تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

سورية إلى أين: التقسيم أم الانتصار؟

كثيرة هي الأحداث التي مرّت بها سورية، منذ اندلاع ثورة الحرية والكرامة، وكانت أغلب هذه الأحداث، ولا سيّما التحالفات الدولية والإقليمية والعربية، متناقضةً في ظاهرها، متوافقةً في هدفها، كما تبيّن مؤخرًا، فمنذ البداية تم إعطاء الضوء الأخضر لنظام بشار الأسد ليقمع الشعب الثائر، وقد بدأ -كما هو معروف- بقتل المتظاهرين والناشطين بأعداد محدودة، إضافة إلى اعتقالات وانتهاكات بحق المنتفضين، وعندما فشل هذا الأسلوب؛ صعّد الأمر ليقتل ويعتقل أعدادًا أكبر، وينكّل بهم بطرق أكثر وحشية، وتم السماح له بالاستعانة بالحليف الإيراني، وبدأ مسلسل القتل الطائفي المنهجي، ليس رغبة في خدمة الأسد فحسب بل في إشباع الحقد المزروع في نفوس وعقول شريحة محددة من الإيرانيين، من أتباع ولاية الفقيه الفارسية الطائفية المجوسية، وبدأ هؤلاء باستكمال تنفيذ مخططاتهم في التغيير الديموغرافي التي باشروا بها منذ حكم الأسد الأب، لكن بطرق ناعمة، وقاموا بذلك بكل الطرق المتاحة، وكان هذا كله بتعليمات من أسيادهم، ولعل الأحداث الأخيرة كشفت أن هؤلاء مجرد أدوات استُخدموا لأنهم مشبعون بالحقد الطائفي، لتنفيذ مخطط طالما حلم به وخطط له من يتحكم في العالم خدمة للصهيونية وطفلها المدلل الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة، وعندما عجز هؤلاء عن حماية الأسد وعصاباته؛ تدخلت روسيا بسلاحها الجوي أولًا، ثم بقوات برية أُطلق عليها “الشرطة العسكرية”، ولكنها في البداية لم تحقق أي تقدم ملموس على الصعيد العسكري لا بل مُنيت بخسائر فادحة في سلاحها الجوي، وهذا الفشل استدعى استخدام الخطة البديلة، وهي الخطة الأمنية التي تعاون فيها كل الأطراف وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها من الدول الإقليمية والعربية، لإحداث اختراق في صفوف قادة الفصائل، فتم التمهل في مسار مفاوضات جنيف السياسية التي لم تحقق أي شيء للشعب السوري، بل كانت وبالًا عليه وعلى ثورته، وتمّ الدعوة لمؤتمر أستانا، فأصبح لدينا فريقان متناحران بالشكل لكنهما متفقان بالمضمون: فريق يمثل مسار جنيف، وهو الهيئة العليا للمفاوضات، وفريق يمثل اجتماعات أستانا المتمثلة في قادة الفصائل العسكرية، وممثليهم السياسيين وعلى رأسهم من يتحكم بالائتلاف. هذا المسار الذي فكك شيفرة الفصائل ومن يتحكم فيها، وتم ترويضهم وشراء ذمم أغلبهم، وما حدث من تسليم لثلاث مناطق من أصل أربع مناطق، تمّ الاتفاق عليها لخفض التصعيد فيها، هو خير دليل على فشل هؤلاء في قيادة المفاوضات، وأكدت الأحداث أنّ هؤلاء كانوا أدوات استُخدمت لوأد الثورة، مقابل منافع مادية أو وعد بمنصب في مستقبل سورية، وهذا ينطبق على الأفراد والجماعات والحركات الموجودة في صفوف المعارضة، وبهذا مكّن هؤلاء الأسد وعصاباته من الاستيلاء على أغلب المناطق المحررة من نهاية عام 2013 ولم يتبق إلا منطقة محررة ذات جغرافية صغيرة مقارنة بما حرره “الجيش الحر” خلال الثورة، وهذه المنطقة تمتد من جبل الأكراد في الساحل وصولًا إلى محافظة إدلب وشمال وغرب مدينة حلب، وصولًا إلى تل أبيض آخر نقطة غرب نهر الفرات امتدادًا إلى شمال مدينة حماة، وهذه المنطقة موجود فيها فصائل إسلامية وفصائل تتبع للجيش الوطني وفصائل (درع الفرات) وفصائل (غصن الزيتون) التي تعمل تحت المظلة التركية.

ترافقت هذه الأحداث مع أحداث أخرى جرت في مناطق شرق وشمال شرق سورية؛ إذ شاهدنا الدعم الأميركي لقوات (قسد) التي سيطرت بموجبه على جزء كبير من هذه المناطق، بعد أن كان يسيطر عليها تنظيم (داعش) ولم يتبق تحت سيطرة (داعش) إلا جيب صغير في ريف دير الزور الشرقي الواقع في شرق الفرات، وهذه المنطقة تسمى بادية الجزيرة، وتمتد من البوكمال جنوبًا وصولًا إلى رأس العين شمالًا، وفي الوقت نفسه شاهدنا إعادة سيطرة عصابات الأسد والمحتل الإيراني وميليشياته والمحتل الروسي على المناطق المحررة في الجنوب، وصولًا إلى مناطق غرب الفرات شرقًا التي تسمى البادية الشامية الممتدة من الريف الشرقي والجنوب الشرقي لمحافظة حمص، وصولًا إلى مدينة دير الزور وريفها الغربي والشرقي وصولًا إلى الضفة الغربية من نهر الفرات من جهة مدينة دير الزور، باستثناء بعض الجيوب التي يتحصن فيها تنظيم (داعش) في شرق مدينة تدمر، وعبر السلسلة الشرقية لجبال تدمر وصولًا إلى محطة ضخ النفط T2. كل هذه المعارك كانت تنفيذًا لاتفاقات بين كل الأطراف لتنفيذ المخطط الذي سنتحدث عنه لاحقًا.

على ضوء ما تقدم؛ نستطيع القول: إن الجغرافية سورية تم تقسيمها إلى ثلاث مناطق نفوذ: المنطقة الأولى تمتد من الساحل السوري غربًا إلى الضفة الغربية من نهر الفرات شرقًا باتجاه محافظة دير الزور، ومن مدينة حلب شمالًا إلى الحدود الأردنية جنوبًا، ويسيطر عليها النظام وحلفاؤه ومن ضمنهم الروس والإيرانيون مع قواعدهم العسكرية. والمنطقة الثانية تمتد من مدينة عين العرب على الضفة الشرقية من نهر الفرات شمالًا وصولًا إلى رأس العين أقصى الشمال الشرقي وباتجاه الجنوب، وعلى محاذاة الضفة الشرقية لنهر الفرات حتى مدينة البوكمال الحدودية مع العراق، تتخللها بعض الجيوب في الريف الشرقي لمدينة دير الزور تجري فيها الآن معارك طاحنة مع تنظيم (داعش) ويسيطر على هذه المنطقة “قوات سوريا الديمقراطية” بغطاء ودعم من قوات التحالف الدولي، من خلال الكثير من قواعدهم العسكرية التي يتم تعزيزها يومًا بعد يوم. والمنطقة الثالثة وهي المنطقة المتبقية من المناطق المحررة، تمتد من جبل الأكراد غربًا مرورًا بمدينة إدلب وصولًا إلى مدينة جرابلس شرقًا على الضفة الغربية من نهر الفرات على الحدود التركية، إضافة إلى الريف الشمالي والغربي لمدينة حلب والريف الشمالي لمدينة حماة، ويسيطر على هذه المنطقة فصائل الثورة السورية المدعومة من تركيا، من خلال بعض نقاط المراقبة المحصنة التي يتم تدعيمها بشكل متسارع.

هذا هو الواقع الميداني في سورية الآن، ومن خلال هذا الواقع، ونتيجة بعض المعلومات المسرّبة والتحضيرات المتسارعة من كل الأطراف، ومن خلال الكثير من التصريحات الصحافية للكثير من المسؤولين المعنيين في الشأن السوري وخاصة الأميركيين منهم؛ نستنتج أنّ سورية في طريقها للتقسيم إلى ثلاثة أقاليم، ولم يتم حتى الآن الاتفاق على حدود هذه الأقاليم بدقة، لذلك نرى المناطق الفاصلة بين هذه الأقاليم في معارك مشتعلة تهدف إلى كسب أكبر مساحة من الأرض، قبل تثبيت وقف إطلاق النار الشامل فيها، الذي ستتبعه حزمة من الإجراءات تساعد على المدى الطويل في امتصاص شعلة الثورة وإطفائها، تمهيدًا لعودة كل الأراضي السورية إلى تحت سيطرة الأسد ونظامه الذي يمكن أن يتمّ الاستغناء عن خدماته في مسرحية هزلية، تضاف إلى مسرحيات الدول العظمى خلال تلك الفترة، وتسليم من يمكن أن يقوم بهذه المهمة، ومن المرجح أن يكون من بطانة بيت الأسد أو من يدور في فلكهم، بمشاركة مجموعة ممن حُسبوا على الثورة، وكانوا الذراع الفاعل في تفتيت الثورة، وعلى الرغم من حجم المؤامرة غير المسبوقة على شعبنا، أعتقد جازمًا أنهم لن يستطيعوا تنفيذ مخططهم، وسيجد شعبنا وأهلنا من الحلول الناجعة الكثير التي ستؤدي إلى بزوغ فجر جديد لسورية والسوريين وللعالم، ليكون نجاح الثورة السورية نقطة تحول في تاريخ المنطقة والعالم.

Tags

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Close