أبحاث ودراسات

محنة العَلمانيّة سوريًّا

بات من المألوف سوريًّا أن نقول: إن فلانًا من الناس هو عَلمانيّ! وكأننا نرى في العَلمانيّة (بفتح العين لا بكسرها) مجرد صفة من الصفات التي يجوز اتصاف الأفراد بها. إننا لا نرَى أنّ العَلمانيّة تقتصر على وصف أنظمة الحكم السياسيّة فحسب، ولا تصف الأفراد بتاتًا! كما يسود وعي بالعَلمانيّة يؤكد على اشتقاقها من العِلم وعلى تطابقها معه. وبين تقديسها وتدنيسها، بات التعاطي معها كالتعاطي مع الدين؛ فما الذي حصل في سوريّة حتى صارت العَلمانيّة صفة للأفراد أولًا، وتماهت مع العلميّة ثانيًا، وتحولت إلى دين ثالثًا؟

إنّ العَلمَانيّة من العَالَم وليست من العلم؛ فهي ليست العلميّة لتكون من العلم. والعلم هو أحد أدوات العَلمانيّة التي يساعدها على التحكم في الطبيعة وجنونها، وفي الجسد البشريّ وهشاشته، وفي خطر الأمم والجماعات السياسيّة. إنها من هذا العالم وليس من عالم آخر؛ أي، إنها من الدنيا وليست من الآخرة، ولا تعالج قضايا الآخرة بتاتًا، لأنها لا تنظر إلى الدنيا بوصفها بوابةً إلى الآخرة، ولا تنظر إلى أفعال الدنيا بوصفها استثمارًا في الآخرة.

تنتمي العَلمَانية إلى الزمنيّة المتقطعة والمتغيرة، محاولةً جعل هذه الزمنيّة في ديمومة، ولا تنتمي إلى الأبديّة التي هي أساسًا من دون زمن. وهي صفة للأنظمة السياسيّة، كما في وصفنا لنظام ما أنه علماني أو ديمقراطي أو أرستقراطي أو أوليغارشي او ثيوقراطي. حتى إن العَلمانيّة تستخدم الفرديّة، كما تستخدم العلم، كواحدةٍ من أدواتها. وهذا يؤكد أنها ليست صفة للأفراد.

ومن هنا، فإنّ أنظمة الحكم العَلمَانيّة تقوم على الفصل الذي لا يستطيع الأفراد القيام به، والذي هو ليس من اختصاص الأفراد؛ فهي تفصل أساسًا بين حقبتين وتختار إحداها:

الحقبة الأولى، هي حقبة ما قبل الحداثة التي تعتبر أن البحث عن الله هو غاية الغايات، وأنّ الدنيا ممر للآخرة؛ فالموت هنا ليس فناءً ونهايةً بل هو تغيّرٌ في الهيئة وتغيّرٌ في الشكل. إنّ الموت هنا هو معبرٌ لحياة أخرى؛ ففي الدين نرى أنّ الموت حتميٌ وأنّه صلة وصل بين الحياة الدنيا، الفانية والزائلة، وبين الحياة الآخرة، الأبديّة والباقية. إنّ الموتَ في الدين مقدّرٌ ومكتوب ومحتوم.

أما الحقبة الثانية، فهي حقبة الحداثة التي تعتبر أنّ البحث عن السعادة هو غاية الغايات، وأنّ الموت فناءٌ ونهايةٌ، وبالتالي علينا التحكم في دنيانا وموتنا. إنها لا تعتبر إطلاقًا أنّ بإمكان أفعال الدنيا أن تتحكم في مصيرنا الذي ربما سنعيشه في الآخرة بأي شكل من الأشكال. ففي العَلمانية ليس الموت معبرًا من دار الحياة الزائلة إلى الحياة الأبديّة، وليس بابًا للخروج من الفناء إلى الخلود. إن الموت في العَلمانية هو مصادفة وله أسباب، وبالقضاء على هذه الأسباب فإننا نقضي على الموت.

فالعَلمانيّة تفصل الدين عن الدولة، وتفصل الدنيا عن الآخرة، وتفصل الزمن عن الأبد، وتفصل قرارات النظام السياسيّ عن قرارات الفرد، وأخيرًا تفصل العلم عن العالم وتسخره للتحكم في العالم. وبكلام آخر: تفصل العلمَانية القرار السياسيّ الأمنيّ الاقتصاديّ، الذي يصدر عن الأنظمة السياسيّة، عن الدين؛ تفصله عن الجامع والكنيسة والكنس اليهودي والمجلس الشيعي والعلوي والدرزي والإسماعيلي. إنها تفصل دولتها العَلمانيّة عن الدولة الدينيّة.

وبهذا الفصل، ترفض العَلمَانية أن تدير شؤون الآخرة والجنة والنار والجحيم والحياة بعد الموت والقيامة والتقمص. إنها تؤكد على إدارة الحياة الدنيا بتفصيلاتها من دون استطالات إلى الحياة الآخرة التي تركتها للدين.

وقد تعرضت العَلمَانيّة في الثقافة العربيّة لأربعة تحويلات جعلت منها محنة ومعضلة لا حلّ لها إلّا بولوج الحداثة والقطع مع ما قبل الحداثة، وهذه التحويلات هي:

  • من صفة لأنظمة الحكم إلى صفة للأفراد.
  • من كونها من العالم إلى كونها من العِلم.
  • من إدارة الدنيا إلى إدارة الآخرة.
  • ومن كونها تُعنى بالزمنيّة إلى كونها تُعنى بالأبديّة.

إن مثل هذه التحويلات تجعل العَلمانيّة دينًا يتماهى مع العلميّة، ويصف الأفراد بما لا يحتملونه؛ وهذا هو محنة العَلمانيّة.

وربما تجد هذه التحويلات تفسيرها في فشل المحاولات الحثيثة لجعل نظامنا السياسيّ يجتاز عتبة الحداثة. وفي معاندة نظامنا للانتقال إلى الحداثة. وفي إصراره على استخدام أدوات الحداثة، على الرغم من عيشه في حقبة ما قبل الحداثة. وهذا ما جعل العَلمانيّة مطلبًا سياسيًّا يمتدحه بعضنا ويذمه بعضنا الآخر، وجعل من وصف نظامنا بالنظام العَلمانيّ محطّ اختلاف وسخريَة. فعندما لم يتحول نظامنا السياسيّ إلى نظام عَلمانيّ، تم تحويل العَلمانيّة إلى صفة فرديّة، يتصف بها الأفراد ويتنافسون في التحلي بها. فمحنة العَلمانيّة عندنا هي نفسها محنة الحداثة. إننا نهرب من حداثة العَلمانيّة إلى تحويل صفاتها المتعلقة بالأنظمة الحديثة إلى صفات للأفراد، وإلى تخليصها من الزمنيّة والدنيويّة وإلحاقها بالعلم وبالفرديّة.

إنّ ما حصل في سوريّة هو استحالة انتقال النظام السياسيّ الحاكم فيها، من حالة ما قبل الحداثة التي يعيشها، إلى حالة الحداثة التي يجب أنْ يعيشها. واستخدام هذا النظام لأدوات تنتمي إلى الحداثة، على الرغم من عيشه في حقبة ما قبل الحداثة. وفشل الدعوة الفكريّة/ السياسيّة التي تدعو إلى مبارحة ما قبل الحداثة واجتياز حقبة الحداثة.

إذًا؛ تكمن محنة العَلمانيّة سوريًا في مواقع ثلاثة:

  • اتصاف النظام السوريّ بالعَلمانيّة وهو ليس كذلك.
  • معاندة هذا النظام للدخول في عالم الحداثة وإصراره على البقاء في عالم ما قبل الحداثة واستخدام أدوات حداثيّة في آنٍ.
  • فشل دعوة النخب السوريّة إلى الحداثة، من دون إنجاز قطيعة معرفيّة مع عالم ما قبل الحداثة، الأمر الذي استلزم هروب هذه النخب من الدلالات الحقيقية لمحرز الحداثة، والتعاطي مع هذا المحرز بتحويلات وتلفيقات غريبة وعجيبة!
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق