مقالات الرأي

من الحدث إلى الخبر

يتخلى الناس أكثر فأكثر عن السعي للحصول على المعلومات عبر البحث والتفكير، وذلك بسبب تدفّق سيول المعلومات الكاذبة أو غير الدقيقة التي تغمرهم بها وسائل التواصل الاجتماعي عنكبوتيًا، كما محطات الأخبار المستمرة تلفزيًا. وصار الركض نحو الأخبار العاجلة، كما الصدمات الإعلامية، وسيلةً مُحبّذةً لبناء الوعي الجمعي -أو تخريبه بالأحرى- لدى العامة من الناس، ولدى بعض النخب التي تخلت عن وظيفة القراءة والتحليل، وتحوّلت إلى فعل “التلصلص” والتعليق. وفي الأزمنة الحديثة، يقوم الصحفيون أكثر فأكثر بوضع وسائل التواصل على أنواعها نصب أعينهم، التي ترشدهم إلى الأسلوب المهني المتبع، مبتعدين بذلك عن دورهم في التمحيص أكثر، وفي السعي إلى التوسّع في المعرفة والتحقق والتأكد قبل النشر والمشاركة على مائدة التهام الأخبار السريعة التي لا تُنتج إلا الإثارة والتحفّز.

الفداحة في أسلوب وخطاب المعالجة لخبر ما -يمكن أن يكون عاديًا- صارت من مميزات الإعلام الحديث، وصار انتقاء العناوين مرتبطًا أيضًا بهذه الرغبة العارمة في الجذب، ولو كانت الهوة المفهومية، بين العنوان وما يتضمنه الخبر، عميقةً للغاية. وتبيّن للقائمين على الإعلام “الحديث” أنّ تحويل كل خبر إلى مشروع كارثة أو مشروع مأساة يجلب القراء والمتابعين والمشاهدين. ويمكن أن نختلف على تعريف ما ينتج من هذه الأساليب، ولكنه بالتأكيد ليس إعلامًا، خصوصًا إن كان يعتمد أساسًا على الإخافة والرعب.

ما القول من قبل بعض الصحفيين بأن وسائل التواصل الاجتماعي هي تعبير كامل عن الحقيقة، إلا عبارة عن خطأ فادح يبحث من خلاله الكسالى من الإعلاميين عن تبرير ما لنهجهم المستحدث بعيدًا عن مفهوم الإعلام بذاته ومهنية ممارسته. فالتعبير، كما يقول دومينيك فولتون، كبير سوسيولوجيي الإعلام في فرنسا، ليس صنوًا للحقيقة. ولا يكفي أن يُعبّر أحدنا كما شاء وأينما شاء، ليصير ما يتفوه به هو الحقيقة أو جزءًا من الحقيقة. وبالتأكيد، لا يمكن أن نعتبر أن مجرد سرد الأشخاص لحيواتهم الخاصة على وسائل التواصل هو حقيقة مُسلّمٌ بها. وإن اتبعنا هذا المنطق في التحليل؛ فسنفتقر لاحقًا، كما يُضيف فولتون، إلى الصحافيين والباحثين والأساتذة وإلى رجال السياسة أيضًا. جميع العناصر الوسيطة إذًا، إن جازت التسمية، سيصبحون محل شك وتشكيك، وسيخرج من يفرض نظرية إعلامية جديدة، مفادها أنه يكفي الاستماع للناس لمعرفة الحقيقة. ويصبح الإعلامي مجرد نادل ينقل الصحن من مكان إلى آخر، من دون مقاطعة المعلومات ولا التحقق ولا التحرير ولا ممارسة دوره في الشك. وسيصير من الصعب على الديمقراطية أن تعيش بشكل طبيعي وصحي ومستدام، في جو يسود مشهده العام استبداد الاستطلاعات والأخبار القصيرة المستمرة والتعبيرات الفردية على عواهنها في وسائل التواصل الاجتماعي.

التلصلص على الأخبار لا يصنع مشهدا ًإعلاميًا إيجابيًا، ويودي بمهنة الإعلاميين إلى حضيض أخلاقي ومهني لا قعر له. وبالتالي، فالتنافس الجاري بين وسائل الإعلام التقليدية، كما وسائل التواصل، للحصول على أعلى نسبة مشاهدة أو مشاركة أو إعجاب، هو تنافس مؤذٍ للغاية بحق الإعلام والمتلقي، كما بحق الخبر بحد ذاته. وليست كلّ ترّهة، تفوّه بها أحدهم أو إحداهن على وسيلة تواصل، كنزًا ثمينًا يجب تلقفه وتقاسمه، من دون تفكير في محتواه وفي حمولته.

إن “البث الحي” لمجريات الحياة اليومية، والظن بأن هذا ممكن على مدار الساعة، هو نوع من الديماغوجية. ومع متطلبات الإخبار المستمر والتعليق المسطّح والنقل المشوّه، بدا وكأنه صار من شبه المستحيل علينا أن نتوقف عن التعبير أو عن الكتابة أو عن التعليق ولو لمدة لا تتجاوز 48 ساعة. ومن المفيد، بل المهم، التأكيد أن التعبير ليس مرادفًا للإعلام. فمن يرغب في أن يُعبّر عمّا يجول في خاطره ليس بالضرورة ناقلًا لحقيقة، مهما كانت، أو لخبر مهما تواضع.

الإعلام ليس هو الأحداث فقط، وعلى الصحافي أن يأخذ متسعًا من الوقت للاختيار والتفكير بما يخص الموضوع/ الحدث الذي ينوي معالجته وكيفية معالجته. فمساحة العمل إذًا، بين وقوع الحدث وبين إنتاج الخبر، هي من تصنع من الإعلامي إعلاميًا حقيقيًا. وعلى الرغم من أن السعي كان حثيثًا ومقبولًا طوال عقود لعدم إطالة المدة، بين وقوع الخبر ومعالجته إعلاميًا، لتجنّب تدخل السلطات السياسية أو الدينية والعمل على تغييره أو التأثير فيه، فإنه لا يجب أن يكون هذا السعي مبالغًا فيه إلى حد التطرف، أيًّا كانت الحجة، لدرجة تدفع الإعلامي إلى الوقوع في فخ القيام بالقضاء على كل المسافة الضرورية لمعالجة الخبر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Close