تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

لماذا أحجمت (حماس) عن تأييد الثورة السورية؟

تجاهل رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) إسماعيل هنية، أيَّ حديث عن سورية، ثورة ونظامًا، في احتفال أقيم في غزة، الأحد الفائت، بمناسبة الذكرى السنوية الـ 31 لتأسيس (حماس)، واكتفى بالقول: “سنعمل على تعزيز علاقتنا مع محيطنا العربي والإسلامي”، وشكر عددًا من الدول، مثل مصر، إيران، وتركيا. وكان هنيّة قد وصف ما يحصل في سورية بـ “الفتنة”، في حديث لوكالة (سبوتنيك) الروسية.

ولو أننا عدنا بالزمن قليلًا، إلى ذكرى تأسيس (حماس) الـ 25، لوجدنا أن خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي السابق لـ (حماس)، كان قد رفع علم الثورة السورية، خلال الاحتفال في غزة، في أوضح تأييدٍ للثورة السورية، عبّرت عنه حركة (حماس)، وقال مشعل حينذاك: إن “(حماس) لا تساوم على المبادئ، ولا تفرِّط في القيم، وبالتالي لا تؤيد سياسة أيّ دولة أو أيَّ نظام يخوض معركة دموية مع شعبه، فنحن مع الشعوب”، فما الأسباب التي استجدت خلال سبع سنوات، ودفعت (حماس) لتساوم على مبادئها، وتبتعد عن الشعب الثائر في سورية؟

التمويل

بعد مغادرة قادة (حماس) للأراضي السورية؛ أعلنت الحركة انحيازها إلى الثورة السورية بشكل واضح، وإثر ذلك؛ داهمت قوات النظام السوري، مكتب خالد مشعل في دمشق، وأغلقته أواخر عام 2012، وتسبب اصطفاف (حماس) مع الثورة السورية بأزمة مالية لها؛ بسبب عدم رضى الداعم الإيراني عن هذا الموقف.

ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية، عن موسى أبو مرزوق، القيادي في حركة (حماس)، قوله للصحافيين في مكتبه الجديد بالقاهرة: إن “إيران طلبت من (حماس) اتخاذ موقف أقرب إلى سورية، و(حماس) رفضت؛ وقد أثر ذلك على العلاقة مع إيران”، ثم نقلت قناة (الجزيرة) عن خالد مشعل، قوله في ملتقى (العاملين للقدس) بالقاهرة: إن (حماس) “تعاني ضائقة مالية”، مشيرًا إلى تأثير تطورات المنطقة على مصادر (حماس) المالية، وكان هذا التصريح الأول من رئيس المكتب السياسي لحركة (حماس)، الذي يعبَّر به عن أزمة تعصف بخزينتها المالية.

نتيجة لذلك؛ أدركت (حماس) أن استمرارها في موقفها الداعم للثورة السورية، يعني أن تكون قادرة على تمويل نفسها، أو البحث عن داعم آخر، وهو ما عجزت عنه، بخاصة بعد سقوط حكم (الإخوان المسلمين) في مصر؛ وعدم قدرة الضرائب التي فرضتها في غزة على سد العجز المالي؛ لذلك ارتأت (حماس) أن تعيد النظر في موقفها من الثورة السورية، بما يمهد لعودة علاقاتها مع إيران إلى سابق عهدها.

نقطة العودة في هذا الجانب بدأت من طهران، حيث قال خالد القدومي، ممثل (حماس) في إيران، أثناء ملتقى حواري: إنّ رفع خالد مشعل لعلم الثورة السورية “حدث ما، لا ينبغي اعتباره موقفًا للحركة”، وتعزز هذا الاتجاه بعد وصول إسماعيل هنية، إلى رئاسة المكتب السياسي لحركة (حماس).

الوضع العربي والإقليمي

إثر وصول (الإخوان المسلمين) للسلطة في مصر؛ رأت (حماس) -التي تعتبر نفسها جزءًا من هذا التنظيم فكريًا- أنها قادرة على تحقيق مكاسب استراتيجية وسياسية كبيرة، مستفيدة من قوة علاقتها بالتنظيم، وبالتزامن، سعت الحركة لتعزيز تعاونها مع تركيا، مستغلة توتر علاقات الأخيرة مع “إسرائيل”، كما توجهت (حماس) خليجيًا نحو قطر، وبنت معها علاقات متميزة، واتخذها خالد مشعل مقرًا لإقامته. وبناء على ذلك، اتخذت حركة (حماس) موقفًا قريبًا من موقف أصدقائها الداعم للثورة السورية، متماشيًا في الوقت نفسه مع مبادئها، وقريبًا من قاعدتها الشعبية.

لكن سرعان ما بدأت تحالفات (حماس) السياسية بالتفكّك تدريجيًا، وكانت أرضية بنت عليها موقفها من الثورة السورية، فسقط حكم (الإخوان المسلمين) في مصر، وكان هذا بمثابة القشّة التي قصمت ظهر (حماس)، وعزلها مجددًا داخل غزة، ثم عاد الدفء للعلاقات التركية – الإسرائيلية، من خلال اتفاق إعادة التطبيع، وأعطت تركيا أولويتها للداخل، الذي شهد توترات ومحاولة انقلاب، ثم لاحقًا بدأت الأزمة الخليجية بين قطر والسعودية، وكانت (حماس) في قلب المشهد؛ بسبب علاقاتها المتميزة مع قطر.

وجدت (حماس) نفسها معزولة سياسيًا، لذلك ارتأت أن كسر هذه العزلة، يفرض عليها العودة لحلفها القديم (حلف الممانعة)، لعدم وجود حليف آخر في المنطقة تستند إليه، وبالتالي فإن عليها أن تتخذ موقفًا قريبًا للحلف بما يتعلق بقضايا المنطقة، وبخاصة الموقف من الثورة السورية، وهذا كان سببًا إضافيًا دفع (حماس) إلى خلط أوراقها السياسية مجددًا.

الانقسام الفلسطيني

منذ أن أعلنت (حماس) تأييدها للثورة السورية، طفت إلى السطح عديد من الأنباء، تفيد بوجود انقسام داخل حركة (حماس) نفسها، بسبب تبعات هذا الموقف، حيث رأى تيار داخلي أن لن يكون باستطاعة (حماس) البقاء لوقت طويل، إذا لم تستعد علاقتها مع طهران، وكان إسماعيل هنية أبرز مؤيدي هذا الاتجاه، بينما عارض تيار آخر هذا الرأي؛ لتعارضه مع مبادئ الحركة الأساسية وإجحافه بحق الشعب السوري، وكان خالد مشعل أبرز الرافضين لفكرة التخلي عن الثورة السورية، والمساومة على موقف (حماس) في هذا الجانب لاستعادة التمويل الإيراني.

ونشرت صحيفة (القدس العربي)، عن مصادر وصفتها بالمطلعة جدًا، قولها: إن (كتائب القسام)، الذراع العسكري لحركة (حماس)، حسمت موقفها لصالح استمرار التحالف مع (حزب الله) وإيران، وهو ما نفته (القسام) لاحقًا.

بوصول إسماعيل هنية إلى رئاسة المكتب السياسي لـ (حماس)، المؤيد لإعادة تطبيع العلاقات مع طهران؛ بدأت فعليًا مرحلة جديدة، مهدت لها تصريحات عدد من المسؤولين في (حماس)، تشي برغبة الأخيرة في استعادة علاقاتها مع إيران.

وفي الوقت نفسه، لم تحقق المصالحة الفلسطينية الداخلية بين (حماس – فتح) أيَ تقدم، وبالرغم من اتفاق الجانبين على تسريع وتيرة المصالحة الوطنية الفلسطينية، في (اتفاق الدوحة – 2012)، ثم لاحقًا الاتفاق على تشكيل حكومة وحدة وطنية في (اتفاق الشاطئ – 2014)، فإن هذه الاتفاقات لم تُنفذ على الأرض، وبقيت حبيسة الأدراج، وتبادل الجانبان الاتهامات بشأن عدم تنفيذ بنودها.

رأت (حماس) أن الأوضاع الفلسطينية الداخلية المنقسمة لم تكن مناسبة لها، من ناحية بناء موقف خارجي مستقل، وتأثير ذلك على الأوضاع المعيشية للفلسطينيين في غزة، بخاصة أن (حماس) فرضت ضرائب على البضائع المهربة إلى غزة؛ لتعويض الشحّ المالي الذي تعانيه، إضافة إلى ضغط المؤيدين داخل (حماس) للإسراع بترميم علاقتها بإيران، لذلك قررت (حماس) الذهاب باتجاه طهران، للتخفيف من الأعباء الاقتصادية.

في منتصف العام 2017، استعادت (حماس) الدعم المالي الإيراني كاملًا، كما كان قبل الثورة السورية؛ بعد اجتماع في لبنان، ضم مسؤولين إيرانيين بارزين منهم قادة في الحرس الثوري، وآخرين من (حماس)، ومسؤولين عن (حزب الله) اللبناني، واتفقت الأطراف على استئناف العلاقات وتطويرها، بحسب ما نقلت صحيفة (الشرق الأوسط).

وقفت (حماس) مع الثورة السورية، عندما رأت أن ذلك يتسق مع مبادئها وعقيدتها، ومع موقف حلفائها في الجدد في المنطقة، ورفع خالد مشعل علم الثورة السورية وسط هتافات وتصفيق من الجماهير الحاضرة في غزة، لكن بحث (حماس) عن التمويل، واعتلاء القيادة السياسية الحالية لهرم السلطة، والانقسام الفلسطيني الداخلي، إضافة إلى تعقد الوضع العربي والإقليمي الراهن، أدى إلى ابتعاد الحركة بشكل كامل عن الثورة السورية، وعلى الأغلب أن الأيام القادمة لن تلد مفاجآت تتعلق بموقف (حماس) من الثورة السورية؛ طالما أن الظروف التي صنعت هذا الموقف لم تتغير، وإلى ذلك، فمن الممكن أن تتكرر على مسامعنا تصريحات من قيادة (حماس) تغازل فيها النظام في سورية، على غرار ما قاله إسماعيل هنية لوكالة (سبوتنيك) الروسية: “إن النظام السوري وقف إلى جانب (حماس) في محطات مهمة”، ومن المحتمل أن يكون هذا النظام غير ذي أهمية بالنسبة إلى (حماس)، لكن من المؤكد أن الداعم الإيراني على رأس أولوياتها في المرحلة القادمة.

_____

(*) الصورة 1: قادة حماس في احتفال ذكرى التأسيس.

(*) الصورة 2: خالد مشعل يرفع علم الثورة السورية عام 2012.

(*) أحد نتائج الدورة الإعلامية في أكاديمية قاسيون وشبكة جيرون.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق