أدب وفنون

ابتسام تريسي: ثمة اتفاق ضمني لتصدير الرداءة

ليس اعتقال ابنها الوحيد من قبل النظام السوري هو المحرض للكتابة، إنها سورية، بكافة أوجاعها قبل الثورة وبعدها، هي تاريخ طويل من التقلبات التي عاشها شخوص روايات الكاتبة السورية ابتسام تريسي ابنة مدينة أريحا. عشر روايات، وأربع مجاميع قصصية مشغولة بقلم أديبة لم تحظَ في وطنها بمكانة تستحقها، في ظل نظام توريث الحكم والفساد والشللية..

ابتسام تريسي تفتح قلبها لـ (جيرون) وتترك للقارئ دهشة التلقي:

– قبل الثورة السورية كانت ابتسام تريسي قاصة وروائية حصدت العديد من الجوائز الأدبية، بعد الثورة ما الذي تغير بالنسبة إليك، أما زلت تكتبين الرواية بذات الروح القديمة؟

= لم يتغيّر شيء سوى تعمّق الألم والإحساس المتفاقم بالفقد والحنين، وتراكم الكآبة، الروح نفسها تسكن التفاصيل قديمًا وحديثًا، إن صحت التسمية؛ لأنّي أرى مشروعي الروائي مستمرًا من دون انعطافات أو تعرجات، رُسم بدقة منذ أوّل رواية وفتحت له ظروف الثورة الأبوابَ، ليتوغل في عمق التجربة الحياتية والتاريخية، لشخصيات عاشت وتعيش من خلال إرثها المستمر على الأرض. فأنا أجد نفسي مهمومة بالواقعي -اجتماعيًا وسياسيًا- في المجتمع السوري، والتّحولات الناعمة والحادة التي عاشها الإنسان السوري منذ الاستقلال لغاية اليوم.

– كيف عبّرت ابتسام الأم المبدعة عن حزنها بعد اعتقال ابنها الوحيد في دمشق؟

= يعتقد الكثيرون أنّ من الصعب التعبير عن الألم العظيم أثناء عيشه! بمعنى أنّه يجب أن تكون هناك مسافة زمنية بين العمل الروائي والحدث، لكنّي رأيت العكس؛ لذا كتبت لنور ومنه، عملين روائيين، أحدهما أثناء اعتقاله، طبع قبل أن أعرف مصيره، وهو (مدن اليمام)، والثاني طبع بعد خروجه من المعتقل (لمار). نور كان جزءًا من تكويني ومن روحي؛ لذا استطعت أن أصنع منه شخصية روائية، كما كتبت له العديد من الرسائل على (صفحة الحرية لنور حلاق) في (فيسبوك)، تلك الرسائل الموجهة من أم إلى ابنها المعتقل؛ تحوّلت إلى رسائل من الابن المعتقل إلى أمّه.. أردت من خلالها أن أمنح أمهات المعتقلين دعمًا نفسيًا وأملًا؛ لأنّي واجهت المسألة بصلابة واستطعت أن أهزم الزنزانة داخلي وأخرجته من عتمته.

– بعد عشر روايات مشغولة بعناية، وصلت إحداهن (عين الشمس) إلى القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية، وثلاث مجاميع قصصية فازت معظمها بجوائز (سعاد الصباح، لها أون لاين) ألا تعتقدين أن الإعلام مقصر في تسليط الضوء حول تجربتك الباذخة؟

= الإعلام -بعامة- كالفراشة، يلحق الأضواء، أما النقاد فهذه المفردة يبدو أنها بحاجة إلى إعادة نظر، هل بالفعل يمتلك المشهد الثقافي العربي عمومًا، والسوري خصوصًا، نقّادًا، نستطيع أن نقول عنهم إنهم واكبوا السرد العربي وأنتجوا من خلاله معرفة؟ ما قرأناه من النقد -عربيًا- إمّا أنّه إعادة إنتاج لما تمّت ترجمته، أو أنّه دراسات عامة لشخصيات كرّستها اتحادات الكتاب السّلطوية ووسائل الإعلام المنبهرة بالجوائز، وأغلب الأعمال النقدية التي تتناول أعمال أدباء كانت في فترة الإعلام الموجه، قبل انتشار البث الفضائي وظهور الشبكة العنكبوتية، أعتقد أنّ النقاد اليوم لا يلتفتون إلى التجارب الحقيقية والمهمة، وينساقون خلف الأسماء المكرّسة مسبقًا، بغض النظر عما تقدمه، لذلك ما تزال أعمالي إلى اليوم مهملة عمليًا.

– لعلّك تلاحظين كم النقد اللاذع الموجه لمعظم الروايات الفائزة بالجوائز الأدبية، فهل النقد من باب تسخيف الفوز، أم عدم ثقة بلجان التحكيم وإدارة الجوائز؟

= لا أعتقد أن النقد الموجه للجوائز بسبب تسخيف الأعمال الفائزة؛ بل هو في الأصل موجه لإدارة الجوائز أولًا وللجان التحكيم ثانيًا. من حق أيّ مبدع يرى أنّ عمله يستحق المشاركة في الجائزة أن يشارك، حتى لو كان مقتنعًا بعدم أهلية عمله! هناك لجنة تحكيم من المفروض أن تكون أهلًا للحكم واختيار الأعمال الجيدة التي تستحق الفوز، وينبغي أن تكون اللجنة من أساتذة النقد الكبار، وهؤلاء قلة قليلة، لكن ما يحدث أنّ هناك خطة أو اتفاقًا ضمنيًا على تصدير الرداءة؛ لذا تفوز أعمال تافهة لا تستحق، وتُستبعَد أعمال جيدة! في الغالب، وكي لا تتهم اللجان بالرضوخ لسلطة المال والإدارة العليا للجائزة، تصعد بعض الأعمال الجيدة إلى القوائم الطويلة، ولا تتجاوزها، وهذا بحد ذاته يضرب المصداقية ويفتح مجال النقد والهجوم؛ لأنّ معظم القرّاء ينتظرون تلك القوائم، ويقرؤون الأعمال ويراهنون على العمل الجيد؛ فيفوز الرديء.. نصيحة للجان التحكيم أن يستبعدوا الأعمال الجيدة من القوائم الطويلة كي يحافظوا على مصداقيتهم في اختيار الأردأ بين الأعمال الرديئة.!

سبق أن كتبت أكثر من مقال عن الجوائز وآلية التحكيم والفوز، لم يكن ذلك من مخيلتي، واتفق أن التقيت بعض المحكمين في مهرجان العجيلي في الرقة قبل الثورة، كما حدث أن التقيت ببعضهم في الكويت، وقال لي أحدهم بصراحة، وهو صديق مقرّب حَكَّم أكثر من دورة في عدّة جوائز، إنّه كان يقرأ من كلّ رواية 50 صفحة؛ إن أعجبته أكملها، وإن لم تعجبه رماها في سلة المهملات. المقياس إذن مزاجية المُحكّم ونظرته الشخصية إلى العمل.

– كتب بعض النقاد عن روايات ابتسام، ما مدى اقتناعك بحركة النقد العربي؟

= بعض الذين كتبوا عن أعمالي هم أصدقاء لي، وأوجه لهم شكري وامتناني، تجربتي لم يتناولها النقاد مطلقًا، هذا إن افترضنا وجود نقاد جادين في الساحة العربية، وإذا افترضنا أنّ هناك حركة نقدية حية تتابع المنجز الروائي، وهذا الافتراض خاطئ، للأسف. كلّ ما كتب عن أعمالي يدخل في باب النقد الصحفي، مما يمكن تسميته قراءة انطباعية، وإن تخلل بعضها قليل من التحليل واستنباط الأسئلة. في الآونة الأخيرة، تواصل معي بعض طلبة الماجستير، لتضمين بعض الأعمال في رسائلهم، أو إعداد الرسالة بالمجمل عن أحد الأعمال، لكن أحدًا منهم لم ينجز رسالته إلى الآن، ما تزال في طور الإعداد..

– في سورية، تحت حكم الأسد، كانت معظم المناصب والجوائز والمهرجانات تعتمد الواسطة والمحسوبية والشللية، فهل استطاعت المعارضة، من خلال منظماتها وروابطها المختلفة، أن تبتعد عن تلك الممارسات؟

= لا أعتقد.. ببساطة وصراحة لم يختلف شيء في تجمعات السوريين، مثقفين وكتابًا وأصحاب رأي وعاملين في المنظمات، العلاقات كلها قائمة على الشللية والمحسوبيات والواسطة، هذه الأمراض التي حقن حافظ الأسد الشعب بفيروسها، لم تجد بعدُ لقاحًا يقضي عليها. أستثني من ذلك (رابطة الكتاب السوريين) التي استطاعت أن تحافظ على استقلاليتها وموضوعيتها، لعدم انضوائها تحت راية الداعمين. وقدّمت مسابقتين واحدة للرواية بالتعاون مع جائزة المزرعة، وثانية للقصة القصيرة، كانت المسابقتان نموذجًا جيدًا يمكن أن يحتذى في الموضوعية.

– قبل مدة قصيرة، فقدت الساحة الأدبية أحد أعمدة الرواية العربية، حنّا مينة، برأيك، وأنت روائية سورية، مَن الروائي الذي يمكنه أن يحتل مكانة حنا مينة؟

= لا أحد يحل مكان أحد في الكتابة، ولا أحد يرث أحدًا، لكلّ كاتب خطه وطريقته وعالمه الخاص، إن كان تناولُ موضوعٍ معينٍ، من قِبل كُتّاب مختلفين في أجيال متلاحقة، يُعدُّ تأثرًا أو وراثة، فهذا غير صحيح.

شخصيًا؛ أرى أنّ هناك روائيين سوريين امتلكوا أصواتهم الخاصة وتجاربهم التي تجاوزت تجربة حنا مينة وأيضًا تجاوزوه في مواقفهم الأخلاقية من الثورة السورية.. والأسماء كثيرة من حيث أهمية التجربة الروائية وتأثيرها، ممدوح عزام -مثلًا- يمتلك فرادة خاصة في تجربته، فواز حداد أيضًا، نهاد سيريس، وبرأيي أنّ تجربة الراحل هاني الراهب تجربة مهمة جدًا وموازية وظهرت في الزمن نفسه، لكنّه لم ينل الحظ الذي ناله حنا مينة في الانتشار.

– دعيني أعرّج على المرأة السورية وأسألك: أي من بطلات رواياتك تشبهك إلى حد ما في نضالك الأدبي والاجتماعي؟

= كلّ امرأة أكتب عنها تأخذ جزءًا من شخصيتي وروحي وحياتي، لا يمكن للكاتب أن يتخلّى عن نرجسيته في الامتزاج والاندماج بشخصياته التي يكتب عنها، وإن لم يعش الأحداث التي يرويها، فيكفي أنّه يعيشها في زمن الكتابة الروائية، هذا الزمن كافٍ لتأخذ الشخصية بعضًا من ملامح الكاتب أو الكاتبة، وإن اختلف الجنس، أي أن أكتب عن شخصية ذكورية وأنا أنثى، فيوسف مثلًا في روايتي المعراج شخصية ذكورية أخذت الكثير من روحي في الكتابة، كتبتها بمتعة وعشتها بكلّ تفاصيلها. لكن الأقرب إلى حياتي وواقعي هي شخصية الأم في (مدن اليمام). أو لنقل إنّها كانت تجربتي الشّخصية الواقعية التي كتبتني بتفاصيل دقيقة وحيّة عشتها في السنة الأولى من اعتقال ابني، لكن لم أتخلَّ عن النسيج الروائي للحكاية، فأنا أدمج بدقة الواقعي التوثيقي مع المتخيل، حين أكتب، لإدراكي أنّ ما أكتبه في النهاية عمل روائي يجب أن يُقنع القارئ ويمتعه بالواقعي والمتخيل، تلك الخلطة العجيبة التي تنهض بالعمل وتحوله من أرضيته وتحلّق به في عالم الإبداع.

– قبل مدة قصيرة حصل خلاف ومشادات حول إعلامي سوري، ومن أهم التهم التي وجهها إليه خصومه عملُه السابق مع محطات تلفزيونية مقربة إلى النظام، هل برأيك، بعد كل الانشقاقات عن النظام، أن معيار الوطنية، عدم العمل مع النظام سابقًا؟

= لا يوجد معيار ثابت على الإطلاق، معظم الذين انشقوا في بداية الثورة ولم يعملوا مع النظام، تحولوا إلى قطّاع طرق، حرامية، انتهازيين، حملوا السلاح.. انظري إلى ما يحدث في المناطق المحررة، الخطف والقتل وطلب الفدية، والمفخخات، من يقوم بهذا؟ هؤلاء الذين انشقوا في البدايات! أما الضباط الشرفاء فقد احتجزوا في مخيمات تركيا والأردن، ولم يُسمح لهم بالعمل مطلقًا.

ثم انظري إلى الائتلاف، إلى منظمات الإغاثة، إلى كلّ التجمعات الوطنية والفساد الهائل فيها، إلى الشخصيات التي ظهرت على أنّها وطنية في البداية، وعادت إلى حضن الوطن! الشعب السوري -عمومًا- تعوّد التخوينَ وإلقاء التهم جزافًا، أنا لا أصنف الناس بحسب تاريخ انشقاقهم ولا بعملهم المسبق مع النظام، رياض نعسان آغا كان مع النظام، رياض حجاب كان مع النظام، لكنّ السوريين لا حلّ معهم.

– في إحدى الدول الأوروبية يعمل أحد الأطباء في مطبخ المشفى؛ يعد الشاي والقهوة للمرضى، لعدم تمكنه من تعديل شهادة الطب. وفي دولة أخرى يعمل طبيب آخر في تقليم الأشجار للأسباب ذاتها.. برأيك، بعد الحديث عن ضخ الملايين لدعم المعارضة السورية، خسارة هؤلاء وشريحة واسعة مثلهم، من يعوضها، وما هو المستقبل الذي ينتظرهم؟

= مستقبل! تبدو الكلمة غريبة جدًا في سمعي، هؤلاء لا مستقبل لهم، اسألي أصحاب الملايين الذين يعيشون في أوروبا وإسطنبول منذ بداية 2012. اسألي الذين تاجروا بالدم السوري وبالثورة وبالمعتقلين. يبدو أن الشعب السوري يُعاقَب لأنّه قام بثورة، لا يجب أن نكون حالمين زيادة عن اللزوم، لن يُعوض السوري على ما فقده وخسره، وها هو العالم كله يُقيد حركته، ويمنع عنه التنقل؛ كما يمنع عنه حتى بعض التحويلات المادية للمساعدة، السوري الذي يبدي قدرًا من الإبداع والاندماج في المجتمعات الأوروبية يمكن له أن يعيش، أما غير ذلك فالمعاناة طويلة والمستقبل مظلم.

– الشتات السوري بلغاته المتعددة، يقلق مستقبل الطفل السوري، ما هي الوسيلة التي يمكننا من خلالها ربط الطفل السوري بوطنه الذي فقده وفقد معه لغته وهويته وتاريخه؟

= العالم أجمع متواطئ في إلغاء الهوية السورية ودمج هؤلاء الأطفال في مجتمعاته، العالم لا يريد مستقبلًا لسورية؛ لذا تجدين مراكز الهجرة تنتقي الأسر التي لديها أطفال، الأطفال في أوروبا يخطفون ويضيعون، والبعض تأخذهم السلطات من حضن أمهاتهم تحت غطاء القانون، أيّ حل بأيدينا والحرب ما زالت قائمة، لا أظنّ أنّنا نستطيع أن نفعل شيئًا في هذه الفترة، وريثما نستطيع، لن يقبل أطفال سورية بالتخلي عن المجتمعات التي احتضنتهم، لن يقبلوا العودة إلى وطن مهدم ومكسور وجريح، ونحن سنكون في طريقنا إلى العدم. قد أبدو متشائمة، لكنّي لا أمتلك الحل، ربّما يمتلكه من يعيشون في الغرب بتأسيس معاهد أو مدارس خاصة أو تجمعات للقراءة بالعربية، وترويج للأدب والكتاب.

– “النزوح”، كلمة لا يستطيع شرح مفرداتها إلا من عاش التجربة خارج مرتع الطفولة والشباب، أريحا المدينة الأحب على قلبك، كيف تمر بك الأيام وأنت بعيدة عن أصص الورد في حديقة بيتك؟

= هذه تحتاج إلى آخ تخرج من الضلوع، لتحملها الريح وتصرخ في الفضاء.. لكنّي مطمئنة لن يسمعها أحد! فالألم يمضّ جنب صاحبه فقط. بالتأكيد، يضعفني الحنين ويهزمني ويشعرني بالعجز. والبلد الذي يعيش فيه النازح يبقى بلدًا غريبًا، وإنْ تحدث سكانه اللغة العربية. وعندما أفكر بالنازحين الذين يعيشون في مخيمات الذل في لبنان والأردن وعلى الحدود السورية التركية وغيرها؛ أجد نزوحي مجرد نزهة بجانب آلامهم التي يتغاضى عنها العالم أجمع، ويتغاضى عنها حتى العاملون في منظمات الإغاثة التي تدّعي الإنسانية.

– ماهي أمنية ابتسام التي تحلم بأن تتحقق قريبًا؟

= أن أرى بعينيّ سقوط النظام، وفرحة أمهات المعتقلين بعودتهم سالمين، أن أعود إلى بلدي، وأزور قبر ابني وقبور إخوتي وأبي. أن أرى أبناء المخيمات وقد عادوا لبناء قراهم المهدمة، والمهجّرين إلى بيوتهم المسروقة، أمنيتي أن أرى السوري وقد امتلك بعض الوقت لترميم جراحه ومعالجة أحزانه.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق