اقتصادسلايدر

ارتباط إعادة الإعمار بالانتقال السياسي

59يحاول النظام السوري ومعه روسيا وإيران إقناعَ العالم والأمم المتحدة، بأن الوقت قد حان لإعادة الإعمار في سورية، عبر برنامج تقوده الأمم المتحدة، وبحسب ستيفان دي ميستورا، المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، المنتهية مهمته، فإن عملية إعادة بناء سورية سوف تكلف 250 مليار دولار، بينما تُقدّرها حكومة النظام السوري بنحو 400 مليار دولار. وبحسب بعض المسؤولين الأميركيين، سوف تستغرق العملية حوالي 15 عامًا، ما يعني أن من الاستحالة على النظام السوري وروسيا الاضطلاع بهذه المهمة الضخمة بنفسيهما ووحدهما، لا سيما أن ميزانية الحكومة الأسدية للعام 2018 قُدِّرت بنحو 3187 مليار ليرة سورية، أي أقل من 7 مليار دولار. ومن ثم فإن السؤال يبقى قائمًا هنا: هل يمكن البدء بإعادة الإعمار، دون الدخول في عملية الانتقال السياسي المفترضة؟ ومن ثم هل ستوافق الدول الكبرى (باستثناء روسيا) على المساهمة في إعادة الإعمار؟

أسامة القاضي، رئيس مجموعة عمل اقتصاد سورية، أكد لـ (جيرون) أن عملية إعمار سورية بحدودها الجغرافية، في كل المحافظات السورية، بعد ثماني سنين من الدمار “تحتاج إلى جهود وطنية ودولية متكاتفة؛ لوضع استراتيجية اقتصادية متكاملة، وتحتاج إلى حل سياسي شامل يحقق الأمن والاستقرار تحت إدارة حكومة تكنوقراط، بعيدًا عن المحاصصات السياسية، في ظل دستور وطني يضمن حرية المواطن وسيادة القانون الذي يستوي فيه كل السوريين أمام القانون”.

وأضاف: “واقع وجود أربعة جيوش رسمية بقواعدها العسكرية، على الأرض السورية، يجعل من سورية مقسمة إلى مناطق نفوذ إيراني وروسي وأميركي وتركي، فضلًا عن وجود دول أخرى وميليشيات ومرتزقة من مختلف الجنسيات، وهناك صعوبة بالغة في رسم مخطط متكامل لإعمار سورية. إن ما يحدث الآن هو إعمار جزئي لمناطق النفوذ، وليس إعمار لكل سورية. تاريخيًا، لم تدخل أي دولة على خط إعمار أي دولة، بعد حرب، إلا في حال وجود حل سياسي شامل، سواء صفقة تقسيم، أو انسحاب كامل لجيوش أجنبية، وأعتقد أن إعمار مناطق النفوذ قد تستغرق أكثر من عشر سنوات لكل منطقة، وهي تؤذن بتقسيم جغرافي نهائي لسورية، يعيدنا لأجواء سايكس بيكو”.

أما عبد المنعم حلبي، الباحث الاقتصادي السوري، فقال لـ (جيرون): ما يسمى بمشروع إعادة الإعمار في سورية يُستخدم كورقة من أوراق اللعبة المفتوحة، في المواجهة بين النظام وحلفائه من جهة، ومن يعادونهم أو يظهرون ذلك في الجهة الأخرى. من حيث المبدأ لا يمكن لهذا المشروع أن ينطلق من دون غطاء سياسي شرعي، وبالتالي فإن النظام يراهن على أن سعي بعض الأطراف المناوئة له، للدخول في هذا المشروع، قد يدفعها أو يسهل من مراجعة سياساتها تجاهه والمشاركة في إعادة تأهيله سياسيًا”.

وأضاف: “الولايات المتحدة هي من يريد بقاء النظام. ولم تتغير السياسة الأميركية نهائيًا في إدارة الملف السوري على هذا الأساس، لكن ذلك بالتأكيد سيكون شكليًا ولن يكون مدخلًا لإمكانية تحقيق انتقال سياسي حقيقي، في ظل وجود بشار الأسد ونخبته الحاكمة. وقد يستدعي الأمر وجود مظاهر انتقال سياسي، عبر دمج شخصيات وتكتلات معارضة محسوبة على تلك الدول”. وأوضح: “ربما يمكن التعويل على موقف الاتحاد الأوروبي، في السعي لربط ما بين تقدم مشروع إعادة الإعمار وعملية الانتقال السياسي، لكن وجود توافق إقليمي محتمل بين إيران وتركيا، وتأمين مشاركة عربية في المشروع، على أساس تحقيق مظاهر انتقال سياسي، قد يحيّد الدور الأوروبي بشكل كبير”.

الكاتب والصحافي السوري مصطفى السيد قال: “ما تزال المسائل المتعلقة بالاقتصاد المستقبلي لسورية طبخات بحص، يصعب على الاقتصاد السوري النهوض، وأحكام المقاطعة فعالة، المقاطعة والعقوبات الدولية ستبقي السوريين خارج الاقتصاد العالمي، وستبقي السوريين خارج الزمن، في الوقت الذي يتم فيه فك الحصار السياسي عن النظام، لا يوجد أي طرف له مصلحة بنهوض الشعب السوري الذي استباحه الجميع”.

ورأى السيد أن العقوبات الاقتصادية المفروضة “تُستخدم لمزيد من إذلال السوريين في الداخل والخارج، وتربط هذه الطبقة السياسية مصالحها بمصالح النهب العالمي لسورية وتدميرها، وسيصعب البدء بإعادة الإعمار، قبل التوصل إلى تسوية سياسية تتيح للشعب السوري الوصول إلى حقوقه السياسية، فيما طبقة النهب الوطني، في السلطة والمعارضة السورية، لا تهتم بمصالح الشعب السوري وأمانيه، ولا أمل إلا باستعادة الشعب السوري لإرادته بشكل سلمي”.

من جانب آخر، وصف سامر كعكرلي، الكاتب السوري المختص بالشأن الاقتصادي، موضوع إعادة الإعمار في سورية بـ “الأمر الشائك”، وأوضح: “على الرغم من أن الموضوع يبدو اقتصاديًا، فإنه يخضع -بكل تأكيد- لتجاذبات سياسية. وبحسب التقديرات الأممية فإن إعادة الإعمار ستكلف أكثر من 300 مليار دولار، ونظام الأسد غير قادر على تقديم هذا المبلغ الكبير بكل تأكيد، حتى إيران لا يمكنها وحدها تقديم أي شيء في هذا الموضوع، لعدة أسباب، أولها أن موارد إيران استُنزفت خلال الحرب في سورية من ناحية، ومن ناحية أخرى، إيران ترزح تحت وطأة عقوبات اقتصادية هي الأشد، منذ استيلاء الملالي على الحكم”.

أضاف كعكرلي: “لروسيا سياستها، وهي تقوم على مفهوم المافيات أي أنها تقبض ولا تدفع (على غرار الإتاوات التي يأخذها رجال العصابات) لذلك هي غير مرشحة أبدًا للمشاركة في عملية إعادة الإعمار، وسيكون الموضوع بالنسبة إليها عاملَ ابتزاز للجهة أو الجهات التي ستمول إعادة الإعمار؛ لأنها تمتلك القوة على الأرض. بالعموم فإن إعادة إعمار سورية ستمرّ حتمًا من خلال ثلاث قنوات: الأولى رجال الأعمال السوريين الذين اصطفوا مع الثورة (مثلًا، رجال أعمال درعا قادرون على إعادة إعمار قراهم وبلداتهم). والثانية دول الخليج وعلى رأسها السعودية. والثالثة الدول الغربية وعلى رأسها الاتحاد الأوروبي. هؤلاء الثلاثة سيحتاجون إلى خطة ما لتنسيق الجهود بينهم (على غرار خطة مارشال لإعادة إعمار ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية)، وكما هو ملاحظ فإن القنوات الثلاثة لا يمكنها البدء بإعادة الإعمار، ونظام الأسد متربع على عرش السلطة في سورية. صحيح أن جيمس جيفري قد صرح منذ أيام بأن أميركا لا تسعى للتخلص من الأسد، إلا أنه قال أيضًا إنها لن تمول إعادة الإعمار، إذا لم يتغير نظام الأسد”.

وتابع: “كل الأطراف التي يمكنها المساهمة في إعادة الإعمار تشترط رحيل الأسد، وأعتقد أن روسيا ستقبل بذلك؛ إذا ضمنت حصتها من كعكة إعادة الإعمار. وبالنتيجة سنرى أن الأسد وإيران هما الخاسران الوحيدان في معادلة إعادة الإعمار، ولذلك نجد أنهما يعطلان أي مسار سلمي للحل؛ لأن إعادة الإعمار لا يمكن أن تكون تحت أصوات المدافع. وهناك تسريبات تقول إن روسيا وتركيا قد طلبتا بشكل رسمي خروج القوات الإيرانية والميليشيات الطائفية من سورية، بمدة أقصاها 1/ 1/ 2019 وهذا يؤكد أن إيران ستكون خارج اللعبة، ونظام الأسد أيضًا سيكون كذلك، لأن وجوده أصبح مرتبطًا بالتواجد الإيراني. أي لن يكون هناك إعادة إعمار بوجود الأسد ونظامه”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق