تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

“الموساد يضرب في السودان”

ليس هذا العنوان خبرًا من الصحافة الصفراء، ولا عنوانًا لجلب الانتباه، إنه تصريح رسمي لمسؤول سوداني، عزا فيه الحراك في السودان إلى أيادي الموساد الطويلة والخفية. والغريب في الأمر هو أن تكتشف السودان هذه المؤامرة، بعد الحراك لا قبله؛ حيث لم يسبق لمسؤول سوداني أن أشار إلى نشاط الموساد في بلاده من قبل، وهذا يُذكّرنا بالمؤامرة الكونية التي اكتشفها النظام السوري، في اليوم التالي للحراك في سورية، ولكن المؤامرة في سورية أخذت وجوهًا عدة، انطلاقًا من الأمير بندر، مرورًا بـ “إسرائيل”، وصولًا إلى الخليج العربي كلّه، وليس انتهاءً بأوروبا ودول أعالي البحار.

لليوم الخامس على التوالي، يلتزم العالم -وضمنًا الدول العربية- الصمتَ إزاء ما يجري في السودان، ولَم تُصرّح أَي دولة عربية أو غربية أو مؤسسة عربية أو دولية بأي تصريح أو نداء، سواء للحكومة السودانية أو الشعب السوداني، حتى وسائل الإعلام، بمختلف أنواعها وتوجهاتها، ما زالت تتعاطى مع الخبر السوداني بشكل حذر وخجول. الجميع كفرقة موسيقية تأخذ مكانها على المسرح بانتظار (المايسترو) الذي سيُعطي إشارة بدء العزف، لكن (المايسترو) على ما يبدو مشغول بإجراء حساباته الخاصة.

لسنا من المشجعين على الحراك في ذلك البلد، ولن نقف في وجهه أيضًا، ولكن يحق لنا كمراقبين أن نتساءل: ماذا حققت حكومة السودان خلال الثلاثين عامًا التي مرت، وكان خلالها عمر حسن البشير رئيسًا للدولة والحكومة في ذات الوقت؟ وكم كان سعر العملة المحلية مقابل العملات العالمية، وكم هو سعرها اليوم؟ وأين كانت السودان على مؤشرات التنمية قبل ثلاثين عامًا؟ وما هو موقعها اليوم؟

من جانب آخر، في فرضية المؤامرة، سنُسلّم بوجود هذه المؤامرة، وهذا يقودنا إلى جملة من الأسئلة: هل اكتشفت الحكومة السودانية هذه المؤامرة قبل الحراك أم بعده؟ من هم أطراف المؤامرة؟ ما هو هدف المتآمرين؟ والسؤال الأكبر: لو كان شعب أي دولة يتمتع بالقليل من الحرية والاكتفاء الاقتصادي، هل كان سيقبل أن يكون جزءًا من المؤامرة؟! بمعنى آخر: هل كان ليتآمر على حريته وعيشه السعيد؟ لماذا لا نسمع عن مؤامرات في أوروبا وإسكندنافيا واليابان والهند؟! لماذا تنحصر هذه المؤامرات في دول مثل سورية والسودان ومصر والجزائر، وغيرها من دول المنطقة؟ ما هو القاسم المشترك بين جميع الدول التي تتعرض لهذه المؤامرات؟

يبدو أننا أمام حاجة ماسة إلى إعادة تعريف بعض المصطلحات مثل تمرّد، حراك، ثورة، مؤامرة، احتجاج، تظاهره.. إلخ، كيف لنا أن نعرف أن ما يحدث في هذا البلد أو ذاك ثورة أو مؤامرة أو مجرد احتجاج؟ ما هي المقاييس والمعايير التي يمكن أن نتبعها لنصل إلى توصيف عادل ودقيق لما يجري؟ ما هي واجبات المجتمع الدولي إذا كان الأمر ثورة؟ وما هو الإجراء إن كانت مؤامرة؟

ها نحن ندعو كبار المفكرين والفلاسفة والأدباء ورجال القانون والاقتصاد والدين، إلى تدارس ما يحصل في هذه الرقعة من العالم، وإيجاد مقاييس محددة للمصطلحات والتعريفات، بحيث يمكن تطبيقها على جميع الحالات المتشابهة، ولا نجد أنفسنا مع كل حدث مضطرين إلى تفصيل معايير خاصة لكل حالة على حدة، علمًا أن جميع الدول التي تعرضت لهزات، تتشابه في نظام وأساليب الحكم، كما أن مجتمعاتها تتشابه في انعدام الحريات والفساد وتعطل الحياة المدنية، وانعدام حركة التنمية وتدني مستوى الرعاية الصحية.. إلخ.

Tags

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Close