أدب وفنون

“لابس تياب السفر”

يعتمد رامي العاشق في ديوانه (لابس تياب السفر) اللغة المحكية، التي هي حال لسان الناس البسطاء، في حواريهم وأزقتهم المنسية، ويحاكي آمالهم وأوجاعهم وموتهم، وكأنه جمع في ذاته ذوات هؤلاء البسطاء، ليغدو ظلًا لهم، يئن بأنينهم، ويتلوع بلوعاتهم، مضيفًا من روحه لتلك اللغة، طاقة جياشة، ومهارة في التعبير والتصوير.

ولعلّ اختيار العاشق هذه اللغة، يعود لتيمة الغربة والنزوح التي تبناها في معظم قصائده، وأشار إليها من خلال عنوان الديوان، فيحس القارئ، وكأن التعبير عن حجم المرارات وخيبات الآمال، لا يمكن أن يستوي إلا مع لغة كهذه، تترجمها بعفوية وسلاسة، فتحيلها إلى مشاهد وصور صادمة، غير مألوفة في تصوراتنا عن أفراد ظلت معاناتهم مدفونة في زوايا الحواري الشعبية، ما أدى إلى خلق عوالم تثير الريبة والدهشة، من فرط حساسيتها وتعريتها للحقائق، وفي معظم القصائد يتضح أن هناك مواظبة على الحفر عميقًا في دوامة المفردات المألوفة، لتحيلها إلى صور شعرية رقيقة، ومرعبة في آن:

مجبور خاطرنا بالوجع..

مكسور خاطرنا..

كلو سبقنا عا الصبح..

والصبح ناطرنا..

واللي عصرنا بالوطن..

خلا الوطن غرقان..

ونحنا ت ينشف دمنا

ع الحبل نشرنا

تبدو وكأنها صور آتية من عوالم سريالية، حتى حينما تلتفت لتوصيف تفاصيل وأشياء مادية محسوسة، غير أننا سرعان ما نكتشف أن تلك الأشياء والتفاصيل تنتمي إلينا انتماءً كليًا، فمن خلال الاستغناء عن المواربة في الاستعارات، يتم الإمساك بالمعاني المطابقة للواقع، فتتبدى لنا اللامعقولية، والغرائبية التي تصطلي بها أرواحنا، وروح الوطن المسحوقين فيه، هذا الوطن الذي يلتهم الكيان الوجودي، سواء أمكثنا فيه، أم هجرناه. 

الحنين للوطن يكاد لا يفارق قصائد الديوان لحظة واحدة، فهو حاضر بحواريه، وناسه، وروائحه المسكرة. واللافت في هذا الديوان الذي حمل عنوان “لابس تياب السفر” أننا طوال المشهدية الشعرية، نحس أن من يرتدي ثياب السفر، ليس إلا صبيًا صغيرًا، وهو في الحقيقة عار من أي ثياب، بعد أن أحالتها غصات المرارة إلى خرق معجونة بالدم والغربة والحنين.

يتعهد الصبي الصغير للوطن، بأنه سيبقى فيه ولن يفارقه، لكن ما تعهد به، كان أكبر منه بكثير، وهو الواقف في العراء، على حافته، حالمًا بوطن بديل، غير أن أشباح الغربة، وأشباح الوطن، تخصي أحلامه، وتسوقه إلى أراضي قاحلة مهجورة.  هذا التمزق والتشظي، يشطر الفتى إلى شطرين، أحدهما يقف عند حافة نافذة الوطن والآخر يقف عند نافذة الغربة، ومنها يتلوع حنينًا لحضن الأم، وقد كواه البرد، ما يضاعف من عريه أكثر، فيغدو العري فاضحًا لخيبات الأمل وانكسارات الروح:

شديت إيدي عا كتف إمي..

وبوستها من الخد

وضميتها.. وشو كانت الضمة..

متوجعة.. بهالبرد

ومشيت ودعت الحضن

والوقت صار يعد..

هالقد.. ما كنت الوفا.. يا طيبة هالقد؟!!

شو كبرك هالبعد!

شو بعدك هالحد!

شو جاع صدرك للحليب المر يا أمي..

ندمان هوي عا حنان انهد!

وفي مقطع سريالي آخر، يرسم العاشق صورة مشبعة بالمرارة والحرقة، حينما يستجدي حمص، التي أحالها إلى شمس متخفية خلف ظل شفيف، لم يكن إلا إصبع رجل سكران، لا يستقر أبدًا في مكانه، وما من طوق نجاة لحمص التي تلتهمها النيران، كما تلتهم سنوات من عمر الصبي الصغير، فيبدو فجأة وقد هرم في فضاء السجن، ذلك الفضاء، الذي يلتهم في يوم واحد سنينًا من أعمار ضحاياه. يستنجد بحمص التي تتوق لمن ينقذها، يبكي ذاته حينما يستعين بها، وكأنهما توءمان، محطمان، فبعد أن كانت حمص مصدر أمل له، تبخر الأمل مع سقوطها في وحل اليأس، وما عاد بالإمكان كسر قيود السجن، فتصبح مأساة السجن، قضية تحتاج إلى تغييرات شاملة في أنظمة الكون:

جيتي الصبح عا بال شي فلة..

ورحتي متل آخر مطر نيسان..

كل اللي راح بيندهك ضلي..

وكل اللي ضل بيوعدك بقيان..

يا حمص يا أم الدني خلي..

دم الشهيد بريحتك حميان..

وغيبي متل شمس الدني يلي..

الله حاجبها بإصبع السكران..

ولفي على نور الصبح طلي..

مدي الصبح قشة لهالغرقان..

وشدي الغريق من الأسى وعلي..

بركي السجين بيكسر القضبان..

التوق للخلاص من جحيم الوطن يتلف القلوب، وحنين الغربة للوطن، يداهمهم كوحش ينهش من روح ضحاياه. حالة مريبة هذه، أن تغدو جميع الخيارات مجرد خيام لا يلامسها الدفء أبدًا. هو فضح لكل مفاهيم ومعاني الوطن:

كل ما غمرني الوقت..

بشلح قصيدة وع الساكت بغفى..

كل ما هجم صوت الحنين

ولوح بمنديلها

بتعربش بمنفى

وكل ما مرق إسما..

ببرد متل خيمة غريب

وما بقى بدفى!

برد الغربة لم يكن خيارًا، سنون مرت والفتى يرتدي ثياب السفر، يقف حائرًا، تائهًا، بين خيارين، بين البقاء والرحيل، ودائمًا يترقب خلاصًا لئلا يرحل، غير أنه ما من خلاص يلوح في فضاء وطن يعشعش فيه الرعب والخراب، وهذا ما يعمق المأساة ويجعلها ملازمة لصاحبها، حتى بات من الصعب الفكاك منها.

هي صور ومشاهد تختزل العبثية بلغة بسيطة، تارة يحلم الفتى بالسفر، وتارة يحاول أن يمحو هذا الحلم بحلم يخترعه هو ليثبته على البقاء. تلك الرغبة في البقاء والثبات تأكلها مشاهد الدم، والتعذيب في المعتقلات، فلا يجد الفتى بديلًا عن الرحيل، ليغدو وحيدًا غريبًا، تلاحقه ظلال وطنه، كحرقة في صدره:                                          

قديش صرلك لابس تياب السفر؟

قديش صرلك واقف ومخنوق؟

قديش صرلك ترسم غيوم ومطر؟

وتتشحود قداح الأمل ت تروق!

قديش صرلك لابس تياب السفر..

ومرتب وراقك..

قديش صرلك واقف بتكتب شعر..

وبتنوح ع فراقك!!؟؟

قديش عم تعشق عذابك والمدينة القاسية

مش هيك بكون الوفا..

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق