تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

هل يؤذن الانسحاب الأميركي المحتمل بتحلل (قسد)؟

شكَّلت تغريدة من الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، نشرها على صفحته الشخصية في موقع (تويتر) يوم الأربعاء 19 الجاري، خضّة وصدمة كبيرتين في الأوساط السياسية المعنية بالشأن السوري، تحولتا في غضون ساعات إلى محور أساس للجدل والتحليل، ولمّا تنتهي مفاعليها بعد. الرئيس الأميركي الذي قال في تغريدته الأولى بهذا الشأن: “لقد هزمنا الدولة الإسلامية في العراق والشام، سببي الوحيد للتواجد هناك خلال فترة رئاستي”، أتبعها بثلاث تغريدات متتالية، يوم أمس الخميس، قال في الأولى: “الخروج من سورية لم يكن مفاجئة. فقد كنت أُعدّ له منذ سنوات، وقد وافقت على البقاء مدة أطول، حين أعلنتُ نيّتي في أن ننسحب”. وفي التغريدة الثانية: “هل تريد الولايات المتحدة أن تصبح شرطيًا للشرق الأوسط، فلا تنال شيئًا سوى بذل أرواح ثمينة ومليارات الدولارات، لحماية الآخرين الذين لا يُقدِّرون، في كل الأحوال تقريبًا، ما نفعله؟ حان الوقت لأن يقاتل الآخرون أخيرًا”. وكان ترامب أكثر تحديدًا في تغريدته الثالثة، عندما سمَّى أطرافًا بعينها، وقال: “روسيا وإيران وسورية وآخرون كُثر ليسوا سعداء حيال رحيل الولايات المتحدة، على الرغم من الأخبار الكاذبة، لأن عليهم الآن أن يقاتلوا الدولة الإسلامية في العراق والشام، وآخرون يكرهونهم، دوننا. أنا أبني الآن أقوى جيش في العالم. الدولة الإسلامية تضربنا، إنهم خاسرون”.

تغريدات ترامب الثلاث هذه تبدو موقفًا واضحًا لا لبس فيه بضرورة سحب القوات الأميركية المتواجدة في عدد من مناطق الجزيرة السورية، لكن توقيتها الذي باغت حتى موظفي إدارة ترامب نفسه، يثير كثيرًا من الشكوك حول جديته أو المآلات الفعلية له، إذا ما نُفذ على الأرض. وفيما تتركز التحليلات على مواقف القوى الدولية والإقليمية الفاعلة، فإن سكان المناطق المعنية لديهم حسابات من نوع مختلف؛ حسابات تنبع من مخاوفهم ومواقفهم السياسية المعلنة أو المضمرة من حصيلة الانسحاب الأميركي المفترض.

حيث أصدر ما يُسمى “مجلس سوريا الديمقراطية” المُعلن من طرف واحد، يوم أمس الخميس، بيانًا ركيكًا حافلًا بالأخطاء النحوية والأسلوبية، قال فيه إن: “اتخاذ هكذا خطوة ضمن هذه الأجواء التي من شأنها أن تعقد الأزمة السورية بشكل أكبر، وتفتح الباب لصراعات وحروب أكثر هلاكًا ودمويةً، وتسنح الفرصة لداعش في استعادة قوتها وإعادة انتشارها، وتهدد الأمن والسلم الدوليين”. وأضاف البيان المتوجس أن قرار الانسحاب “يجب أن لا يؤثر سلبًا على مهمة الشركاء في التحالف الدولي، لإنجاز وتحقيق الهدف في القضاء على داعش والإرهاب”. البيان، الذي لا يتجاوز عدد كلماته مئتين وخمسين كلمة، أشار إلى (داعش) ثلاث مرات، في تذكير بالوظيفة المنوطة بما يُسمى “قوات سوريا الديمقراطية” التي يستظل بها حزب العمال الكردستاني التركي في نشاطه العسكري في سورية. لكن إضافة “الإرهاب” إلى (داعش) في هذا البيان لافتة، إذ يبدو أن حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي الذي يدير “مجلس سوريا الديمقراطية”، بدأ يتنبه إلى أن دوره ودور قواته، “وحدات حماية الشعب” الكردية، سينتهي عمليًا بانتهاء تنظيم (داعش)، وإلى ضرورة التحول إلى وظيفة جديدة هي مواجهة “الجيش الحر”، الذي يبدو أن البيان يشير إليه بمصطلح “الإرهاب”.

وعلى الأرض، وفيما يواجه سكان محافظة الرقة شتاءً قاسيًا، في ظل انعدام شبه كلي للخدمات العامة وارتفاع في الأسعار وفوضى أمنية عارمة، عمدت أجهزة (قسد) إلى تسخير الناس في تظاهرات واحتجاجات إجبارية، على مدار الأيام القليلة الماضية، للتنديد بعملية عسكرية محتملة ضدها من قبل كتائب “الجيش السوري الحر” المتحالفة مع تركيا والجيش التركي، على طول الحدود السورية التركية. كما دفعت، أمس الخميس، العشرات من سكان ريف تل أبيض وعين العرب إلى التجمهر أمام القاعدة العسكرية الأميركية في قرية (الجلبية) للمطالبة ببقاء القوات الأميركية. وبموازاة ذلك بدأت نقل الآليات التابعة للبلدية في الرقة وريف المركز نحو مدينة القامشلي في محافظة الحسكة، وهي آليات قدمتها منظمات دولية لفتح الطرقات وإصلاح المنشآت العامة المتضررة جراء حملة التحالف لطرد تنظيم (داعش) من المدينة.

في المقابل، أشار ناشطون محليون إلى أن مجموعات عربية عاملة تحت مظلة (قسد) وصلت إلى مناطق النظام غرب وجنوب الرقة، بعد أن سوَّت أوضاعها مع النظام السوري، في ما يبدو بداية لتحلل “قوات سوريا الديمقراطية”. يأتي هذا التطور بعد أن فتح النظام معبر (الدبسي) قبل مدة وجيزة، وبدأ بتنظيم تسويات لمقاتلين معارضين وآخرين عملوا مع (قسد).

سكان منطقة تل أبيض، التي يُحتمل أن تكون هدفًا من أهداف حملة عسكرية مشتركة بين كتائب “الجيش السوري الحر” والجيش التركي، يبدون مخاوف من نوع مختلف، حيث تجري على جانبي الحدود السورية التركية مناوشات، عبر وسائل الاتصال، بين أفراد من “الجيش السوري الحر” وعناصر ومتعاونين مع (قسد) تحمل تهديدات للآخرين، بسبب تراكم النزاعات منذ بدء الثورة في العام 2011 وممارساتهم ضد عناصر من “الجيش الحر” وكتائب إسلامية وأسرهم وممتلكاتهم، عند دخول (قسد) إلى منطقة تل أبيض عام 2015؛ الأمر الذي يُنذر باحتمالات حدوث أعمال انتقامية ونزوح المطلوبين من المنطقة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق