تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

انسحاب أميركي لخلط الأوراق

بعثر قرار الرئيس الأميركي القاضي بسحب قواته من سورية فورًا، الأوراق الداخلية الأميركية والدولية بشكل غير مسبوق، فمن صدمة البنتاغون، إلى تخبط مجلسي الشيوخ والكونغرس، بغالبية نوابه الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء، إلى الرفض الأوروبي إجمالًا والفرنسي خاصة لهذا القرار الأحادي والفجائي، الذي دفع وزيرة الجيوش الفرنسية إلى نفي مزاعم ترامب القائلة بهزيمة (داعش)، والتأكيد على مواصلة الحرب في سورية حتى هزمها فعلًا عبر التحالف الدولي، مرورًا بكلمات الرئيس الروسي بوتين المعبرة عن حذر ممزوج بالشك من هذا الإعلان، عبر تلميحه بحقيقة بعض الانسحابات الأميركية السابقة من مناطق ودول أخرى، وليس انتهاء بالفوضى التي خلفها الإعلان الترامبي على الساحة الداخلية  السورية، الباحثة عن القوى التي سوف تملأ الفراغ الأميركي.

في ما يخص الوضع السوري؛ يؤكد الإعلان الأميركي وجود حالة الضعف والعجز السوري بشقيه الرسمي والمعارض، انطلاقًا من رؤية الطرفين لتداعيات هذا الانسحاب، بين من يجده تعزيزًا للدور الروسي وربما الإيراني، وبين من يجده انسجامًا مع القرار التركي، بشن حملة عسكرية على مناطق شرق الفرات، وهو ما يكشف استسلام النظام والمعارضة الرسمية الكامل للإرادة والتوافق الدوليين، وكأنهم مجرد متابعين إعلاميين، يرصدون ويتداولون الخبر مع القليل من التحليل والاستقراء السريع، ليس إلا. حيث لا يكترث القطبان الهزليان السوريان: النظام والمعارضة الرسمية، بمصير أي من مكونات الشعب السوري، تمامًا كما لا يكترثون بمصير الأرض السورية بحد ذاتها، لذا لا يتم تناول الموضوع من زاوية تأثيراته على حياة المدنيين السوريين، خصوصًا في محيط مناطق النفوذ الأميركي؛ وغالبيتها من مناطق نفوذ (وحدات الحماية الكردية) التي قد تشهد اشتباكات عنيفة مع القوى الساعية لوراثة التركة الأميركية، إن تم الانسحاب الكامل بشكل أحادي، من الإيرانيين إلى الأتراك وربما الروس، الأمر الذي سوف يترافق في هذه الحالة مع تصعيد إسرائيلي محتمل. إذًا، لا يملك نظام الاستبداد الأسدي أي رؤية وطنية لسورية وشعبها، وهو ما ينسجم مع ممارساته الإجرامية، وخصوصًا على مدار السنوات السبع الماضية، كما لا تملك المعارضة الرسمية والمرتهنة للقوى الخارجية أيضًا ذلك، وهو ما يجعل خبر الانسحاب الأميركي يثير مشاعر القلق والتوجس لديهم، خوفًا من استثماره عبر الطرف الآخر من القوى التي تحتل سورية، فحرية سورية وشعبها خارج قاموسهما.

في المقابل، بعيدًا عن مدى مصداقية الإعلان الترامبي، ونظرًا إلى حالة الاستكانة والاستسلام الرسمي السوري بشقية المعارض والنظامي، التي تحدثنا عنها؛ يتنبأ البعض بتبعات سياسية كبيرة جدًا على مسار الحل السوري، انطلاقًا من اعتبار إنجازه مرتبطًا بالتوافق الدولي. وهو ما يتناسى نجاحَ الروس والأتراك والإيرانيين، مجتمعين أم متفرقين، في الفترة الماضية، في التوصل إلى اتفاقات عديدة منها مناطق خفض التصعيد، واتفاق إدلب، وغيرها من الاتفاقات الجزئية داخل وخارج سورية، دون أي إعاقة أميركية، أو بحدودها الدنيا، على الرغم من الوجود العسكري الأميركي آنذاك، كما لم تقف القوات العسكرية الأميركية في سورية حاجزًا أمام التوغلات التركية، أو العمليات العسكرية الروسية والإيرانية، حتى في أشد الأوقات توترًا وضبابية، بل على العكس تمامًا، يوحي سير الأوضاع هناك بقبول أميركي شبه كامل، كما يثبت ثانوية الدور العسكري الأميركي على مسار الأحداث داخل سورية. وبالتالي لا يمكن اعتبار الانسحاب الأميركي دفعًا لمسار الحل السياسي، كما أنه لا يعتبر انسحابًا حقيقيًا حتى لو انتهى الوجود العسكري في سورية كليًا، حيث تستمد الولايات المتحدة الأميركية مكانتها ودورها العالمي، من قوتها الاقتصادية وقدراتها التقنية العسكرية وغير العسكرية، بالتوازي مع قدراتها العسكرية الضخمة.

بالتالي، يمكن القول إن الانطلاق من ربط الدور الأميركي في سورية، بالوجود العسكري الأميركي، هو تعبير عن جهل كبير بطبيعة الصراع الدولي على سورية، وارتباطاته العالمية بقضايا إشكالية أخرى، وبطبيعة النفوذ الأميركي العالمي، الذي لا يمكن حصره بالقدرات العسكرية فقط، بل على العكس تمامًا قد يؤدي الانسحاب الأميركي المحتمل، إلى تأجيج نيران الصراعات الدولية على ومن سورية، أي على نفوذ وصلاحيات القوى الساعية للسيطرة على سورية، وأهمها “إسرائيل”، روسيا، إيران، تركيا، فرنسا، ألمانيا، وربما بعض الدول الخليجية. كما قد يصعد من أهمية الصراع داخل سورية، من أجل قضايا دولية أخرى، وخصوصًا المرتبطة بالمناطق الأكثر سخونة كأوروبا الشرقية، والعلاقة مع الصين، وربما العلاقة مع دول أميركا اللاتينية ومجمل الدول ذات الاقتصادات الصاعدة، دون أي جهد أميركي واضح.

وعليه، يمكن القول أيضًا إن مسلسل التوافق الدولي الذي يتابعه باهتمام بالغ كل من النظام والمعارضة السورية، عبر شاشات التلفاز، لن يصل إلى خواتيمه دون التوافق مع الولايات المتحدة الأميركية، التي لا تخفي عدم اكتراثها بمصير سورية عمومًا، مع ضرورة الحفاظ على بعض الخطوط الحمراء في أي حل قادم، وأولها حماية مصالح طفلها المدلل الاحتلال الإسرائيلي، كما لا تخفي الإدارة الأميركية استراتيجيتها في استثمار المصالح الدولية في سورية، من أجل خدمة مصالح أميركية في أماكن ونواحي أخرى، وهو ما يعني أننا أمام حلقة جديدة من مسلسل التوافق الدولي حول سورية، عنوانه عدم اكتراث أميركي بطبيعة وتوقيت الحل، أي سواء تأخر الحل أم كان أسرع من المتوقع، ودون تحفظات حقيقية حول شكل النظام السياسي وطبيعته، وربما دون التدقيق في مصير النظام القائم حتى اللحظة، وهو ما أكدته الإدارة الأميركية مرارًا وتكرارًا، منذ أيام أوباما حتى الآن.

بناء على ذلك؛ لا يُعبّر الإعلان الأميركي عن فحواه بدقة، بل هو مناورة ترامبية جديدة، تفتح باب المساوامات الدولية والداخلية الأميركية على مصراعيه، بعدما تصاعدت حدة الانتقادات والنفور من خطاب ونهج ترامب، أي هي تهديد أميركي واضح وصريح، بإعادة بعثرة أوراق الملف السوري؛ ما قد يفتح أبواب تجدد الصراع الدولي فيها على مصراعيه، وهو ما قد يهدد مصالح جميع الأطراف الفاعلة فيها اليوم، من دول الاتحاد الأوروبي إلى روسيا وتركيا وإيران، لكن دون المساس بمصالح الاحتلال الإسرائيلي، الذي ظهر أنه الجهة الوحيدة المطلعة على القرار قبل إعلانه.

في النهاية، قد يحدث انسحاب عسكري أميركي كامل أو جزئي، أو ربما نشهد إعادة تموضع أميركي ضمن قوات التحالف الدولي، لكن الحقيقة الوحيدة الواضحة أنها لن تنسحب سياسيًا من سورية، دون تحقيق غالبية أهدافها الدولية، أو دون نجاح الشعب السوري في استعادة قراره منها ومن مجمل المجتمع الدولي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق