحكومة، و200 حسب تقارير منظمات المجتمع المدني، وقد أخمدت حينذاك شرارة الربيع السوادني، بعد الإفراط الأمني والعسكري من قبل حكومة البشير، الذي تصاعدت وتيرة الاحتجاجات ضده، منذ مجيئه للحكم بانقلاب عسكري في 1989، عقبها أولى الاحتجاجات في عام 1995.

في 2013، ظّن البشير أن الشعب خضع له، بعدما رأى آلية القمع الوحشية التي أصابت بلدان الربيع العربي، في سورية والعراق واليمن وليبيا، فولى اهتمامه صوب تعزيز تحالفاته مع دول عربية وأوربية وغربية؛ بهدف تكريس حكمه بعد نجاحه في إتمام الانقسام لشطري السودان، ضاربًا بعرض الحائط كل الاتهامات الدولية الموجهة ضده، ولا سيما مذكرة الاعتقال الصادرة في 4 آذار/ مارس 2009 التي أصدرتها محكمة الجنايات الدولية، عبر قرار يقضي بإلقاء القبض على البشير بتهمة ارتكابه جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وعمليات قتل واغتصاب وتعذيب وتهجير قسري للمدنيين ونهب ممتلكاتهم، إلا أن شيئًا من ذلك لم يحدث حتى هذه اللحظة.

الاحتجاجات الراهنة لا تختلف في طبيعتها عن انتفاضة شعوب المنطقة العربية، ضد أنظمة دكتاتورية أوغلت في خنق شعوبها، من أجل شهوة المال والسلطة، وعمر البشير لا يختلف بنهجه عن نظرائه بشار الأسد ومعمر القذافي وعبد الفتاح السيسي، فكل تلك الأنظمة تستمد عامل بقائها من جيب الشعوب وثروات البلاد، وتقاسمها مع الحكومات الغربية الداعمة لها.

ومن خلال معطيات تظاهرات السودان، وبعد استمرارها قُتل، في اليوم الرابع، ثلاثة أشخاص في مدينة عطبرة، وستة آخرون في مدينة المضارف، بعدما اتخذت السلطات السودانية إجراءات برفع حالة الطوارئ وإغلاق المدراس والمشافي في بعض المدن، واستخدام الغاز المسيل للدموع والاعتقالات العشوائية، وتكميم أفواه الصحفيين والتضييق على مواقع التواصل الاجتماعي، وهو ما طرح تساؤلًا عن السياسية التي ستتبعها حكومة البشير مع التظاهرات الحالية، بعد رفضها النزول عند مطالب المتظاهرين التي وصلت إلى حد المطالبة بتغيير النظام، عقب وصول زعيم حزب الأمة المعارض “الصادق المهدي”، من بعد نفيه عامًا كاملًا خارج البلاد، متبينًا في الوقت ذاته الحركات الاحتجاجية، من خلال اقتراحه صيغة مذكرة تُوقع عليها كل القوى السياسية، مفادها تحقيق انتقال ديمقراطي يجنب البلاد المزيد من النكسات.

أول بيان صادر عن الحكومة، حول طبيعة الاحتجاجات، جاء على لسان وزير الإعلام بشارة جمعة، وعَد فيه المحتجين بمعاجلة المشكلات الأساسية كندرة الخبز والوقود، مع تأكيده أن الحكومة ستقوم بدورها في توفير السلع والخدمات، وتثبيت سعر الخبز وتوفير السيولة النقدية، فلماذا بدأت هذه الوعود تظهر اليوم، مع أن معاناة السودانيين بدأت منذ سنوات مضت؟ فإذا كانت الدولة تمتلك الإمكانات لمعالجة تلك المشكلات، فعلامَ لم تعالجها سابقًا؟ لعل الجواب واضح أمام الانقسام الحاصل على المستوى السياسي في البلاد، والأزمات الاقتصادية المتعاظمة التي ترمي بثقلها على كاهل الشعب، وبدلًا من أن تقف حكومة البشير موقف صدق عند مطلب حق، بدأت تقديم جرعات مسكنة لحظية، في مدن عطبرة وبورتسودان، بإرسال شحنات من الدقيق وتحديد سعرها بما يتعلق في الشق الاقتصادي، وكأن الأمر يتعلق بلقمة العيش وحسب، دون أي اعتبار للمطالب السياسية.

إزاء هذه المعطيات، وعبر تصاعد الاحتجاجات ونهج تعامل الدولة المؤقت؛ أصبح السؤال يطرح نفسه: هل سيسير البشير على نهج الأسد في تطبيق المعادلة الأمنية لقمع الثورة، على ضوء ظهوره مؤخرًا كوسيط لبعض الحكومات العربية والغربية لبدء التطبيع مع مجرم قتل مليون سوري من دون أي رادع دولي له؟ والحال أن البشير المتهم بقتل 300 ألف من سكان دارفور في 2003 ما يزال حرًا طليقًا، وقد حملت زيارته لدمشق العديد من الرسائل المحلية والدولية، للدول الراغبة في إظهار تطبيعها العلني مع حكومة الأسد، كالسعودية والإمارات ومصر وموسكو التي رأت بالبشير خير نصير للمرور من خلاله للجنوب الإفريقي، وتلميع حليفها الأسد وعودته للجماعة العربية تارةً أخرى، وهذا يرشح أن هناك دولًا عديدة تقف وراء البشير، وهي الدول ذاتها التي دعمت الأسد -بالسر والعلن- وأيّدته في حملته الوحشية لقمع شعبه وتطبيق المعادلة الأمنية العسكرية، وهذه أمور لا تغيب عن نظيره البشير نظرًا إلى تاريخه الحافل بالإجرام.

وعلى ضوء عقلية البشير، بالاستناد إلى تجاربه السابقة، وفي حال تلقيه دعمًا عربيًا غربيًا خاصة من موسكو، فمن المتوقع أن الأساليب المتبعة للتعامل مع المحتجين ستكون كما يلي:

أسلوب التهدئة والالتفاف

يعتمد هذا الخيارَ كلُّ نظام دكتاتوري، في مراحل الاحتجاجات الأولى، وقد بدأ البشير بتطبيقه في بعض المدن لامتصاص حدة الغضب الجماهيري، وإغلاق بعض الجبهات، خشية امتدادها لبقية البلاد، ويكون هذا الأسلوب عبر حلحلة اقتصادية بحدها الأدنى، كتقديم الدقيق وتخفيض أسعار المحروقات، بالتوازي مع استخدام اليد الخفية لاعتقال الرموز الرئيسية التي لعبت دورًا في تحريك الجماهير، وقد تلجأ الحكومة إلى فرض القوة الأمنية والحواجز والملاحقة والتضييق من وراء الكواليس، إلا أنه من المستبعد أن يقود هذا الأسلوب إلى عودة الاستقرار للبلاد، بعد احتقان الشعب منذ أربع سنوات جراء الأزمات التي تمر بها البلاد.

سياسية مضادة للمعارضة

مع توسع دائرة المطالب في السودان إلى إسقاط النظام، من قبل شخصيات معارضة بعضها يمثل واجهة لأحزاب مدعومة محليًا وخارجيًا؛ فمن المحتمل أن تلجأ حكومة البشير إلى خلق سياسية مناوئة للأحزاب، تستهدف الشعارات التي حملوها، وتوظفها توظيفًا سلبيًا، وقد بدا هذا التوجه واضحًا في بيان الحكومة الذي أشار إلى بعض الجهات السياسية التي برزت في محاولتها استغلال الأوضاع لزعزعة الأمن والاستقرار تحقيقًا لأجنداتها السياسية .

وعلى الرغم من انفتاح حكومة البشير على تفعيل الحوار السياسي، كما فعلت في 2013، فإنها دائمًا تلجأ إلى تمييع الموضوع، وإغراق كل الأطراف في التفاصيل، لأنها غير مستعدة لتقديم أي تنازل سياسي للأطراف الأخرى.

سيناريو التصعيد عبر توظيف معطيات الاحتجاجات لمصلحتها

يعتمد هذا الخيار على لجوء الحكومة بالتلويح بعواقب انهيار الدولة؛ فتذهب إلى توظيف عوامل التخريب التي ترافق الاحتجاجات، وتضخميها وتصويرها كمؤشر خطير، بهدف حرف مسار الحراك السلمي، ونعت رواده بـ “المندسين”، وهذا يذكّرنا بوصف بشار الأسد لشعبه بأنهم “مندسون” هدفهم النيل من سيادة سورية، وهو ما يدفع الدولة إلى إدخال الحراك السلمي في نفق مظلم، عبر مؤسسته في معادلة أسلمة الثورة أو الإرهاب، وعلى اعتبار أن ورقة الإرهاب أصبحت متداولة دوليًا، وشماعة لجميع الأنظمة الدكتاتورية، فهي لن تسقط من دائرة اهتمامات الرئيس البشير، حال خروج الوضع عن السيطرة، مستفيدًا بذلك من تعاطي الأسد مع أبناء شعبه وشيطنتهم بورقة الإرهاب.

ومع إثبات صحة ظهور إرهاصات السيناريوهات المذكورة؛ يبقى التساؤل الأبرز عن المدى الذي يستطيع البشير أن يمضي فيه باستخدام القبضة الأمنية والعسكرية، لقمع المحتجين استنادًا إلى تجاربه في ثورة 1995 و2013، وعلى الرغم من أن هناك فرقًا بين مؤسسته العسكرية وقوات نظام الأسد، فإنه لم يعجز عن تجنيد مرتزقة، كالقوات التي أرسلها لليمن، أما في ما يتعلق بمسار الاحتجاجات، فإن التوقعات تشير إلى أنها ماضية نحو الاستمرار حتى نيل مطالبها، ولن تتحقق إلا بإسقاط حكومة البشير. ومما يعزز هذا الطرح الوعيُ المجتمعي للشعب السوداني، ومعرفته الضريبة التي سيدفعها إزاء أي تأخر أو سكوت أو تراجع عن مطلب الحرية، وما عودة الاحتجاجات اليوم إلا امتداد لانتفاضة 2013، كتأكيد على رغبة الشعب السوادني الحر في قول كلمته، في ثورات الربيع العربي التي لن تتوقف قبل إسقاط بشار والبشير معًا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق