مقالات الرأي

سورية تدخل التيه فهل يُخرجها مشروع الدستور

رغم استعادة النظام السوري السيطرة على مناطق واسعة من يد قوات المعارضة السورية، بفضل الدعمين الروسي والإيراني، فإن الحديث عن عودة “جمهورية الأسد” إلى ما قبل عام 2011 أمرٌ مستبعد، بل يكاد يكون مستحيلًا، فقد تحطم الصنم بخروج السوريين للشوارع مطالبين بإسقاط نظام الاستبداد.

هذا لا يعني بالضرورة نجاح الثورة السورية، فثمة عوامل داخلية وإقليمية ودولية -ليس الآن موطن ذكرها- عمِلت على إفشال الثورة السورية، باعتبارها ثورة شعب ضد جمهورية الأسد الاستبدادية.

لا يخفى على المتابع للشأن السوري خلال السنوات المنصرمة مقدار التدخل الإقليمي والدولي في الشأن السوري، تدخل حوّلَ ثورة السوريين من قضية وطنية إلى ساحة لتصفية الحسابات وتحقيق المكاسب، ناهيك عن استثمار حالة الفوضى للتخلص من التطرف الذي غُذي ودُعِمَ على حساب القوى الوطنية الحرة.

أدى هذا الصراع الإقليمي والدولي إلى ضياع السوريين، ودخولهم في تيهٍ لا يعرفون كيف ومتى يخرجون منه، فكل الخيارات المتاحة الآن مُرّة ومؤلمة ولا تحمل في طياتها خيرًا للسوريين الذين تطلعوا، وما زالوا، لبناء جمهورية ديمقراطية عصرية تختلف عن “جمهورية الأسد” الاستبدادية.

لسنا في وارد زرع اليأس في النفوس، لكننا في الوقت عينه لسنا في وارد بيع أحلام وردية لا صلة لها بالواقع السوري الحالي، فالإرادة السورية نظامًا ومعارضة، سواء أعترفنا أو أنكرنا، باتت رهنًا للقوى الإقليمية والدولية الباحثة عن مصالحها بعيدًا عن القيم والمعايير الأخلاقية وطموحات السوريين.

عودةً لما بدأنا به، فإن بسط النظام سلطته على كامل التراب السوري أمرٌ مستبعد، ما دام الأميركيون يدعمون (قوات سوريا الديمقراطية) “القوات الكردية” شرقًا، وما دام الأتراك يدعمون ما تبقى من معارضة سورية عسكرية شمالًا، ولا سيما أن العلاقات الروسية التركية في تحسن مستمر، ولو فرضنا جدلًا استعادة النظام السيطرة على كامل سورية، فإن ذلك سيُشكل كارثةً على سورية والسوريين، حيث يعني حتمًا موجات هجرة جديدة، ناهيك عن استحالة عودة السوريين المهجرين، واستحالة بناء سورية من جديد، في المدى المنظور على الأقل، فنجاح الأسد في السيطرة على سورية سيحولها إلى سجن كبير، وسيعيد الوضع أسوأ مما كان عليه، من حيث تغول الأجهزة الأمنية، وانتشار الفساد والمحسوبية، والأنكى من ذلك خضوع “جمهورية الأسد” الجديدة للاحتلالين الروسي والإيراني اللذين يتنافسان منذ فترة على تقاسم “الكعكة” السورية، على الرغم من أن الحرب لم تضع أوزارها بعد.

بدلًا من التخلص من الاستبداد الأسدي، أضفنا إليه دمارًا وفقرًا وظلمًا وتشريدًا واحتلالًا، وبقاء الوضع على حاله لا يُغيّر من المعادلة السيئة شيئًا، بل قد يقود لاحقًا إلى سيناريو التقسيم، ولن يحل هذا السيناريو مشكلةً، بل سيخلق مشكلات أكبر من مشكلة استبداد الأسد، إذ سيحوّل سورية إلى دويلات محتلة تأتمر بأوامر المحتلين.

مما يؤسَف له أن السوريين لم يتعلموا بعدُ، أو بالأحرى لا يُسمح لهم العمل وفق ما تعلموه عبر السنوات الماضية، فالنظام يزداد تغولًا وحقدًا، وليس أدل على ذلك من انقلابه على المصالحين رغم الضمانات الروسية، والمعارضة لا تملك من أمرها شيئًا في ظل التجاذبات الإقليمية والدولية التي تعصف بمنطقتنا، وقد سحَب الداعمون دعمهم في منتصف الطريق، والمشروع الكردي يُغرد بعيدًا عن رغبات الغالبية الساحقة من السوريين، موالاةً ومعارضةً، وتبدو المرحلة الحالية في عمر سورية أشبه بمرحلة التيه، إذ لا طريق واضحًا للخلاص، وللأسف فإن المخرَج بيد من أدخلوا السوريين هذا التيه، ومنعوهم من بناء دولة ديمقراطية حداثية، ولعل الاتفاق على اللجنة الدستورية يكون بدايةً للخروج من هذا التيه، في حال اتفقت القوى الدولية على صياغة تُجبر الجميع على انتقال حقيقي يضمن سلامة السوريين جميعًا أمنيًا، ولا يعني ذلك بالضرورة بناء نظام ديمقراطي، وذلك ممكن نظريًا، فالأطراف الإقليمية والدولية في ورطةٍ لا تقلّ عن ورطة السوريين، حيث يستحيل عليهم تحقيق مصالحهم في ظل الوضع الراهن، وفي الوقت عينه لا يريدون أن تتحول سورية إلى ثقب أسود يستنزفهم، فالعقلانية السياسية تتطلب من الجميع مد الجسور، وتقديم التنازلات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق