أدب وفنون

صحبة مُبدَعِ كونديرا

كتب كونديرا: “… الروائي هو الذي يريد، كما يرى فلوبير، أن يختفي وراء مبدعه. أن يعني التخلي عن دور الشخص العامّ. وليس ذلك من السهل اليوم؛ حيث يتوجب على كلِّ شيء ينطوي على أهمية، ما إن يمرّ من خلال مشهد وسائل الإعلام الجماهيرية المضاء على نحوٍ لا يحتمل، والتي تقوم، خلافًا لقصد فلوبير، بإخفاء المبدع وراء صورة مؤلفه. وفي هذا الوضع الذي لا يستطيع أي امرئ تفاديه كليًا، تبدو لي ملاحظة فلوبير كما لو أنها تحذير؛ ذلك أن الروائي، إذ يقبل القيام بدور الشخص العام، يعرِّض للخطر مبدعَهُ الذي يمكن أن يعتبر مجرد ملحق لحركاته ولتصريحاته ولمواقفه. هذا في حين أن الروائي ليس ناطقًا باسم أحد، بل إنني سأذهب في هذا التأكيد إلى درجة أن أقول إنه ليس ناطقًا حتى باسم أفكاره الشخصية”.

هذا الاختفاء الذي كان فلوبير يراه ضروريًا للروائي، كي لا يرى القارئ أمامه سوى الرواية وحدها، سوف يعمل به كونديرا جاعلًا منه قاعدة حياته وسلوكه روائيًا. فقد كان في أعماقه يتمنى، كما صرح بذلك مرارًا، لو استطاع، أن يكتب تحت اسم مستعار، ولا سيّما حين كلفته كتاباته فقدان وطنه الأصلي، الذي كان -أيضًا- وطن فرانز كافكا. إذ إنه بعد نشر روايته (المزحة) عام 1967 في بلده خلال ربيع براغ، مُنع من النشر كليًا في السنة التالية، وبقي كذلك حتى اضطراره إلى الهجرة إلى فرنسا عام 1975.

ازدادت مع الأيام قناعته بضرورة أن يحمي مبدعاته من أية عناصر يمكن أن تؤخذ بعين الاعتبار من أجل فهم مبدعاته، سواء تلك المستقاة من سيرته الشخصية، أو تلك التي يمكن أن تؤخذ من مقابلات صحفية أو إذاعية لم يمهرها بتوقيعه، أي لم يعترف بها، كالمحادثتيْن اللتين ثبَّتهما في كتابه (فن الرواية). وقد أتيحت له الفرصة أن يجسّد هذه الرغبة فعلًا حين قررت منشورات غاليمار استقبال أعماله ضمن سلسلتها الشهيرة، لابلياد، أو الكواكب، التي تقوم منذ إطلاقها في بداية العقد الثالث من القرن الماضي، بنشر الأعمال الكاملة أو شبه الكاملة للكتاب والفلاسفة في العالم، اعتمادًا على المخطوطات والطبعات المختلفة للأعمال المنشورة من قبل، يقوم المختصون بدراستها وتمحيصها وتحليلها وتقديمها للقارئ، قبل أن يضمها مجلد أو أكثر في السلسلة. كان دخول كونديرا هذه السلسلة وهو على قيد الحياة استثناء، سمح له اشتراط إعداد هذه الطبعة تحت إشرافه المباشر. ومن هنا تفرّدت هذه الطبعة، ضمن المجلدات التي نيَّفت هذا العام على ستمئة وثلاثين مجلدًا في هذه السلسلة بأنها، بدلًا من أن تحمل كمثيلاتها عنوان: “الأعمال الكاملة Œuvres complètes”، أو “أعمال Oeuvres” بالنسبة للطبعات التي لم تكن كاملة بعد، حملت على المجلديْن اللذيْن خصصا لها، عنوان: “عمل Oeuvre”، جمعت فيهما مجموعته القصصية الوحيدة، ورواياته العشر، ومسرحيته الوحيدة، وكتبه الأربعة حول الرواية. وبذلك كانت منشورات غاليمار تستجيب عمليًّا لمطلب كونديرا في أن يختفي وراء ما يعتبره “أعماله”، مهملًا -مثلًا- مجموعاته الشعرية الثلاث التي سبق له أن نشرها شابًا، قبل أن يتحول كليًا نحو الرواية، أو قصصًا قصيرة كتبها ولم تضمها مجموعته الوحيدة في هذه الطبعة، فضلًا عن العديد من المقابلات الإذاعية والتلفزيونية أو الصحفية التي سبق له أن أجراها خلال السنوات العشرين التي تلت وصوله إلى فرنسا، ولا سيّما بعد أن غطت شهرته الآفاق، بعد نشر روايته (خفة الكائن التي لا تحتمل) وترجمتها إلى مختلف لغات العالم الحية.

لذلك، لن يجد ماتيو غاريغو ـ لاغرانج، صاحب برنامج “صحبةَ المؤلفين” بإذاعة فرنسا الثقافية، الذي خصص أربع حلقات للحديث عن مُبْدَع ميلان كونديرا أذيع بين الاثنين 3 والجمعة 6 كانون الأول/ ديسمبر الحالي، سوى بضع كلمات تلخص حياة كونديرا الشخصية: ولد في الأول من نيسان/ أبريل بمدينة 1929، بمدينة برنو في تشيكوسلوفاكيا؛ هاجر إلى فرنسا عام 1975؛ جُرِّدَ من جنسيته التشيكية عام 1979؛ حصل على الجنسية الفرنسية عام 1981. أما مضمون البرنامج، الذي سيشارك فيه عدد من الذين كتبوا عن كونديرا، كتابًا أو أكاديميين، فسوف يتناول مؤلفات كونديرا الروائية أو حول الرواية، على النحو الذي أراد لها أن تكون المرجع الأساس الذي باتت طبعة لابلياد التي أشرف عليها بنفسه، تؤلفه من الآن فصاعدًا.

لم يُدعَ كونديرا للحديث مباشرة خلال هذه الساعات الأربع التي خصصت له وهو يقترب من عامه التسعين. ولا أظن أنه كان، لو دُعِيَ، سيقبل المجيء، لا سيما بعد أن بدأ في هذه الطبعة المشار إليها وكأنه يختتم ما أراد أن يقوله، خصوصًا أن روايته الأخيرة (عيد اللا معنى) التي لم يضمها المجلد الثاني من سلسلة لابلياد عند صدورها، قد أدرجت في طبعة جديدة للمجلد الثاني إلى جانب رواياته التسع التي ضمتها طبعته الأولى. وكان على صاحب البرنامج أن يبحث في أرشيف الوسائل السمعية البصرية عن مقابلات أو حوارات، سبق لكونديرا أن أجراها من قبل ولم ينشرها، كما قلنا، أو قراءة بعض المقتطفات من أعماله ذاتها في تناول هذه الثيمة أو تلك التي عالجتها كل من الساعات/ الحلقات الأربع.

هل يعني هذا أن كونديرا بلغ الغاية التي كان ينشدها من حماية أعماله بسور منيع لا تنفذ منه أية عناصر أخرى تشوه فهمها أو تحور دلالاتها؟

من الممكن القول، بعد الاستماع إلى الحلقات الأربع، إن كونديرا لن يكون مستاء مما قيل خلالها، رغم أنه، كأي روائي مبدع مثله، ربما كان ينتظر قراءة أخرى لمبدعاته عبر تحليلها بعمق أكثر، وربما باستخدام مناهج أخرى في القراءة النقدية، ما دامت النصوص المرجعية متاحة بكاملها للقارئ وللناقد. غير أن الحذر -كما أرى- غلب على معظم المشاركين، باستثناء واحد منهم بدت قراءته لتجربته الشخصية في الحب أكثر طغيانًا على ما قام به من تحليل لهذه الثيمة في مبدع كونديرا، بوصفه وثيق الصلة به وبمؤلفه.

خصصت كل حلقة لمعالجة ثيمة محددة في روايات وفكر كونديرا: الوضع الوجودي، الذي دعي للحديث فيه الأكاديمي الكندي فرنسوا ريكار، الذي أعد تحت إشراف كونديرا طبعة مبدعاته في سلسلة لابلياد، وقدم لها مثلما كتب سيرة المبدعات، كلًا على حدة -لا سيرة مؤلفها- نظرية للرواية التي دعيت لتقديمها مارتين بواييه فينمان، أستاذة الأدب المعاصر بجامعة ليون؛ عن الحب، التي دعي للحديث فيه الكاتب آلان فنكلكروت؛ وأخيرًا، كونديرا: الالتزام؟ المنفى؟، التي دعي لمناقشتها هيلين باتي دولالاند، أستاذة الأدب الفرنسي في القرن العشرين بجامعة باريس، والكاتب فرنسوا تايّاندييه.

أما مدير البرنامج فقد التزم رغبة كونديرا في الاعتماد على كتاباته، كما وردت في طبعة لابلياد، وعلى مقابلات أجراها، لم ترد في الطبعة المذكورة، لكنها مسجلة بصوت كونديرا نفسه من جهة، ولا تخرج عما كتبه في مختلف مبدعات الروائية أو حول الرواية، لكن الغرض من الاعتماد عليها كان إتاحة الفرصة سماع صوت كونديرا نفسه وهو يدلي بها.

لا يزال السؤال، مع ذلك، مطروحًا: ما مدى نجوع القاعدة التي عمل كونديرا على فرضها على دارسي مبدعاته ونقادها، الآن وفي المستقبل؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق