هموم ثقافية

مقبرة الكلمة الحرة

في أيلول الماضي، حلّت الذكرى الأربعون لاغتيال الأديب البلغاري المعارض جورجي ماركوف في لندن، وهو صحفي وقاص وروائي وكاتب مسرحي شهير، وُلد في العاصمة صوفيا عام 1929، وحصل على دبلوم الهندسة الكيميائية عام 1953، وقبل ذلك بثلاث سنوات بدأ اسمه يظهر في عالم الأدب. كان مقربًا من دوائر السلطة الشيوعية ومن رئيس الدولة تودور جيفكوف، لكنه كان ينتقد مساوئ النظام، ويؤمن بقدرة الكلمة على التأثير والتغيير، إلى أن منعت الرقابة عرض ثلاثة من نصوصه المسرحية، حينئذ غادر بلده إلى إيطالية بوثائق نظامية عام 1969، ولم يعد ثانية، فأصدرت المحكمة البلغارية حكمًا غيابيًا بسجنه ست سنوات وستة أشهر عام 1972.

في منفاه، سخّر ماركوف طاقته الإبداعية لنقد النظام الشيوعي، والكشف عن انتهاكات الطبقة الحاكمة في بلغاريا التي يعرفها عن كثب، وفي السابع من أيلول/ سبتمبر 1978 بينما كان يتجه إلى مقر عمله في هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) بلندن شعر بوخز في فخذه الأيمن، وكأنه لسعة حشرة، استدار وأبصر خلفه رجلًا يلتقط مظلة من على الأرض، ثم يهرع متواريًا عن الأنظار، وفي المساء عانى جورجي من أعراض غريبة، بدأت ببثرة حمراء وألم شديد مكان الوخز، ثم أُصيب بالحمى، ونُقل إلى مستشفى “سانت جيمس” حيث فارق الحياة بعد أربعة أيام، وهو في التاسعة والأربعين من عمره، فيما أكدت التحقيقات أن سبب وفاته كان سم الريسين الموجود في مقدمة المظلة التي وُخز بها.

حادثة الاغتيال البشعة عُرفت بـ “جريمة المظلة”، وأثارت الرأي العام العالمي، وشاركت في التحري عن ملابساتها عدة جهات دولية، وأشارت بأصابع الاتهام إلى دور جهاز الأمن البلغاري في التخطيط لها وتنفيذها، تحت إشراف الاستخبارات السوفيتية (كي جي بي)، لكن أيًا من المشاركين في التحقيقات لم يستطع تحديد الجهة التي أصدرت الأمر بالاغتيال، ولا أن يثبت هوية القاتل.

جريمة نموذجية ضد حرية الرأي والتعبير لا تزال تتكرر بأشكال وأساليب مختلفة، وتخطف أرواح المزيد من الكتاب والإعلاميين، الباحثين عن الحقيقة في العالم الحر، أو في ذاك العالم الذي ابتُلي بدكتاتوريات مقيتة لا يصدقها عقل.

قبل يوم واحد من حلول الذكرى الأربعين لاغتيال ماركوف، تناقلت وسائل الإعلام خبر مقتل الصحافية البلغارية فيكتوريا مارينوفا في مدينة روسه، وهي في سن الثلاثين، وأثبتت نتائج التحقيقات أن شابًا مهووسًا من أصحاب السوابق، قام بضربها واغتصابها وخنقها، وهو تحت تأثير جرعة كبيرة من المخدرات. كانت الشابة الجميلة تعمل في قناة (تي في إن) المحلية، وقبل مقتلها بأسبوع قدمت الحلقة الأولى من برنامجها (الكشاف)، وفتحت النقاش حول التلاعب بصناديق تمويل تابعة للاتحاد الأوروبي، وكان الأفق أمامها يبدو واسعًا وواعدًا، لو لم تذهب ضحية مجانية للعنف ضد المرأة وللنوازع الإجرامية.

فيكتوريا مارينوفا

فيكتوريا مارينوفا لم تكن الضحية الوحيدة في أوروبا هذا العام، سبق ذلك مقتل الصحفي السلوفاكي يان كويساك وصديقته مارتينا كوسنيروفا، في منزله بمدينة “فيلكا ماكا” أواخر شباط/ فبراير 2018. كان كويساك شابًا في السابعة والعشرين من عمره، وكان متخصصًا بتقصي قضايا الفساد، يعمل لصالح موقع (أكتشواليتي. اس. كاي)، وقبل اغتياله برصاص مجهول كان يتحرى حول عمليات تزوير ذات صلة برجال أعمال وسياسيين نافذين في الدولة، وتلقّى عدة تهديدات بالقتل، ورفع شكوى بذلك إلى الشرطة.

قبل مرور شهرين على تلك الحادثة، تناقلت وسائل الإعلام مجددًا خبر العثور على جثة الصحفي الروسي مكسيم بورودين على إثر سقوطه من شرفة منزله في الطابق الخامس بمدينة يكاترينبورغ يوم الثالث عشر من نيسان/ أبريل 2018، وأكدت تحقيقات الشرطة الروسية فرضية انتحاره، مع أن صديقه فياتسلاف باشكوف أشار على صفحته في (فيسبوك)، إلى أن مكسيم اتصل به في الخامسة فجرًا قبل سقوطه، وأخبره بصوت خائف أن منزله مطوّق بمسؤولين أمنيين ورجال مسلحين، وأنه يحتاج إلى محامٍ، ثم عاود الاتصال به بعد ساعة معتذرًا عن خطئه في التقدير.

مكسيم بورودين

لماذا ينتحر صحفي استقصائي شاب، وهو في أوج عطائه وبحثه عن حقائق لطالما حاولت حكومة بلده أن تخفيها؟ سؤال يبقى في ذمة المحققين والقضاء، فبحسب صحيفة (واشنطن بوست) كان بورودين أول من كشف تفاصيل مقتل مئتي مقاتل من مرتزقة (فاغنر) بقصف جوي أميركي قرب مدينة دير الزور في السابع من شباط/ فبراير 2018، فيما يُعتقد أن فرقة (فاغنر) تضم نخبة من المقاتلين الروس المجهزين والمدربين، وتتلقى الدعم المادي من رجل الأعمال الثري يفغيني بريغوزين، المقرب من الرئيس فلاديمير بوتين، والمدرج على لائحة العقوبات الأميركية للاشتباه بضلوعه بالتدخل في الانتخابات الأميركية.

جمال خاشقجي

في عالمنا العربي الغارق بالأيديولوجيات القاتلة، لا أحد يتابع قضايا الفساد، الكل يتعايش معه، ويعتبره جزءًا من منظومة الاستبداد، وقضية ثانوية مقارنة بالتنكيل الذي يطال أصحاب الرأي المعارض أينما وجدوا، ويبقى بلا حساب، لكن حادثة اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي أحدثت فرقًا واضحًا في معادلة التجاهل والصمت، وأثارت ضجة عالمية لم تشهدها أي من الحوادث التي سبقتها هذا العام؛ حيث دخل قنصلية بلده في إسطنبول يوم الثاني من تشرين الأول/ أكتوبر، واختفى أثره، ثم ظهرت التسريبات تباعًا حول عملية خنقه وتقطيعه وتذويبه، ولولا الحملة العالمية التي أُطلقت للكشف عن مصيره، ربما كانت رواية خروجه من الباب الخلفي للقنصلية هي التي تصدرت المشهد، قبل أن يُطوى ملف الجريمة، ويُغلق بالشمع الأحمر.

تبقى سورية الحالة النموذجية والفريدة لانتهاك حرية التعبير وغياب العدالة، منذ أول صرخة احتجاج طلبت الحرية والكرامة للشعب المقهور، ومن لم يطله بطش أجهزة النظام السوري في مناطق سيطرتها، تكفلت به الفصائل الإسلامية المتشددة في المناطق المحررة، وفي دول اللجوء.

نيران قوات الأسد قتلت مراسلة صحيفة (صنداي تايمز) ماري كولفن في حمص، وفي سجون النظام السوري اختفى الصحفي الأميركي أوستن تايس، وقُتل الإعلامي أسامة الحبالي بالتعذيب، وأُعدم خبير المعلوماتية باسل الصفدي، بينما اختُطفت رزان زيتونة وباقي فريق “مركز توثيق الانتهاكات” في دوما، يوم كانت خاضعة لسيطرة “جيش الإسلام”، واختطف تنظيم (داعش) الأب باوللو في الرقة، وقتل ناجي الجرف في غازي عنتاب، وفي كفرنبل اعتقلت “هيئة تحرير الشام” المحامي ياسر سليم، وهذه ليست سوى عينة مصغرة من قائمة طويلة تضم مئات الضحايا من الناشطين السلميين في فضاء الإعلام والدفاع عن حقوق الإنسان.

في هذا العام فقط فقدت سورية أربعًا وعشرين من كوادرها الإعلامية، لكن الحادثة الأكثر إيلامًا كانت اغتيال رائد الفارس وزميله حمود جنيد برصاص مجموعة من الملثمين المجهولين في مدينة كفرنبل، يوم الثالث والعشرين من تشرين الثاني/ نوفمبر، ووقعت الجريمة في منطقة نفوذ “هيئة تحرير الشام”، وفي يوم الجمعة ووضح النهار.

رائد الفارس

رائد الفارس واحد من أهم رموز الحراك المدني في الداخل السوري، منذ أن أسهم بتنظيم أول تظاهرة خرجت في مدينته كفرنبل، يوم الأول من نيسان/ إبريل 2011. كان شعلة من النشاط، وأطلق الكثير من المبادرات الخلاقة، أبرزها كتابة مكان وتاريخ التظاهرة على اللافتات، وإبداع الرسوم الساخرة الخاصة بالتظاهرات، التي غدت واحدة من تقاليد الثورة، واشتهرت في العالم بأسره. أسس (راديو فريش) عام 2012، وكان أول بث إذاعي ينطلق من المناطق المحررة، ومن بعدها أسس “اتحاد المكاتب الثورية– “URB، للمشاريع الإعلامية والخدمية، كما أسس منظمة “محامون من أجل العدالة”.

لاحقته أجهزة الأمن قبل تحرير كفرنبل، وتعرض للتضييق والاعتقال بعد أن غدت المدينة تحت نفوذ هذه “الهيئة”، ونجا بأعجوبة من محاولة اغتياله الأولى في بداية عام 2014، لكنه لم يغادر مكانه وناسه، على الرغم من الأخطار التي تهدد حياته. كان الفارس يؤمن بمبدأ المقاومة اللاعنفية، ويدرك بحدسه أن قدره الموت برصاص الملثمين المجهولين، وكان راضيًا أن يُدفن ذات يوم في مقبرة الكلمة الحرة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق