أدب وفنون

الذئاب وروزنامة عام 1975 وجسدي

أرقبه ويرقبني… منذ أن زحفنا معًا إلى هذا العالم متمسكين بظلنا… الظل الذي ألفَتْه وساوسي وعلقتْ في حلمة أذنه قرطها الأزرق، هو أرعبته الدماء التي تدفقت وأنجبته، منذ ذاك الوقت وهو يطعن أعماقي بحثًا عن قارب.

كبرنا معًا… لدينا العائلة والبيت والإخوة وغرفة واحدة، يلمس السلاحف فوق الوسادة وأضحكُ فوق نوابض السرير، قالوا إن اسمه جسدي، ولأنهُ يكره الأسماء كنتُ قبره.

هل كانت رائحة الخيزران عند الغروب هي من شرّد زفيرنا؟ أم كانت شتائم أبي ومواعيد الاستحمام ظهيرة كل خميس، ورمي قشور الذرة في البئر ثم انتظار المارد؟ أم هي وعورة الوصول إلى النشوة فوق أسطح الشمال الدائخة أكثر منا؟

وعلى عكس حكاية الأطفال مع الدمى، كنا أنا وأنتَ تمثالًا من الوحل يلعبُ العمر بعينيه كي يتسلى… كنت أرجوكَ تحت ضوء القمر أن أكبر بسرعة لأصبح مثل سعاد حسني وهي ترقص للبحارة وتغني، وكنتَ تحاول قصّ حلمتي وزرعها بين شتلات التبغ.

تدعي أن ساقك مبتورة أمام طريقي الطويل، كنتُ أعصب عينيك ليلًا كي أصل إلى رعشتي.

سارت أمنياتنا في اتجاه معاكس، كرهتَ النجوم وأحببتَ أوراق السرخس الصامتة تحت المزراب، وبينما صار لشرودكَ أصدقاء، كنتُ أتدّرب على القراءة والكتابة في روزنامة بيتنا التي يفوق عمرها تجاعيد حقلنا، أدخل إلى أوراقها مع الغبار كل مساء، أحفظ أسماء الشعراء والرحالة والأقوال المأثورة، عشت وحيدةً في عام 1975، عندها سكنت دمي حشرةٌ بيضاء اسمها الحنين.

تنتظرُ الذئاب حافيًا، أن تأتي لإنقاذك عند الفجر، وأحلم بأن أصير راقصةً في سيرك مجنون، يستر راقصوه أجسادهم بأوراق الشجر.

دخلنا المدرسة معًا وتقاسمنا النعال المهترئة والنشيد الوطني وضحكة الرجل ذاته تحت المطر، نفختُ يديكَ في البرد، حتى الأصدقاء الذين لم تحبهم ابتعدت عنهم، حملتكَ وحملتني وحاولنا فتح المظلة معًا ورمي الحصاة في النهر وحبّ طائر أسود، وعندما نزفتُ دمائي الأولى، جلستَ تعبثُ في ستارة نافذتي البيضاء، لتريني ما أحب… القمر.

بدأت الحربُ ومزقنا طائراتنا الورقية في فناء الدار، سمعتُك تئن وترتعش تحت الغطاء ففركتُ حلمتكَ ووعدتكَ بأن أقص شعري وأصنعُ من جدائله سوطًا ومجدافًا وأرجوحة.

وعلى درج المستشفى أخبرني الأطباء بمرض أمي، جلسنا نراقب الحراس وهم يطفئون سجائرهم بأطراف الباب الحديدي، كنتَ تحاولُ هزّ الهواء تحت إبطي، أن تعانقني مثلما أحبُّ العناق، كنتَ أمومتي.

كل مساء أجلس وأقلب روزنامة عام 1975، أرفع ساقيّ على الحائط وأكرر كلمة جدتي: “نحنا مقطوعين من شجرة”، ثم أحدق في سرتي.

بدأتُ عملي في مشغل لتعليب رصاص الصيد، وكانت بحةُ صوتك تلعق عقارب الساعة، فشلتُ مرارًا في عدّ عشرين رصاصة ووضعها في كل علبة.

أردتُ نقودًا كي أشتري سمكةً حمراء ونظارة شمسيّة لأختي، وأردتَ شراعًا وعراكًا في الدغل.

كنا نغير الطريق إلى البيت دومًا، مرةً أكون فيها مزاجكَ فأسلك الدرب الترابية بين شتلات الطماطم، ومرةً أخرى تكون فيها إيقاعي، فنعود إلى البيت كورقة خريف تسقط.

الغزل الذي سمعته أنا وأنت للمرة الأولى في الشارع جعلني أسعل خجلًا، كانت تمطر وكنت ساكنًا تفكر ببركة المياه عندما ينساها المطر.

وذات مساء صيفي رهيف، سألتكَ مطولًا أمام مرآتي، أيّ فستان سيحبه صديقي؟ جلستَ تنبش حبوب قدمي وتخرج الشعرة الملتفة تحت الجلد، ثم تشمها وتحرقها في لهيب الشمعة، نظراتك تلك لم أكن اطمئن إليها، وهناك بدأت حياتنا في الابتعاد.

لقد كبرتَ وصرت صريحًا بما يكفي، كي تفرز ما تشعر به في الهواء، ولكن ماذا أفعل؟ أنا التي تعودتْ أن تسقي الشوك وتودع الوردة! أن تفكر بجدران البيت قبل البيت!

وأمام فشلي في الحب وجنونك فوق ظهري، أخذتكَ إلى السوق الطويل، وفردتُ أمامك الفساتين القصيرة ذات الأكمام الفواحة التي تشتهي، اشتريتُ من أجلك حمّالة صدر دون قفل في الظهر، استبدلتُ من زيت الخزامي بصابون الغار، كوب الشاي في المساء بفنجان قهوة، قلبتُ روزنامة الحائط على قفاها، غيرت أحلامي ونسيتُ أهلي وسعاد حسني وشامة الرجل التي أثارتني.

فعلتُ ما تفعله الأم عندما ترى طفلها يشحب، ما يفعله الجذر عندما تعمر شجرته ويسمع أنين ألمها كل يوم، لكنك بقيت مثلما أنت، تكبر وتكبر وتنساني حتى صرتَ فضفاضًا عليّ، وصارَ بوسعك أن تهبط مني وتعدو وراء ذئابكَ الحمراء.

منذ سنين أعيش بلا جسد، قرأت له أشعار جلال الدين الرومي وسمعت نصيحة آخر دراسة في علم النفس وهي الرقص، رقصتُ حتى ذابت نذور أمي العالقة فوق جلدي، قلدتُ المناديل المغادرة خلف السفن المغادرة ونمتُ في هيئة شبح.

زرعتُ له الورود على الشرفة وأخبرتها عنه، أخذتهُ إلى الجبل ووقفت في فيء سنديانة معمرة، ثم نزعت عنه الثياب وتركته وحيدًا مع نفسه.

منذ أن حلّت العزلة خيوطها في قلبي، يتركني جسدي كل ليلة ولا أذكر متى يعود. حشوته بالموتى، بدبابيس شعري، ملأتُ فراغ تنهداتنا بأظافر وسكاكين ونتف زجاج مكسور، كي يخزه قلبي كلما فكر بالهرب.

نعم، لقد أرغمته على البكاء على أشياء ربما كانت سخيفة، ورحت ألهو مع خيالات صنعت منه عتبة، لكن من أين كان لي أن أقلق وأطرز هذا الإطار الأسود في عيني؟ كيف كنت سأنجو من طفولتي التي قتلتُ فيها غزالًا؟

كان يعلم أنني لم أعرف طعم الحب في حياتي، وكنت أبحث عن جريمة أضعها في فمه كي يصمت، وعن عين أضعها فوق عيني كي أرى الحقيقة كائنًا يأكل ويشرب ويمارس الحب.

أعود تحت المطر وألف كلمة في الظلام تلسعني دون أن يرتعش، وها هو ينتظر نومي كل ليلة ليخرج خلسةً ولا يعود إلا عند الفجر.

هيا انهضي، أيتها اللوحات الباردة، وجوبي المدينة بحثًا عن جسدي، ربما فُتن بامرأة غيري تهوى السفر والضحك والكعوب العالية، أو ربما أغرته نرجسية المحطات؟

سرير ما، هو المسؤول عن هذه المجزرة… من جعل مخاوفي تسير على قدمين.

هيّا، أيتها الكتب الضالة، ساعديني في إيجاد جسدي، في لفظه وقراءته وحفظه. من أين له هذه القسوة، أنا التي رميت نهديه في صفصافة عندما كبرا وغنيت لهما، واشتريت له مرآة من العاج، هل نسي ديوني المتراكمة في عيد ميلاده؟

ماء رعشتي الذي صار طعمه كدموعي من فرط النسيان؟ كم من حكاية أرضعتها حليبي، بعد كل رعشة غادرتني حالمةً بامرأة أخرى؟ ربما رأته جارتي آخر الليل يصعد الدرج ويفتح الباب دوني؟ أو ماذا لو فكر ألا يعود إلى البيت أبدًا، لأمضي بقية عمري قفازًا فوق حبل غسيل؟

حسنًا، لن أنام هذه الليلة، وسأنتظر هذا المجنون المغفل الحالم ريثما يعود، وإن عاد لن أسمع حججه ولن أرنو إلى عينيه، ولن أشمّ رائحته، سأشده من شعره وأرميه فوق السرير ثم أطعن ذئاب رعشته الحمراء حتى تلبسني دموعه وصراخه وقبلته التي يحبها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق