سلايدرقضايا المجتمع

استحضار المأساة وتبرير الاحتلال: الجولان أنموذجًا

احتلال “إسرائيل” للجولان، قبل 51 عامًا، مردّه سياسات توسعية، وليس السيطرة على أراض سورية، ثم التفاوض عليها مقابل تنازلات في ما يخص قضية فلسطين. السعي للسيطرة على الجولان كان حاضرًا -على الدوام- في صلب أطماع ومطالبات القادة الأوائل للمنظمة الصهيونية، منذ عشرينيات القرن الماضي، على أقل تقدير. هذا ما تثبته مراسلات هؤلاء القادة مع حكومة بريطانيا وحكومات أخرى، تطالب بجعل الجولان وجنوب لبنان وسهل حوران، ضمن حدود “دولة اليهود” المستقبلية، وذلك لأسباب تتعلق بخصوبة الأرض ووفرة المياه؛ الأمر الذي يمكّن هذه “الدولة” من استيعاب أكبر عدد من المهاجرين اليهود.

ومن الجليّ أن السياسات التي انتهجتها دولة الاحتلال، تجاه الجولان ومواطنيه السوريين، تمثل خير دليل على أطماعها في الجولان، حيث إنها هجّرت نحو 95 بالمئة من مواطني الجولان المدنيين (حوالي 131.000 شخص) وأقدمت على تدمير نحو 340 قرية ومزرعة كانوا يقطنون فيها، ونهبت ممتلكاتهم، واستولت على أراضيهم، وأقامت المستوطنات غير الشرعية على أنقاضها. واقع الحال في الجولان المحتل اليوم، أن هنالك 27,000 مواطن سوري، ممن بقوا في الجولان، يعيشون في خمس قرى، والعدد نفسه تقريبًا من المستوطنين غير الشرعيين الذين يقيمون في 34 مستوطنة، شيدت على أنقاض القرى والمزارع السورية المدمرة.

في كانون الأول/ ديسمبر 1981، ضمّت سلطة الاحتلال الجولانَ، بموجب قانون “قانون تطبيق القوانين الإسرائيلية على هضبة الجولان”. لكن لم يسبق لسلطة الاحتلال الإسرائيلي منذ عام 1967 أن طالبت المجتمع الدولي، بالاعتراف بالجولان السوري المحتل “كجزء من إسرائيل”، بهذا المستوى من المثابرة والتصميم. وقد انبرى قادة دولة الاحتلال، منذ انطلاق ثورة السوريين ضد نظام الأسد الاستبدادي الفاسد، إلى التأكيد أن لا تنازُل عن الجولان، وأن الجولان “سيبقى تحت سيطرة إسرائيل إلى الأبد”. لا بل ذهب هؤلاء، وفي مقدمتهم رئيس حكومة الاحتلال بيبي نتنياهو، إلى حد المطالبة العلنية بنَيل اعترافٍ بأن الجولان “جزء من إسرائيل”، بدعوى أن سورية دولة فاشلة، ولن تكون دولة موحدة، كما كانت عليه الحال قبل الثورة، بل ستكون مكوّنة من عدة كيانات، وعلى ذلك ينبغي أن يكون “الجولان من نصيب إسرائيل”، حيث كان يؤكد نتنياهو -في كل مناسبة- أن “الجولان هو جزء من إسرائيل، وسيبقى إلى الأبد”، محاولًا تدعيم مطالباته بقتل بشار الأسد لشعبه، وبأن لن تقوم قائمة لسورية ككيان موحد، كما في السابق.

لم تلقَ هذه المطالبات الإسرائيلية الحثيثة استجابة من قبل المجتمع الدولي، ولا موافقة الدول، على الرغم من منهجية الحملة التي نظمتها حكومة الاحتلال، في أوج الحرب السورية، حيث عقدت اثنين من اجتماعاتها الأسبوعية، في مستوطنة “كتسرين” في وسط الجولان، المقامة على أراضي قريتي شقيف وقصرين السوريتين، وكانت قوات الاحتلال قد هجّرت سكانهما خلال الحرب عام 1967، وقامت بهدم قراهم ونهب ممتلكاتهم والاستيلاء على أراضيهم.

من جانب آخر، عبّر الاتحاد الأوروبي، بصراحة ووضوح، عن معارضته المطلب الإسرائيلي، حيث أصدرت مسؤولة العلاقات الخارجية في الاتحاد فيدريكا موغريني بيانًا يؤكد أن “دول الاتحاد الأوروبي تعترف بإسرائيل، ضمن حدود عام 1967، ولا تعترف بمطالباتها بأراض أخرى ضمن حدودها، بما في ذلك الجولان، وذلك حتى الوصول إلى تسوية نهائية”. وجاء الموقف الرسمي الأميركي مشابهًا، لكن بنبرة أخرى، حيث أعلن البيت الأبيض أن مستقبل الجولان يُحدَّد بموجب مفاوضات بين الأطراف المعنية.

يبدو أن المطالبات الإسرائيلية وممارسة مختلف أساليب الضغط والإقناع، لنيل اعتراف بشأن “سيادتها على الجولان”، قد آتت أولى ثمارها، وذلك على ضوء إبداء ممثلة الإدارة الأميركية في الأمم المتحدة: نيكي هيلي، للمرة الأولى منذ عام 1967، معارضتها قرارًا غير ملزم، تصدره الجمعية العامة للأمم المتحدة سنويًا، ويتضمن إدانة لاحتلال “إسرائيل” للجولان. وقد صوتت هيلي ضد مشروع القرار الذي طُرح للتصويت في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، خلال الدورة 73 للجمعية العامة للأمم المتحدة، في حين درجت العادة -على مدار عقود- على امتناع الإدارات الأميركية السابقة عن التصويت. وفي حين أيّدت 151 دولة القرار، صوتت ضده “إسرائيل” والولايات المتحدة، فيما امتنعت 14 دولة عن التصويت. وقد وصفت ممثلة الإدارة الأميركية لدى الأمم المتحدة القرارَ بأنه “عديم الفائدة، ومنحاز كليًا ضد إسرائيل”، مبررة الاعتراض الأميركي عليه، بالدور العسكري لإيران في سورية، وما يشكله ذلك من تهديد مباشر لـ “إسرائيل”، فضلًا عن الجرائم التي يرتكبها النظام السوري بحق مواطنيه.

وفي خطوة أخرى، تقدم اثنان من أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي (تيد كروز وتوم كوتون) من الحزب الجمهوري، قبل عدة أيام، بمشروع قرار يقضي باعتراف الولايات المتحدة بـ “سيادة إسرائيل” على الجولان. وهذان العضوان هما من أكثر أعضاء مجلس الشيوخ الجمهورين تطرفًا، وقد قدّما مشروع القرار، تحت تأثير ضغط اللوبي الأميركي المؤيد لـ “إسرائيل”، وبضغط من سياسيين إسرائيليين. وقد تضمن مقترح المشروع نصوصًا تتعلق بممارسات نظام الأسد بحق السوريين، من أعمال قتل واستخدام أسلحة الدمار الشامل، وسياسة التطهير العرقي للسنّة.

تسويغ الاعتراف بسيادة المحتل على الجولان السوري، تحت طائلة الجرائم التي يرتكبها نظام الأسد بحق الأبرياء السوريين، هو ضرب من الخبث السياسي، لما فيه من استغلال لمأساة السوريين، من أجل تبرير سرقة جزء من أرضهم لمصلحة دولة الاحتلال، ويفتقر إلى أدنى المعايير الأخلاقية والإنسانية، في الوقت الذي يتقاعس فيه المجتمع الدولي عن توفير الحماية للسوريين، ووضع حد لمأساتهم المتواصلة منذ ما يزيد عن سبعة أعوام. وبصرف النظر عن شكل النظام في سورية وممارسات الأسد الإجرامية بحق السوريين، كل السوريين، سيبقى الجولان سوريًا، وحقُّ السوريين بالجولان هو حقٌّ أساس وغير قابل للتصرف به من قبل أحد، حتى من قبل نظام ديمقراطي منتخَب، فما بالك في ظل هذه الحالة من الفوضى العارمة، وإصرار نظام استبدادي فاسد على البقاء في كرسي الحكم؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق