تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

اغتيال لوئام وهاب أم لمشروع الحكومة!

في مجتمعٍ يتوارثه الإقطاع السياسي وأمراء الطوائف والحروب، كما هي حال لبنان، يغدو بروز أشخاص آخرين من خارج هذه التوليفة أمرًا شديد الصعوبة، لكن وئام وهّاب كان استثناء، بعد أن استطاع، مثله مثل قليلين جدًا في لبنان، اختراقَ هذا المحظور. لم يكن وهاب ابن بيك ولا ابن أمير، ولا ابن رئيس، أو ابن ضابط عسكري كبير، إنما “ابن أستاذ مدرسي آدمي فقير ومعثر”، على حد قوله.

غير أن وهاب الذي لم يرث الثروة عن والده، ولا يملك بئر بترول (كما يقول)، ما كان له الوصول إلى ما هو عليه اليوم على الساحة الطائفية السياسية اللبنانية، من حزب وميليشيا منظمة (سرايا التوحيد) في كل من سورية ولبنان، على حد قول الأمين العام للإعلام في حزبه هشام الأعور (النهار 10 تشرين الأول/ أكتوبر 2016) لولا نعمة التدخل السوري في لبنان عام 1976.

استمرّت علاقة وهاب بالمخابرات السورية في عنجر، منذ أن تمّ إسناد وزارة البيئة إليه، في حكومة عمر كرامي 2004 – 2005 حتى اليوم، وما كان لهذا التوزير، وما رافقه من تسهيلات ودعم بالمال والرجال والسلاح، أن يحصل؛ لولا علاقة المد والجزر السائدة بين كل من الزعيم اللبناني وليد جنبلاط وسورية، منذ اغتيال والده عام 1977.

لذا كان على وهاب أن يحوم كالدبور من وسيلة إعلامية إلى أخرى، خصوصًا قناة (الجديد)، للدفاع عما يسمى “محور المقاومة”، لم يترك مناسبة وغير مناسبة إلا كان المدافع الشرس عن هذا التحالف، بل الناطق الرسمي باسمه، مما ألّب عليه الكثيرين من جرّاء ما يطلقه من نعوت وأوصاف تخوين بحقهم، حتى لم يفلت أحد من لسانه السليط، مما دعا البعض للقول: “إنه لا يجد نفسه إلا إذا كان شاذًا”، (النائب مصطفى علوش).

في أواخر الشهر العاشر من عام 2010، قال وهاب، حيال من يتعاطى مع المحكمة الدولية الناظرة في مصرع رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري: “إن كل مسؤول يتعامل معها سنعتبره إسرائيليًا، وكل من لا يُنفِّذ ما طلبه السيد حسن نصر الله، بعدم التعاون مع لجنة التحقيق سندعسه بالصرماية”؛ لذلك كانت سورية بالنسبة إليه -ولا تزال- إلى جانب حليفها (حزب الله) الممسك بخناق الدولة اللبنانية، بمثابة سفينة الخلاص.

وكلما كان جنبلاط يبتعد عن الخط السوري؛ كان وهّاب يتشبّث به أكثر فأكثر، ويرفع الصوتَ أكثر، ليكون حجم الفاتورة التي عليه تسديدها أكبر، سواء أكان في سورية التي طُرد منها يومًا بسبب تدخلاته الإشكالية على ساحة السويداء، أم في لبنان بسبب محاولاته الصعود على حساب كل من يبتعد عن سورية و(حزب الله)، كان آخرها بالطبع ما حصل، منذ أيام، في بلدته (الجاهلية) التي ذهب ضحيتها مرافقه محمد أبو دياب.

لم تكن تلك الحادثة من باب المصادفة، أو خارج كل التوقعات، وإنما سبق ذلك عدد من المواقف والتشنجات الطائفية والسياسية، كان لوهاب فيها اليد الطولى، مواقف كانت كفيلة بإشعال الساحة، خصوصًا في مجتمع هشّ تضرب في جذوره مختلف الأزمات، مثل لبنان، الذي يعيش اليوم أسوأ أيامه، في ظل الضغوطات الاقتصادية والمعيشية، والأزمة السياسية المستعصية التي يشهدها.

خاض وهّاب، منذ أشهر، الانتخابات النيابية اللبنانية، ضامنًا وقوف أعز حلفائه (حزب الله) إلى جانبه، وذلك ثمنًا لمواقفه التي يخوضها يوميًا دفاعًا عن الحزب وبقية حلفائه، لكن الحزب خذله في أحرج الأوقات؛ ففشل في الحصول على مقعد نيابي، والسبب -كما صرّح به جهارًا- خيانةٌ تعرّض لها من قبل حلفائه.

خذلان وهّاب على هذا النحو الصاعق كان له انعكاسات وردّات أفعال موتورة، فبعد أن أصبح مستقبله السياسي والطائفي على المحك، لم يستطع وهاب تحمُّل ذلك، وفقَد على إثر ذلك القدرة على ضبط أعصابه، وعندئذ تقاطرت إليه وسائل الإعلام اللبنانية المسمومة، على رأسها تلفزيون (الجديد)، ومنذ ذلك اليوم، هو يوزع شهادات الخيانة وشتى النعوت في كل الاتجاهات، بدءًا من المقعد النيابي نفسه الذي لا يساوي (صباطه) حتى أقرب حلفائه.

فبعض مسؤولي (حزب الله) “سماسرة”، والسفير السوري في لبنان “خائن يجب إبعاده.. وعلى دمشق أن تسحبه.. ما عاد إلو لازمة هنا” (2 أيار/ مايو 2018) بينما حليفه السابق طلال أرسلان “الزعيم الوطني المحبوب.. هذا اللي بظل عندو عقدة أنو وليد جنبلاط يظل يعيطلو”.

أما عن وليد جنبلاط نفسه، فيقول وهاب إنه تجاوز الخطوط الحمر، عندما دعا إلى قتل نصف الدروز، متسائلًا من أعطاه الحق في هدر دم دروز سورية، الذين وقفوا مع النظام، داعيًا ذلك بالجنون (لقاء مع قناة الميادين 5/ 4/ 2013) ثم إن “جنبلاط ينفخ بدم الفتنة بالجبل”.

أما بخصوص حليفه الآخر سليمان فرنجية، فيقول قبل أن يقصفه بأقذع العبارات (بيني وبينو خبز وملح) ثم يضيف مخاطبًا “فيرا يمين”، عضو المكتب السياسي في تيار المردة الذي يرأسه: “سليمانك الصغير، أيتها العجوز، هو الذي ينبطح أمام سعد الحريري ويبيع المقاومة، هذا الصغير يا صاحبة رائحة الفم الكريهة هو من يسرق الناس، ويعمل مرابيًا في الكازيونات”. (صحيفة النهار 3 شباط/ فبراير 2016).

وفي ما يتعلق بـ سمير جعجع، يقول في لقاء تلفزيوني: “يقعد عاقل.. عبيقبض ملايين الدولارات.. هوي مش بطّل يقتل لكنه عاجز عن إنو يقتل.. إذا بحط رجلو على الأرض هوي وجماعته راح رجليه يتكسرو.. كل منطقة إلها خرابا.. خرّب سعد الحريري بيروت، وخرّب وليد جنبلاط الجبل”. في حين رئيس الوزراء السابق فؤاد السنيورة “عميل” والنائب خالد الظاهر “منافق وكذاب لازمو حجر صحي”. (لقاء تلفزيوني 11‏/ 2‏/ 2010).

لكن القنبلة الأهم التي عمد وهاب إلى تفجيرها، في زمن يشهق لبنان فيه شهقات ما قبل الأخيرة، كانت بمواجهة رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري، الذي سلك حياله نفس الطريق التي يسلكها حيال جنبلاط، إذ كلما ازداد تعنت الحريري في الأيام الأخيرة بمواجهة الضغوطات التي يمارسها عليه (حزب الله)، بشأن فرض توزير أحد النواب الستة المحسوبين على الحزب؛ عمد وهّاب إلى رفع الصوت بمواجهته.

أليس هو القائل: “لا حكومة دون توزير من سنة 8 آذار، وإن الحريري سيقبل توزيرهم مثل الشاطر”؟ لذلك كان عليه النيل من الحريري وتكثيف الضغط عليه، من خلال العديد من المواقف والتصريحات التي أخذ يتناول فيها شخصية الحريري وتاريخه، على مدار الأسبوعين السابقين، فعند امتناعه عن مصافحة السفير السوري في لبنان في عيد الاستقلال (22/ 11/ 2018) خاطبه قائلًا: “اخرج من أكاذيبك.. الذي يهرب عن طريق سفير هو ليس أكثر من كركوز”.

وفي مقطع تسجيلي له، تم نشره في (26‏/11‏/2018) اتهم وهابُ الحريري بـ “الفساد ونهب المال العام، يقود عصابة لسرقة البلد.. قاطع طريق وبلطجي، غير مؤهل ليكون رئيس حكومة، بل لا يصلح ناطور بناية.. لقد أفلس شركات والده وسيفلس الدولة” (لقاء مع قناة LBC) وهو ما أشعل الشارع السني المؤيد للحريري، وما تلا ذلك من النزول إلى الشارع وقطع الطرقات بالإطارات المشتعلة.

مع تصاعد حدة لهجة وهاب بمواجهة الحريري؛ جاءت الشرارة التي أشعلت فتيل الأزمة، من خلال مقطع الفيديو الذي تم تداوله بتاريخ (29/ 11/ 2018) ويظهر فيه وهاب بأحد اللقاءات العامة، وهو يطعن بكرامة الحريري، متهمًا والديه بأعمال منافية للأخلاق، مما دعا أنصار الحريري لتقديم إخبار قضائي، نتج عنه ما حصل مؤخرًا في بلدته الجاهلية.

نخلص للقول إن ما حصل في بلدة الجاهلية من أحداث، وما تلا ذلك من استفزازات مارستها ميليشيا (سرايا التوحيد) التابعة لوهاب، التي وصلت إلى قرى الشوف والمختارة، المعقل التاريخي لوليد جنبلاط، إنما الهدف منه الضغط على رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري، للانصياع لمطالب (حزب الله) من جهة، وإيصال رسالة واضحة لمن خذله في الانتخابات النيابية من الحلفاء. إنه قطب درزي أساسي قادر على إشعال الساحة، من جهة أخرى، وبالتالي لا يمكن لأحد تجاوزه بعد اليوم، بأي حال من الأحوال.

على المقلب الآخر، فإن (حزب الله) وجد فيما حصل فرصة سانحة من شأنها تحقيق أكثر من هدف: إضعاف الحريري أولًا، والوقوف بجانب وهاب وإعادته إلى الواجهة، بعد أن تمّ التخلي عنه في الانتخابات النيابية ثانيًا، وهو ما أكد عليه مدير مكتب وهاب ياسر الصفدي، بقوله إن (حزب الله) لا يترك حلفاءه، وخصوصًا وهاب، مشيرًا إلى أنه وصلت رسالة من أعلى هرم الحزب، بأنهم إلى جانب وهاب حتى النهاية.

ذلك ما دعا (حزب الله) وحلفاءه، ومن ضمنهم وهاب وأنصاره، للقول إن الحزب وأمينه العام حقنا دمَ الدروز في الجبل وأنقذا الناس، وبالتالي فإن ما حصل في بلدة الجاهلية (معقل وهاب)، ليس محاولة اغتيال كما صرّح به جهارًا، بمقدار ما هو مخططٌ، من شأنه وأد مشروع الحكومة وإنهاء دور رئيسها المكلف، منذ ما يقارب ستة أشهر، قبل أن تولد.

وإلا؛ فمن الذي باستطاعته تفسير لنا ما حصل؟ لقد اتهم وهاب الحريري في شرفه وطعن بكرامته، وبعد ذلك اتهمه بمحاولة اغتياله، محملًا إياه دم مرافقه أبو ذياب، ثم قام برفع دعوى قضائية بحقه، بعدها أخذ يروج أن الحريري فقد أهلية تشكيل الحكومة، وأن التشاور بذلك قائمٌ ما بين حلفائه، مع إمكانية تكليف شخص سني آخر بتشكيلها.

ليس ذلك فحسب، بل رفض وهاب التصالح مع الحريري قائلًا: إن العملية لم تنتهِ بعدُ، بل بدأت، إن دمه عند سعد الحريري، خاتمًا كلامه بأن القضية كلها باتت عند “السيد حسن”، وأن أي تفاوض بشأنها لا بدّ أن يكون معه.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق