مقالات الرأي

في تنحية النخب المدجنة والهجينة

تشتعل مواقع التواصل الاجتماعي، مع كل موقف أو تصريح مثير داعم لنظام الأسد يصدر من فنان أو كاتب أو شخصية مشهورة، وآخر ما صدر كان تصريح دريد لحام المثير عن “صرماية الوطن”؛ يفتح ذلك الباب كلّ مرة لنقاش جديد، حول فشل النخب السورية أو ما يُطلق عليه “خيانة المثقفين”؛ ومع تكرار الصدمة، مع كل حالة يتجه الرأي العام صوب التعميم.

أُطلقت اتهامات واسعة ضد النُخب، وتم تحميلها مسؤولية مباشرة عن مأسوية الحالة السورية، وفاقمت النخب من أزمتها أيضًا بتراشق الاتهامات وتقاذف المسؤولية بين مكوناتها، وبخاصة بين التيارات الإسلامية والتيارات اليسارية والعلمانية.

بعد عقود من القمع والاستبداد بتسلط البعث ثم نظام الأسد؛ بدأ ظهور نخب سورية تغرد خارج سرب النظام، في ربيع دمشق القصير 2001؛ وعلى الرغم من عودة القبضة المخابراتية، فإن أطيافًا من النخب السورية استطاعت توقيع إعلان دمشق للتغيير الديمقراطي 2005 وتشكيل لجان إحياء المجتمع المدني وحقوق الإنسان؛ وكانت تلك نشاطات مبشرة بظهور مجتمع مدني سوري فاعل، لكنها بقيت في إطار نخبوي إعلامي محدود؛ وحالت ظروف ذاتية وموضوعية دون القدرة على تشكيل أحزاب ومنظمات شعبية مستقلة؛ وأدى ذلك إلى افتقارها للخبرة العملية والتجربة التنظيمية، في مواجهة استحقاق الثورة والتصدي لقيادة الحراك.

ظهرت خلافات حادة في صفوف النخبة السياسية التي انبرت لتمثيل الثورة تحت مسمى المعارضة؛ وعلى الرغم من أجواء الحرية المتاحة أمامها، فشلت في التحول نحو عمل مؤسساتي منظم وشفاف، وتقديم مشروع وطني واضح المعالم؛ وفي الواقع كانت معركتها ثلاثية الأبعاد: ضد نخب النظام المدجنة أولًا، والهجينة تاليًا؛ ثم لإيجاد التجانس والانسجام بين مكوناتها المختلفة؛ والأهم التصدي لقيادة الحراك الثوري في مواجهة أوليغارشية نظام الأسد. وجاء الفشل بسبب ولوج سياسات المحاور والمصالح الحزبية والفئوية الضيقة والوقوع في التبعية والاستقواء بالخارج، وتراجع القواسم الوطنية التي تدعم عقد حوار وطني مستقل بعيدًا عن الإملاءات.

تتشكل النخب من أشخاص مميزين وفاعلين في كافة فروع النشاطات الإنسانية: السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية؛ ولا جدال على ضرورة المثقفين العضويين في تصدر النخب الثورية وقيادة الحراك الثوري والاجتماعي، من أجل ضمان تحقيق أهدافه في إرجاع السلطة للشعب، بما تمتلكه من وعي وديناميكية.

خارج حلقة الحكم الضيقة، شكّل النظام نخبًا تابعة، دجنها ورعاها بعناية مع حرية شكلية لا تتجاوز حدود مزرعته؛ وقد ضمت سياسيين وكتابًا وأدباء وفنانين ورجال أعمال ودين وطوائف وشيوخ عشائر؛ وظهرت مواقف فاضحة منها في الدفاع عن النظام وجرائمه، وخاصة من بعض الكتاب والفنانين المعروفين سابقًا بمناهضة الظلم والاستبداد؛ وأدى ذلك إلى انهيار صورة نمطية من الوعي الجمعي، وتشكل صورة بديلة عن انتهازية النخب؛ ويحتاج فهم أسباب مواقفها تلك ودوافعها إلى بحث معمق، وأحدثت مواقفُ ما يمكن تسميته بالنخب الهجينة مزيدًا من الإرباك والإحباط  في صفوف الثورة؛ وهي لم تكن تتبنى أو تؤمن بالحراك الثوري، وكانت تنتظر حصد النتائج؛ وبدَر منها افتعال معارك هامشية لصرف الحراك عن مساره الأساس.

سيطرت النخبة السياسية على الحراك الثوري تحت راية المعارضة، واستبعدت المكونات الأخرى، ولم تقبل بمشاركتها أو إسناد أدوار مهمة إليها؛ ولم تكن التحالفات بين مكوناتها متينة، حيث انهارت على وقع الخلافات الأيديولوجية بين العلمانيين والإسلاميين.

ساقت النخب كثيرًا من الأعذار لتبرير سقوطها التاريخي، وكان بعضها منطقيًا؛ لكنها أنحت باللائمة لعدم انخراط باقي المكونات الاجتماعية في مشاريعها التنويرية والنهضوية، وعدم التعامل معها بإيجابية كما يفترض؛ وبعد ذلك سقطت الجماهير بالانقياد خلف مشاريع وافدة من الخارج.

لا يمكن قبول تهرب النخب من المساءلة، أو التخلي عن مسؤولياتها التاريخية، دون إنكار دور الظروف الموضوعية، لكن لا بد من دراسة العوامل الذاتية التي تظهر في طريقة تقديم النخبة لمشروعها وتعاملها بفوقية واستعلاء مع الجماهير، وفشلها في تقدير أولويات المجتمع واحتياجاته العملية وانشغالها بمناظرات فكرية؛ وأدى ذلك إلى بروز فراغ كبير سمح ببروز مشاريع أصولية متشددة وافدة، تحولت بالتدريج باتجاه التطرف والإرهاب؛ الأمر الذي أدى إلى نتائج كارثية على مسار الثورة.

لا مناص من تنحية النخب المدجنة والهجينة وفرزها عن النخب الثورية؛ ولا بد لإكمال مسار الثورة، من إعادة بناء النخب من جديد، والحصول على زخم قوي بشكل أساسي من خلال النخب الشابة التي برزت خلال مسار الثورة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق