مقالات الرأي

بين عالميْن

قبل أسابيع، أثار إعلام النظام الكيمياوي في سورية، على عادته في الصفاقة وفي الاستغباء، سخرية العالم، حين تحدث عن “العنف” الذي واجهت به الشرطة الفرنسية تظاهرات وتجمعات السترات الصفراء. لم يكن وحده الذي تميز بذلك في العالم العربي. فإعلام عدد من النظم الاستبدادية التي تسوق مواطنيها إلى السجن بلا محاكمة، أو تقتلهم أثناء التعذيب، أو تقوم باغتيالهم، لمجرد ممارستهم حق التعبير بتغريدات على وسائل التواصل الاجتماعي، أو بمقالات يعبّرون فيها عن رأيهم حول ما يجري في بلادهم، وتعجز عن النظر إلى انعكاس أفعالها -التي ترتقي إلى جرائم حرب- على وجوهها في المرآة، سار في الدرب نفسه، ما دامت النظم التي يعمل تحت إمرتها قادرة على أن ترى في ما يقوله الآخرون أفعالًا تتيح لها توجيه التهم الرخيصة والكاذبة لهم، وتسمح لإعلامها بممارسة حرية المبالغة والتشويه، في الوقت الذي ترفض فيه أن ترى سوأتها التي يراها الجميع. هكذا، لا يستطيع المواطن العربي، بدءًا من السوري، إلا أن يقارن، بمرارة، بين عالمَيْن يتواجدان في زمن واحد، وفي قرية واحدة صارتها الكرة الأرضية!

تظاهرات السترات الصفراء العفوية التي انطلقت تعلن مطلبًا بسيطًا: إلغاء قرار رفع أسعار الوقود الذي كان مقررًا تطبيقه اعتبارًا من أول العام الجديد، تحوّلت خلال أسابيع ثلاثة إلى حركة عمَّت فرنسا كلها، واكتسبت دعمًا شعبيًا منقطع النظير، منذ بداياتها، أرغم الرئيس والحكومة على إعادة النظر في قراراتهما، وعلى اتخاذ قرارات لم تكن على جدول أعمالهما، بلغت كلفتها الأولية ما لا يقل عن 12 مليار يورو. صحيح أن ما قامت به جماعات المشاغبين من اختراق لتظاهراتها، وارتداء بعض أفرادها السترات الصفراء، ومن تكسير واجهات المتاجر ونهبها، وقلب السيارات الخاصة للمواطنين وحرقها، وممارسة العنف الحقيقي ضد كل من يحاول من المتظاهرين السلميين مواجهتها، أدى، في نهاية الأمر، إلى انحسار الدعم الشعبي للتظاهرات، إلا أن هذا الدعم بقي على حاله بالنسبة إلى المطالب التي كان سقفها يرتفع يومًا بعد آخر. لم تعد التظاهرات تنادي بضرورة رفع الحد الأدنى للأجور أو تخفيف الضرائب عن الغالبية العظمى من الطبقات الفقيرة والوسطى، أو إلغاء زيادة الرسوم المقررة على رواتب المتقاعدين فحسب، بل انتقلت في قفزة نوعية، ذات طابع سياسي هذه المرة، إلى المطالبة بتطبيق  نظام يسمح للشعب التدخل مباشرة في الحياة السياسية عن طريق استفتاءات يمكن بها إلغاء هذا المرسوم أو ذلك القانون، من خلال ما أطلق عليه استفتاء مبادرة المواطنة، تستجيب الحكومة له بناء على عريضة يوقعها سبعمئة ألف مواطن، على غرار النظام المعمول به في سويسرا خصوصًا. أي، بعبارة أخرى، كسر ديمقراطية التمثيل عبر المؤسسات المختلفة التي تعرفها فرنسا ودول الاتحاد الأوروبي والانتقال، بصورة أو بأخرى، إلى الديمقراطية المباشرة التي تمارس عبر الاستفتاءات، وتؤدي إلى إقالة أي مسؤول منتخب أو معيّن، بما في ذلك رئيس الجمهورية في حال عدم تطبيقه البرنامج الذي انتخب بناء عليه.

حملت هذه الحركة الشعبية الواسعة، لا على استنفار أجهزة الإعلام المختلفة التي شرعت بإجراء نقاشات واسعة حول مطالب الحركة وإمكانات الاستجابة لها فحسب، بل كذلك على استنفار كافة أجهزة الدولة، بدءًا برئاسة الجمهورية، من أجل دراسة طرق العمل لتحقيق هذه المطالب، ومن ثم على دعوة كافة القوى الحزبية والنقابية وممثلي السترات الصفراء في مختلف مدن فرنسا ومناطقها، للإسهام في مناقشة كل ما يطال الأمور التي تمس حاضر فرنسا ومستقبلها على صعيد البيئة والسياسة والاقتصاد، بما في ذلك المطلب الذي بات رئيسًا لدى السترات الصفراء، أي استفتاء مبادرة المواطنة.

يحمل ما جرى في سورية أيضًا، قبل ما يقارب اليوم من ثمانية سنوات، على القيام بمقارنة طفيفة مع ما يجري في فرنسا منذ نيف وشهر. فما يمكن أن نسميه اليوم “الحدث السوري” بدأ بتظاهرات سلمية تطالب بالحرية وبالكرامة. لكن قوات الأمن الأسدية لم تواجه المتظاهرين بخراطيم المياه، أو بالغازات المسيلة للدموع، كما فعلت الشرطة الفرنسية، خصوصًا عند قيام أي من المتظاهرين بمخالفة قانون التظاهر، بل اختارت ما كانت تراه أكثر فاعلية ونجوعًا: بدءًا بالرصاص الحي وانتقالًا إلى القصف بالمدافع، وصولًا إلى تدمير المدن والقرى بالبراميل. لم تقم قوات الأمن السورية بإحالة المتظاهرين إلى القضاء، بسبب أفعال عنف أو ارتكاب مخالفات للقانون العام، كما فعلت الشرطة الفرنسية مع المشاغبين واللصوص الذين اخترقوا تظاهرات السترات الصفراء حصرًا، بل قامت باعتقال المتظاهرين ومارست تعذيبهم الذي كان ينتهي إلى القتل غالبًا. أما مؤتمرات “الحوار” الصورية التي دعا إليها نظام الاستبداد الأسدي، فلم تكن تستهدف سوى ذرَّ الرماد في العيون، بينما كانت قواته الأمنية تمارس مهامها في القمع بلا رحمة.

سوى أن فرنسا بلد ديمقراطي -كما يتجاهل نقادها في النظم الاستبدادية العربية- لا يستطيع فيه الحاكم أيًّا كان -حتى لو كان جنرالًا- أن يفعل ما يشاء كيف يشاء. وليس بوسعه إلا أن يعمل ضمن حدود القوانين. لهذا، كان أصحاب السترات الصفراء يمارسون حقهم الكامل في الاحتجاج وفي الاعتراض على القرارات الحكومية. ولم يكن ارتفاع سقف مطالبهم إلى ما وصل إليه خلال أسابيع قليلة إلا نتيجة تراكم ما تواجهه الديمقراطية التمثيلية نفسها من مشكلات، تجلت في تضاؤل نسبة الإقبال على الاقتراع في الانتخابات الرئاسية والنيابية. كما لو أن الديمقراطية التمثيلية، على تفاوت طرق ممارستها بين بلد أوروبي وآخر، قد بلغت حدودها القصوى، فبات ضروريًّا إعادة النظر في بعض مفاصلها الأساس. ولا شك أن اللبرلة المفرطة للاقتصاد خلال الأربعين عامًا الماضية قد لعبت دورًا، لا في محو الحدود على هذا الصعيد بين اليمين واليسار التقليديين فحسب، بل للحدّ من دور النقابات الذي كان شديد الفعالية على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي. أدى ذلك كله إلى تراجع متواصل في مستوى معيشة الطبقات الوسطى، وإلى الحدِّ من فوائد الضمان الاجتماعي والصحي، مثلما أتاح، في الوقت نفسه، لليمين المتطرف أن يستغل هذا القصور من خلال شعارات شعبوية تمكن بفعلها من الوصول إلى السلطة في ثماني دول أوروبية. وكانت النتيجة في فرنسا نمو التيارين الشعبويين: اليمين المتطرف واليسار المتطرف، على حساب اليمين واليسار التقليديين اللذين ما زالا يعيشان انهيارًا غير مسبوق خلال السنوات الأربعين الأخيرة.

بين عالمَيْن إذن: عالم بلاد يقمع فيها حكامُها شعوبَها ويحرمون عليها الحرية قولًا وفعلًا، وعالم تسعى فيه شعوبٌ مجاورةٌ ترغم فيه حكامَها على الاستجابة إلى ما تطالب به: تعميق الديمقراطية التي تعيش مع ذلك في ظلها والتي يسَعها، بفضلها، أن تفعل ذلك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق