تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

انسحاب المحتل الأميركي.. ماذا عن البقية؟

موسكو وطهران مع نظام الأسد، يعبّرون عن فرحة عارمة لقرار واشنطن سحب قواتها من سورية، على اعتبار أن الاحتلال الأميركي في سورية يختلف عن بقية الاحتلالات التي ساعدت الأسد في إعادة سيطرته على سورية، وقد سهّل لبعضها إقامة طويلة الأمد مع امتيازات اقتصادية وعسكرية.

قرار ترامب سحب قواته من سورية يعطي موسكو وحلفها طريقةَ الخروج بإعلان “الانتصار”، مع أن ترامب نفسه يتحدث عن إنجاز مهمة محاربة (داعش) التي كانت سببًا في الاحتلال، حسب الإعلان غير البعيد عن تواجد الاحتلالات المختلفة، بما فيها إعلان النظام نفسه الحرب على السوريين بذرائع قوى الاحتلال المختلفة نفسها.

إذا تركنا البيت السوري، المتهدم والمتهالك بفعل هذا الاحتلال متعدد الجنسيات؛ فسنجد أن المهمة الأساسية كانت وما تزال هي محاربة الشعب السوري، بعد تسليمهم بهزيمة الثورة ومحاربتها، فلم يكن حَبك المكائد فقط عمل المحتلين. كل شيء مكشوف وواضح، منذ البداية لم تطأ قدم محتل أجنبي الأرض السورية إلا كانت عونًا للأسد في محاربته الشعب السوري، المصلحة المشتركة للجميع أن يُهزم السوريون في مطالبهم، وأن تُهزم أحلامهم في الحرية والكرامة والمواطنة.

التعويل على قوى الاحتلال لم يكن خيار السوريين المنتفضين والثائرين، إذ كانت خيارات النظام متاحة في حيّز واسع، مع أن بعض قوى المعارضة سقط في حبل المكائد، لكنها كانت مكشوفة، وكان خذلانها كبيرًا يدفع ثمنَه السوريون حتى هذه الساعة، ذكرنا فيما مضى أن قوى الاحتلال المختلفة على الأرض السورية لم تكن عونًا للسوريين ضد الطاغية، بل كانت عونًا للطاغية ضدهم، ولم تتوحد قوة المحتل كما توحدت في سورية لإسناد الأسد، والدليل على ذلك أنّ كل القذائف التي انهمرت فوق رؤوس السوريين كان مصدرها مخزن النظام والقوى المحتلة التي لم توجه طلقة واحدة لرأس النظام.

بعد التصريح الأميركي بسحب القوات، ارتفعت نبرة موسكو لتضخيم غنيمة الانسحاب، علّها تفتح “جسر السلام في سورية” دون أن تنظر إلى نفسها كقوة محتلة ساهمت في إحداث دمار هائل، وساندت الأسد في ارتكاب فظاعات، وعطلت كثيرًا من القرارات الدولية التي كان بإمكانها حقن الدم السوري، ووضع حد لهوس الطاغية. المحتل الإيراني ليس أفضل حالًا من الروسي والأميركي والإسرائيلي والفرنسي والبريطاني، ومختلف أجهزة المخابرات الدولية والإقليمية.

مأساة الشعب السوري تكمن في نظام مهزوم محمي من قوى الاحتلال التي حاولت تبديد حقوق السوريين، من خلال تحويل هذه الحقوق إلى خطر يهدد وظيفة الأسد. مصلحة الشعب السوري أكبر بكثير من ادعاءات النظام وموسكو وكل حلف الممانعة المحتفي بـ “هزيمة” أميركا، مصلحته هي رحيل الاحتلال من سورية الذي ستكون أولى نتائجه الانهيار السريع للنظام. وقد قال السوريون ملايين المرات، إنهم لا يحاربون نظام الأسد بل المؤامرة الكونية التي تحدث عنها إعلام الأسد واستحضرها لتكون عونه عليهم.

لن يأسف السوريون على رحيل أميركا عن ديارهم، وسيفرحون عندما ترحل قوى الاحتلال التي كبحت وعرقلت مسيرتهم، وما يظنه بعض الواهمين من أن انسحاب أميركا من سورية سيضعف حق السوريين، هو مثل رهان النظام الممسك بتلابيب احتلالات أخرى جلّ ما فعلته أنها أكثرت من شحناته الإجرامية، وأبقَت صورته البائسة بالحديث عن “السيادة والانتصار”، ومثلما استعملت قوى الاحتلال المختلفة النظامَ لتنفيذ وظائف محددة، منها تدمير مقدرات السوريين ومحاربة طموحاتهم، كان لأميركا هدف مماثل علّق عليه الجنرال السابق مارك كينيث بالقول: “إن حلفاء واشنطن في سورية”، ويقصد بعض القوى المدعومة منها بالسلاح والمال في الشمال، “لا تدرك عمق علاقة واشنطن بحليفها التركي”، وهو يشير إلى بدء عملية عسكرية بالشمال تتفهمها واشنطن.

ثمة انعطافة ملموسة وضرورية، في نمط نضال السوريين وقوى المعارضة، إذا أريد لهذا النضال أن يكون مستجيبًا لمتطلبات المرحلة الجديدة، وأن لا يكون نسخة مكررة عن تجارب السنوات الماضية، ونحن على أبواب عام جديد، التعويل على غير السوريين كارثة، وانسحاب أميركا لا يعني انتصار النظام ولا هزيمته، فإذا انسحبت أميركا، فإن موسكو وطهران وتل أبيب يكملون “وظيفة” دعم النظام.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق