سلايدرقضايا المجتمع

الميلاد السوري

لم تشكّل ثورة الشعب السوري عنصرًا طارئًا أو جديدًا، في العمل النضالي للمجتمع السوري، بل اتكأت على إرث تاريخي ساهم في ميلادها من جديد، فمنذ سبعة أعوام التصق ميلاد السوريين الجديد، بقضية الحرية والكرامة والمواطنة وإسقاط الاستبداد، وعبّر ذلك الميلاد، بأشكال مختلفة ودرجات متفاوتة، عن أشواق السوريين للخلاص من الطاغية، وهدم صرح الظلم، وصولًا إلى الخلاص الوطني بإقامة دولة المواطنة والحرية والكرامة.

تأكيدًا على علاقة السوري بالشوق لكرامته وحريته، على الرغم من ضخامة جرائم النظام، ومحاولاته اجتثاث وتزوير التاريخ وجرف قبور شهداء الثورة، في طول البلاد وعرضها، ومحاولته تحويل أجساد شهداء ومعتقلين إلى رماد يذره في خفاء وخسة؛ استطاع سوريون من جنوب البلاد، من درعا التي أكلت نصيب محرقتها، كما باقي المدن، أن يصدحوا بهتافات وشعارات تشير إلى السفاح.

مهما تمادى السوري في أحلامه المشروعة فإنه لم يضع نصب عينيه في البداية مواجهة إجرام غير مسبوق، لكن صيرورة الثورة كشفت ما كشفته، وأضافت ما أضافته إلى تاريخ نضال السوريين.

الإرادة الحرة، التي كانت سلاح السوريين في قيامتهم وميلادهم بوجه الطاغية، كانت أحد الأهداف التي ركز عليها النظام في هجمته على السوريين، الذين قدّموا فيها قوافل الشهداء وعشرات الآلاف من المعتقلين والمختفين، وفي سبيل ذلك، لن تنطلي عليهم أكاذيب وشعارات، كانت جزءًا من أسباب ميلاد ثورة الشعب السوري. وظلّت إرادة السوري في وطنه عاملَ تهديدٍ يزعزع أركان النظام، فلماذا الخوف من مئات آلاف السوريين المعتقلين، ومن ملايين المهجرين، ومن تعبيرهم الحر في رفضهم للطاغية.

ميلاد السوريين محاصرٌ بين شعورين لا يحسن التمييز بينهما تمامًا: شعور بالحنين لبدايات الثورة، حين كانت الجموع تأتي حارة ومندفعة كي تسمع الصوت الذي تريده، وتشاهد الصورة التي تدب فرحًا وأملًا في أفئدة الملايين، والتنقل بين كل مدينة وريف وحارة وحي، والتمايل زهوًا على حناجر تصدح بحريتها، وشعور بالأمل، وبالتطلع إلى نافذة مستقبل لا مستبدَّ فيه قبل سيطرة الظلام عليه، مع ذلك فإن الشعورين يتسربان في الروح معًا، من دون أن يعرف السوري الذي سقط عليه حزن الميلاد، أن يميز بينهما تمامًا.

ميلاد وحنين، يخالطهما الأسى ويمتزج بهما حزن وقنوط، إلى زمن آخر كان من معالمه ورود غياث مطر، وماء الورد مع أهازيج القاشوش التي عثرنا بين كلماتها الملتهبة على أزاميل كانت تحفر قبر الطاغية، قبل أن يقتلع السفاح حنجرة المغني ويسحق ورود غياث مطر ويجرف قبره اليوم.

طريق القيامة السوري معبّد بالدم، والآلام تُعبّر عن ذاكرة ستبقى تعثر على ما يساندها، في تاريخ كان يبدو في ميلاد السوريين مفروشًا بورود غياث، وأغاني الجموع في الساحات والأزقة السورية، وهي تردد كلمات صائبة سمعها الطاغية طلقات تكسر صمت الاغتصاب والموت تحت التعذيب والقذيفة والبرميل.

الميلاد صعب، لكنه يحمل في داخله عناصر صراعه المتواصل، واجتياح الطاغية لمتاريس القيامة السورية، والتصرف على أنه أحكم القبضة على رحم الميلاد، رغمًا عن أنف التاريخ وبديهيات الواقع، ما كان يتحقق لو لم يكن الواقع العربي والإقليمي والدولي بمثل هذه الحالة المنهارة والمتردية، ولو لم يكن هذا الدوس على كرامة السوريين، بهذه الرعونة والخذلان؛ ما كان لهذا المخاض العسير أن يكون.

سيبقى هناك شعور بالأمل، وإن ضاق الواقع بكل أمل جديد وبكل ميلاد للسوري الباقي يندد بالردة، ويدافع عن معنى كرامته وحريته، فما يزال هناك سوريون يأتون إلى الأزقة يخطون شعاراتهم، ويصفقون، ويتأملون كلماتهم عن المواطنة والكرامة والحرية، ولن تمنعهم كثرة صور الشهداء، ولا الشعور العميق بالفاجعة، من الإيمان بأمل ميلاد سورية حرة بلا طاغية.

Tags

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Close