اقتصادسلايدر

هل تكون العقوبات الاقتصادية الأميركية الجديدة على إيران “القشة” التي تقصم ظهر “الملالي”؟

فاعلية العقوبات

تثير العقوبات الاقتصادية الأميركية الجديدة المُشدّدة تساؤلات عديدة، وتطرح تحليلات متنوعة ومختلفة حول الآثار والنتائج التي ستترتب عليها. بشكل عام، تدل التجارب على أن العقوبات، كما الأزمات، الاقتصادية لا تستطيع تغيير الأنظمة الشمولية، ولا حتى تغيير سلوكها وسياساتها. من أشهر الأمثلة: نظام صدام حسين في العراق، والأسد في سورية، والقذافي في ليبيا. وللنظام الإيراني، بشكل خاص، تاريخ طويل مع العقوبات. ويحق لوزير الخارجية محمد جواد ظريف بأن يتباهى ويقول إن بلاده “بارعة في فنّ التهرّب من العقوبات”. أربعون عامًا من العقوبات السابقة لم تجبر النظام الإيراني على تغيير سياساته واستراتيجياته، سواء ما تعلق منها بمشاريع هيمنته الإقليمية، أم ببرامج تسلحه، أم دعمه للإرهاب على صعيد عالمي، أم استبداده الداخلي وخرقه الفظ لحقوق الإنسان. إنما استطاع أن ينتزع من إدارة أوباما الأميركية رفع العقوبات مقابل تأجيل إمكانية تصنيع أسلحة نووية مدة زمنية تراوح من 10 إلى 15 سنة، بما عُرف بـ “الاتفاق النووي” عام 2015، الذي لم يتضمن أي تعهد بتغيير نشاطاته الإقليمية المُزعزعة للاستقرار، أو التزامه بوقف دعمه للإرهاب، أو تحسين حقوق الإنسان في الداخل الإيراني. نفّذ ترامب وعيده وانسحب من “الاتفاق النووي”، وفرض عقوبات اقتصادية على مختلف القطاعات الاقتصادية والمالية والصناعية، وعلى رأسها قطاع النفط، وشملت 700 فرد وكيان إيراني. فهل تفشل العقوبات الجديدة في إحداث التغييرات المنشودة في إيران كما فشلت العقوبات القديمة؟ أم أن شدّة العقوبات وقسوتها مع تفاعلات الأزمة المُركّبة، في الاقتصاد والاجتماع والثقافة والسياسة، التي تعصف بنظام الملالي ستؤدي إلى نتائج مختلفة.

الأزمة الاقتصادية

يعاني الاقتصاد الإيراني أزمة بنيوية مزمنة قبل العقوبات ومن دونها. وتطبيق العقوبات الجديدة سيؤثر تأثيرًا سلبيًا كبيرًا في المتغيرات والمؤشرات الاقتصادية. سلفًا انهارت العملة الإيرانية، ارتفع سعر الدولار من 43 ألف ريال مطلع عام 2018، إلى أرقام قياسية وصل إلى 180 ألف ريال، ثم عاد وانخفض ليراوح ما بين 140 و149 ألف ريال. بلغ التضخم مستويات عالية جدًا، قابلة للزيادة. وسيصبح النمو الاقتصادي سالبًا. لكن مشكلة إيران الاقتصادية العميقة والخطيرة لا تتوقف عند ضعف المتغيرات والمؤشرات الاقتصادية على أهميتها. المشكلة الكبرى في إيران تكمن في أن اقتصادها يعاني خللًا بنيويًا عميقًا. إيران بلد غني بموارده الطبيعية والاقتصادية والبشرية والثقافية. لكن الثروات الإيرانية ترزح تحت ثقل اقتصاد ريعي، يُدار بإدارة بيروقراطية مركزية ينخرها الفساد، ويواجه منافسة غير متكافئة مع اقتصاد الحرس الثوري، ويتحمل تمويل برامج تسلح نووي وصاروخي، وينفق على المشروع الإمبراطوري الإقليمي ونشاطاته الداعمة للإرهاب، ثم تأتي نتائج العقوبات المستقبلية.

الأزمة الاجتماعية

الأزمة الاقتصادية تُولّد أزمة اجتماعية، حيث إن توقف إنتاج مئات الشركات يؤدي إلى تسريح آلاف العمال ويفاقم أزمة البطالة، كما أن انهيار العملة والتضخم والغلاء يزيد الفقر. يُقدّر خبراء إيرانيون نسبة البطالة بنحو 25 بالمئة بالمتوسط للمجتمع كله، وبنحو 50 بالمئة في بعض المناطق الريفية الفقيرة، في بلد يقع ثلثا سكانه تقريبًا تحت سن ثلاثين عامًا، نحو ثلث الرجال ونصف النساء دون عمر الثلاثين الحاصلين على شهادات جامعية عاطلون عن العمل. ونحو 44 بالمئة من العاطلين عن العمل في إيران يحملون شهادات جامعية. علاوةً على ذلك، تفيد وزارة التعليم بأنّ 20 ألف شخص يبدؤون برامج تحصيل الدكتوراه كلّ عام، ولا تتوفّر الوظائف إلا لنحو 4 أو 5 آلاف منهم. نحو 40 بالمئة من السكان يعيشون تحت خط الفقر النسبي، و32 بالمئة منهم تحت خط الفقر المطلق، و 6 بالمئة تحت “خط المجاعة”، أي أن حوالي 5 ملايين من الإيرانيين يواجهون المجاعة، دخلهم لا يغطي تكلفة الطعام اليومي الذي يحتاجون إليه، ناهيك عن تكلفة السكن والملبس والنقل.

الأزمة القومية والمذهبية

تزداد الأزمة القومية والمذهبية في إيران حدة ووضوحًا، حيث تنتمي السلطات الحاكمة إلى القومية الفارسية والمذهب الشيعي الإمامي الاثني عشري. ويمارس النظام سياسة تمييزية تجاه القوميات والمذاهب الأخرى، مما يُولّد مشاعر الاضطهاد المختلط عند الأقليات القومية والمذهبية. لا إحصاءات رسمية لتوزع السكان حسب انتمائهم القومي ومذاهبهم الدينية، وحسب إحصاءات قديمة، يُقدّر التوزع السكاني حسب القوميات بنحو: الفرس 63 بالمئة، الأتراك (الأذريين والتركمان) 20 بالمئة، العرب 8 بالمئة، الأكراد 6 بالمئة، البلوش 2 بالمئة، جماعات أخرى 2 بالمئة. وتقديرات أوساط مقربة من النظام تزعم أن الغالبية العظمى من الإيرانيين تنتمي إلى المذهب الشيعي الاثني عشري، بما يعادل 90 بالمئة، أما المسلمون السنة فتعدادهم يعادل 8 بالمئة، أما نسبة 2 بالمئة المتبقية فهم ينتمون إلى المسيحية أو اليهودية أو البهائية أو الزرادشتية. لكن مصادر مستقلة تُقّدر السنة بنسبة من 15 إلى 20 بالمئة من سكان إيران. بينما تعطي المعارضة السنية رقمًا مبالغًا به يصل إلى 30 بالمئة.  يُقدّر معدل النمو السكاني للسنة بنحو 4 بالمئة، بينما معدل الشيعة 1.7 بالمئة فقط. بسبب تعدد الزوجات وكثرة الإنجاب عند السنة. يتخوف الشيعة من أن يصبح السنة أكثرية بعد عشرين سنة. يتوزع السنة على أطراف إيران المُفقَرة، بعيدًا عن المركز الذي تشيّع إبان الحكم الصفوي، وتُولّد مظلومية الأقليات القومية والمذهبية حركات سياسية سرية معارضة، يمارس بعضها العمل المسلح كما في كردستان إيران، حيث يحتفظ الكرد في ذاكرتهم بذكرى “جمهورية مهاباد”. وكذلك الأمر بالنسبة إلى البلوش والعرب، وهناك بعض الحركات الإسلامية المُتشدّدة، مثل “أنصار الفرقان” السنّية. هذه الأوضاع قابلة للانفجار في لحظة ضعف قبضة السلطة المركزية.

الأزمة الثقافية والأيديولوجية

بعد أربعين عامًا من حكم الملالي؛ تتآكل أيديولوجية “الولي الفقيه”، وتضعف ثقافة “الجهاد” ضد الشيطان الأميركي وضد “الكفرة”، وتنمو ثقافة “نداء الحياة” على حساب ثقافة “الموت” الاستشهادية، وبشكل خاص لدى الأجيال التي نشأت وترعرعت تحت حكم الملالي من الشباب والنساء، وهم أكثرية السكان. هؤلاء غير معنين بسوء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية والحريات والحقوق تحت سلطة الشاه. ينحصر اهتمامهم بحياتهم الحالية. وتلمس معاناتهم وليس معاناة أجدادهم. والتفكير بمشكلاتهم وفرص إيجاد حلول لها، ورؤية آفاق حقيقية لغد أفضل. لم يعد “الوهم الأيديولوجي” يكفي لتحمل الفقر والبطالة وسوء الخدمات الصحية والتعليمية، والصبر على القمع وغياب الحريات، وانعدام المشاركة في مناقشة مستقبلهم والمساهمة في صنع القرار المتعلق بمصايرهم. تشهد الجامعات مئات التجمّعات والاعتصامات احتجاجًا على تدابير قمعية استهدفت عمالًا ومدرّسين وطلابًا، بعدما طالبوا بـ “احترام حقوقهم”، وتحدث اعتصامات واحتجاجات نسائية تطالب بالحق في السفور، أو بالحجاب الاختياري.

الأزمة السياسية

تفاعل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والقومية والمذهبية والثقافية أوصل إيران إلى أزمة سياسية مزدوجة، أزمة بين الحاكمين والمحكومين من جهة أولى، وأزمة داخل السلطات الحاكمة من جهة ثانية. أغلبية القاعدة الاجتماعية العريضة ترفض الاستمرار في نمط معيشتهم الحالية المُزرية، والنخب السلطوية مختلفة في ما بينها، حول أساليب وأدوات الدفاع عن النظام وامتصاص النقمة الشعبية، وتدخل مراكز القوى في صراعات حول أفضل الاستراتيجيات والتكتيكات وبدائلها المختلفة، لمواجهة الأخطار الخارجية، وتتداخل هذه الاختلافات والخلافات بالتنافس والتزاحم على المصالح والامتيازات.

شهدت عشرات المدن، في معظم محافظات إيران، احتجاجات وتظاهرات واعتصامات وإضرابات في نهاية عام 2017 وبداية عام 2018، وتجددت منذ خريف 2018 احتجاجًا على الأوضاع الاقتصادية المتردية. طالت الهتافات كبار رموز الدولة وأُحرقت صور المرشد علي خامنئي، وارتفعت شعارات ملخصها أن الإيرانيين يريدون التمتع بخيرات بلادهم، ويرفضون إنفاقها في غزة ولبنان وسورية، وانتهت برفع شعارات تطالب بإسقاط النظام، ويشارك في الاحتجاجات المتنوعة سائقو الشاحنات وأساتذة المدارس وعمال المنشآت النفطية والصناعات الكيمياوية وصناعة السكر، ومزارعون ومتقاعدون وتجار. وبعد أسابيع من إضراب عمال شركة فولاذ الأهواز، خرجوا إلى الشوارع مرتدين أكفانًا، دلالة على سوء أحوالهم، سواء على المستوى المادي أو على المستوى النفسي. إضافة إلى ذلك وقّعت عشرة أحزاب وجماعات سياسية إيرانية، قبل نهاية تشرين الثاني 2018، مذكرة تفاهم “تدعو إلى تشكيل تحالف أوسع” يعمل على “إسقاط النظام”. وإقامة “نظام ديمقراطي برلماني قائم على الفصل بين الدين والدولة”، والاعتراف بـ “الهوية والحقوق الوطنية – الديمقراطية” للجماعات والأقليات الدينية واللغوية في إيران، وإقامة نظام فدرالي وضمان حرية الرأي والدين والمذهب. وتنتمي الأحزاب الموقعة على هذا البيان إلى شعوب وقوميات إيرانية مختلفة، مثل “التضامن الديمقراطي الأهوازي” الذي يمثل العرب الأهوازيين، وأحزاب بلوشية وكردية وأذربيجانية. ومنظمة فدائيي الشعب، والمجلس المؤقت لليسار الاشتراكي في إيران، وحركة دعاة الجمهورية الديمقراطيين والعلمانيين في إيران.

ليس جديدًا صراع مراكز القوى داخل نظام الملالي، حيث إن جمرة الثورة الخضراء عام 2009 ما تزال تحت رمادها، وتعنت المرشد خامنئي وإصراره على إبقاء مير حسين موسوي ومهدي كروبي قيد الإقامة الجبرية تدلّ على مخاوفه أولًا، ورسالة تهديد ووعيد لمن تسول له نفسه من أمثالهم بالخروج عن طاعة “الولي الفقيه. وتأتي الخلافات حول أساليب وأدوات مواجهة العقوبات الجديدة، لتعزز الصراعات وتصعد النزاعات داخل النخب الحاكمة لتصبح بمثابة معركة تصفية حسابات داخلية بين أجنحتها المختلفة. مثالًا لا حصرًا، لإرضاء أوروبا وتسهيل مواقفها الرافضة للعقوبات الأميركية، انتقد وزير الخارجية جواد ظريف علانية الأطراف الرافضة توقيع بلاده على اتفاقية (FATF) المعنية بمكافحة تمويل الإرهاب ومكافحة غسل الأموال، متهمًا الجهات الرافضة بأنها رفضت التوقيع من أجل ضمان مصالح اقتصادية لأفراد داخل النظام؛ ما أثار غضب أجنحة التيار المحافظ التي بررت رفضها التوقيع على الاتفاقية بذريعة حماية نفوذ إيران في الخارج. رد عليه رئيس السلطة القضائية الشيخ صادق لاريجاني ردًا قاسيًا، وشبهه بـ “خنجر في قلب النظام”.

خاتمة

لن تؤدي العقوبات الأميركية إلى انهيار النظام بالضربة القاضية، لكنها ستضعفه. وصراع مراكز القوى الحاكمة لن يصل إلى مرحلة “كسر العظم”، لإدراكهم أنهم يركبون في قارب واحد، وغرقه سيُغرق الجميع. وما يزال النظام مُعتدًا بنفسه، حسب ما قال الوزير ظريف في منتدى الدوحة: “واضح أننا نواجه ضغوطًا نتيجة العقوبات الأميركية. لكن هل سيؤدي ذلك إلى تغيير في سياستنا؟ أؤكد لكم أن هذا الأمر لن يحدث. إذا كان هناك فنّ يبرع فيه الإيرانيون، ويمكننا أن نعلّمه للآخرين مقابل ثمن، فإنه بالتأكيد فنّ التهرب من العقوبات. يمكننا أن نحيا 40 سنة أخرى خاضعين لعقوبات”. لكن ما فات الوزير الظريف هو أن السنوات الأربعين الفائتة تختلف عن السنوات الآتية اختلافًا جذريًا ونوعيًا. وعليه أن يتذكر نظرية “فساد عصبية الدولة”، و”أطوار الدولة من النشأة إلى السقوط”. و”دولة” معالي الوزير بدأت الهبوط على السفح الثاني، ويمكنها التباطؤ في السقوط وليس وقفه. مع استمرار تصاعد الاحتجاجات الشعبية، نتيجة تفاقم المعاناة في ظل الأزمات المُركّبة، بالترافق مع إضعاف قبضة النظام المركزية. ربما تكون العقوبات “القشة التي تقصم ظهر البعير”، حسب المثل الشهير.

Tags

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Close