أدب وفنون

المسافر: حلب-إسطنبول: رؤية سينمائية تركية للجوء السوري

بعد الصالات الأردنية، يشاهد الجمهور العربي في لبنان الفيلم التركي (المسافر حلب – إسطنبول) الفائز بجائزة الجمهور في مهرجان أنطاليا السينمائي في تركيا، عند عرضه الأول عالميًا، وبجائزتي أفضل فيلم وأفضل ممثلة في مهرجان طريق الحرير السينمائي في أيرلندا. كما فاز بـجائزة أفضل فيلم روائي طويل، وجائزة أفضل مونتاج في المسابقة القومية للأفلام الروائية الطويلة بـمهرجان البوسفور السينمائي.

يدور الفيلم حول رحلة (لينا) و(مريم) في أثناء هروبهما من الحرب في سورية. (لينا) فتاة في العاشرة من العمر، فقدت عائلتها في الحرب، واضطرت إلى أن تبدأ طريقها إلى تركيا، مع شقيقتها الرضيعة وجارتهم (مريم)، بصحبة لاجئين آخرين. وبينما كانت (لينا) ترغب في العودة إلى الوطن، كان أمل (مريم) هو الوصول إلى أوروبا.

تبدأ الحكاية من أحياء حلب التي تتعرض للقصف، (مريم، صبا مبارك) تعمل هناك في صالون شعر نسائي، وحين تتعرض الأحياء للقصف، تفارق عائلة جارتها الحياة، باستثناء ابنتهم (لينا، روان سكاف)، وطفلة رضيعة. هكذا يرتبط مصير الشخصيتين الرئيسيتين في الفيلم، مع رحلة الهرب من القصف، في مسيرة سيارات “البيك أب” التي تحمل ما تبقى من بشر هاربين من تحت الدمار، في مغامرة الوصول إلى الحدود التركية. توقف قافلة البشر الهاربين إحدى الكتائب المسلحة، وتسلب من الجميع ما يملكون من نقود وحلي وأساور، ويتم حجز الهاربين في مركز احتجاز تابع للمسلحين، حيث تتعرض مريم للتحرش الجنسي.

ما يهمنا هنا الرؤية التركية السينمائية للحدث السياسي السوري، طائرات عسكرية تُسقط مناشير تحذر السكان في حلب من البقاء في منازلهم، ومن ثم بعد التحذير يبدأ القصف. أعداد كبيرة من الضحايا والهاربين من القصف، مجموعات مسلحة تسلب الهاربين أموالهم، وقوافل من اللاجئين الساعين لقطع الحدود إلى الأراضي التركية، هذا ما تثبته أرقام اللاجئين المرتفعة للسوريين في تركيا.

تنجح مريم في الانتقال إلى إسطنبول، من دون أن تتخلى عن لينا الطفلة المشاكسة التي ترغب في العودة إلى سورية، للبحث عن أمها الحقيقة. تتلقى مريم اتصالًا من عم لينا في ألمانيا، يعدها بالمال اللازم للوصول إليه في ألمانيا.

في إسطنبول، نتعرف إلى عوالم اللاجئ السوري خارج المخيمات، اكتظاظ العائلات في قبو مستأجر من مالكين أتراك. تطرد العائلات السورية من القبو لقلة المال، وتبدأ مرحلة الإقامة في الحدائق العامة. تضطر مريم إلى العمل في مصنع ألبسة، مما يسبب ضياعها عن الفتاة لينا؛ فيما يقارب الثلث الأخير من الفيلم، ومن ثم تعودان للقاء. المال الذي يرسله عم الفتاة من ألمانيا، لا يكفي إلا لهجرة فرد واحد في المركب المطاطي إلى اليونان. تُرسل الفتاة ذات العشرة أعوام وحدها مع فريق المهاجرين عبر البحر، وينتهي الفيلم بمشهد الوداع بينها وبين مريم التي قررت البقاء عند شواطئ إسطنبول.

خيط سردي وحيد يحكم مسار القصة، لا حكايات جانبية، سوى حكاية لزواج مبكر نتابع تفاصيلها مع صديقة للفتاة لينا. زواج مبكر يتم في إسطنبول بين فتاة سورية وشاب تركي يقوم أهله بكامل عملية تزويجه، ودفع المهر.

إذًا، بداية قصة الفيلم بالقصف على حلب، والنهاية بالقارب في البحر، كأن الخلاص في هذه الحكاية ينتهي بترك الشخصية الطفولية التي تعاطف معها المتلقي، وحيدة في مصيرها في قارب مطاطي عرض البحر. ماذا تريد أن تروي نهاية الفيلم؟ أأنها ماتت؟ تخبرنا عبارة مكتوبة تظهر بعد نهاية الفيلم أن الفتاة وصلت إلى اليونان. لكن هذا يقودنا إلى سؤال أعمق، أين تنتهي التغريبة السورية؟ هل الهجرة إلى أوروبا هي الخاتمة السعيدة لحكاية الهجرة واللجوء السوريين؟ يبقى على السينما السورية في المهجر أن تُطلعنا على قضايا ومشكلات المنفى عبر حكاياتها المستقبلية، لنتمكن حقًا من الإجابة على سؤال: “ما هي النهاية السعيدة لفيلم عن الهرب من الموت والدمار؟”.

الفيلم من تأليف وإخراج المخرج التركي أنداش هازيندار أوغلو، وهذا ما يسمح لنا بمعالجة تساؤلين: كيف يرى الأتراك سينمائيًا صورة اللاجئ السوري؟ وكيف يرى الأتراك أنفسهم ومجتمعهم في تعاملهم مع هذا اللاجئ؟

في الجواب عن السؤال الثاني تتنوع ردة فعل الشخصيات التركية على حال اللاجئ السوري في إسطنبول، فالسيناريو يظهر تنوعًا في ردات فعل الشخصيات، هناك المتسغلون من المتحرشين الجنسيين، إلى المؤجر القاسي الساعي للربح، إلى الأتراك الذين يتهمون كل لاجئ أو لاجئة بالسرقة. وهناك -أيضًا بالمقابل- الجانب الآخر من ردات الفعل: الجيران الأتراك الذين يقدمون طعامًا وألبسة للعائلات السورية، مديرة عاملات المصنع المتعاطفة مع مريم، ومواطنة تركية أخرى من سكان إسطنبول، تساعد فتاة الشارع لينا التي تراها تحت الأمطار وعلى مشارف المرض، فتحملها إلى المستشفى.

أما في الجواب عن السؤال الأول: كيف يرى السينمائي التركي أو كيف تجسد السينما التركية المهاجر السوري، فإننا نبدأ عن الرؤية التركية السينمائية للحدث السياسي في سورية، حيث طائرات تقصف الأحياء في حلب، يهرب الناس من الموت والقصف، يحاولون الدخول للاحتماء في الأراضي التركية.

أما الجانب المتعلق بالصورة الثقافية للاجئ حسب الرؤية السينمائية التركية، فهو يتطلب منا تحليل الشخصيات والممارسات الاجتماعية التي يظهرها الفيلم والمتعلقة باللاجئين السوريين. بما أن سيناريو الفيلم مكتوب، وهو ليس فيلمًا وثائقيًا، فإن رؤية تركية بحتة هي التي قدمت اللاجئين السورين تخيلييًا. صحيح أن شخصية صبا مبارك مكتوبة بطريقة البطلة المنقذة التي رفضت أن تتخلى، وربطت مصيرها بمصير طفلة عائلة جيرانها طيلة رحلة العذاب تلك. إلا أن أداء الممثلة بدا باهتًا وخاليًا من أي تميز في تقديم المشاهد وتجسيد الانفعالات، وكأن الممثلة وجدت نفسها في موقع تصوير يعج بالتقنيين والسينمائيين الأتراك، الذين لا يتحدثون ولا يفهون اللغة التي عليها أداء الشخصية بها. بدت الممثلة صبا مبارك راغبة في أن تضيف إلى انفعالات الشخصية أكثر مما هو مكتوب في نص السيناريو، إلا أن الفريق التقني من حولها وخيارات المخرج أعادت كامل الانفعالات إلى السيناريو، فلم يكن هناك مساحة للإبداع أو لتقدّم الممثلة العربية العارفة أكثر بالحوارات السورية بأن تضيف ما يجعل الدور أكثر عمقًا، مما هو مكتوب، وأنسب للغة التعبير السينمائية. بدت الشخصية وكأنها فقط ترسم مسار القصة، بينما تغيب أي انفعالات ومشاعر لماحة تضيف إلى الشخصية المكتوبة.

يصرح القائمون على الفيلم: (باستثناء صبا، ففريق التمثيل في الفيلم لاجئون سوريون حقيقيون ويمثلون للمرة الأولى)، هذا الاتباع للمسار الذي اقترحته الموجة الفرنسية الجديدة والموجة الإيطالية الواقعية في السينما المتمثلة في التعامل مع ممثلين غير محترفين، لكن لماذا لا يحترم المخرج خياره هذا حتى النهاية، ونتساءل لماذا يختار أن تؤدي ممثلة أردنية دور شخصية من مدينة حلب؟ هو السؤال نفسه عن الفيلم الأخير لنادين لبكي كفرناحوم، حيث اختارت المخرجة فتًى سوريًا ليؤدي دور شخصية فتًى لبناني؟ إن هذا ليس مشجوبًا أو محرمًا، لكنه لا يتناسب والخيارات الفنية لكلا الفيلمين، بالتزام التصاق الشخصيات بالحدث المجسد في موضوعة الفيلم.

ما تقدمه التجربة السينمائية في فيلم (المسافر: حلب– إسطنبول) هو مساهمة مخرجين غير سوريين في التعبير، وبالتالي في رسم الحكاية السورية. أي أنه أضيفت للسينما مساهمة مخرج تركي في رسم صورة اللاجئ السوري، وبالتالي المشاركة في توثيق حكاية الحدث السوري اليوم. وهذا ما يسمح لنا بالجزم بأننا سنرى مساهمات من مخرجين من مناطق أخرى في العالم، وخصوصًا في دول يحضر فيها اللجوء السوري، حيث إن مخرجي تلك الدول سيتناولون القضية السورية كموضوعة، ويشاركون في رسم وعي السوري لنفسه، عبر السينما. ربما سنشهد فيلمًا أردنيًا، لبنانيًا، ألمانيًا، على هذا المستوى من الانخراط في تقديم قضية اللاجئ السوري سينمائيًا.

في إحدى لقطات الفيلم، وتظهر كذلك في التريلر، لقطة بانورامية لمدينة حلب في أبنية تحت القصف وأحياء مدمرة، بعد ثوان تميز عين المشاهد أن اللقطة مصنعة سينمائيًا، تقنيات بصرية أو ماكيت كرتوني ضخم يمثل المدينة. يُكتشف ذلك لأن حساسية العين في تصوير الحدث السوري عالية، فلا مشهد سينمائيًا مصنعًا حتى الآن يضاهي واقع صور الدمار في الإعلام والصحافة التي قدمت من المدن السورية، التي تعرضت للقصف، ومنها حلب. امتداد الصور الأصلية، حجم الدمار وآثاره في الوثيقة الإعلامية، الأحياء التي كانت مسكونة وهي الآن أمام العدسة الواقعية مدمرة متآكلة. لا شيء يفوق قوة تأثيرها في المتلقي، ودقتها البصرية. من هذه اللقطة البصرية في فيلم (المسافر حلب-إسطنبول) التي تحاول تقديم تجسيد تخييلي لأحياء مدمرة من حلب، يأتي التساؤل: ما الذي بإمكان أفلام التخييل، سواء على المستوى البصري أو على المستوى النصي، أن تضيفه في طرائق سرد الحدث السوري؟

* تريلر الفيلم:

https://www.youtube.com/watch?v=_4JGbD4cQpg

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق