هموم ثقافية

الأيدي الطويلة 

بالطبع والتأكيد، ما من سببٍ يبرّر طباعة ونشر ما لم يشأ الكاتبُ طباعته ونشره، ولا من ذريعةٍ تشفع لقيام شخص، أو جهة، بتسليط الضوء على ما أراد الكاتب إبقاءه طيَّ العتمة؛ اللهمَّ إلا يكون الكاتبُ أيضًا -فضلًا عن نصوصه- مُلكًا للقرَّاء والنقّاد ودُور النشر وأصحاب المنابر والأيدي الطويلة!

أمّا إذا كان قرار النشر لغير الكاتب، فلنا أن نتساءل لماذا لا توضع كاميرات سريّة في مكتب الكاتب، لتكون العيون البصَّاصة على أوراقه ومسوداته كلّها: ما خَطَرَ له في يومٍ فألغاه، أو ما شرع في كتابته ونحَّاه، أو ما اعتقد -في مرحلةٍ- أنه منه ويُمثّله ثمَّ عدل عنه وطواه، أو كان أنجزه كاملًا ثمَّ لم يَرقْ له، أو شعر بالتَّسرّع في كتابته فحيَّده جانبًا… وإلى غير ذلك مما يجري في “مطابخ” الكتَّاب؟

أتساءل عن هذا في ظلّ عُرفٍ، عادةٍ، أو ظاهرةٍ مَرَضِيَّة -على الأصحّ- تكرَّست في حياتنا الثقافيّة: ما إنْ يرحل كاتبٌ -شرط أن يكون معروفًا مشهورًا- حتى يهرع إلى مكتبه المُقرَّبون، والطامعون، وأصحاب المصلحة المُتصيّدون، بحثًا وتفتيشًا (على غرار لجان التفتيش عن الأسلحة المُحرّمة) عمّا عسى يكون الكاتب قد خلَّفه من قصاصات وأوراق ومسودات، لتجارب قصصية أو روائيّة أو مسرحيّة، في زوايا مكتبه، منذ بواكير إنتاجه حتى ساعة رحيله؛ لإعدادها للنشر تحت عناوين برَّاقة مثيرة: “نصوص مجهولة للكاتب الفلاني!”، أو “قصص لم يسبق نشرها”، أو “صفحات من مذكَّرات لم تُقرأ من قبل للكاتبة الفلانيّة”، وما إلى ذلك مما يدرُّ الأرباح على دور النشر، ويُلمّع أسماء المُعدّين المُكتشفين!

لا حاجة لبيان التعدّي الصريح على حريّة الكاتب ورغبته وإرادته في ما يتعلَّق بكتاباته؛ إذ لأسبابٍ تخصُّه وحده (لا علاقة لنا بها ولا دخل) كان امتنع عن نشر وطباعة قصص له أو رواية أنجز فصولًا منها أو حوار مسرحيّ لم يكمله، أو خواطر دوّنها يومًا، وآثر -ربما- الاحتفاظ بها للعودة إليها والاستئناس بها أو تعديلات يُجريها عليها، أو حتى لمجرد مزاج شخصي خاص به. لا تهمُّ الأسباب، المهمّ أنه لم ينشرها، ولو أراد لكان فعل؛ فكيف نُجيز لأنفسنا هتك رغبته، ومُصادرة حقه وحريّته وخياره -في ظلّ رحيله- تحت أقنعة الحرص عليه والاهتمام بمنجزه؟

ولا أغالي لو قلت: حتى ورثة الكاتب لا يجوز لهم القيام بنشر ما لم ينشره، فإذا كانت درجة القربى وقوانين الإرث تمنحهم الحقّ في أملاكه الماديّة ومُقتنياته، بما فيها العائدات المالية من طباعة أعماله مجدَّدًا، فإن مصير ما لم ينشره الكاتب خلال حياته يعود إليه وحده، كما يفيد المنطق والعقل السليم.

بل إنّي لأرى أنّ الكاتب حين لا يضمُّ نصوصًا قديمة له -كان نشرها في دوريات مختلفة- إلى مجمل أعماله الصادرة خلال حياته؛ فعلينا واجب احترام رأيه ورؤيته، فلا نسعى -هنا وهناك وهنالك- إلى لملمة وجمع ما نُشر له، والقيام بإصداره ضمن كتاب مستقلّ، تحت مسمى “نصوص مجهولة”، كما جرى مع مبدعنا الكبير يوسف إدريس، يوم جُمعت 14 قصة له في كتاب صدر تحت عنوان (ندَّاهة الكتابة)، وكما جرى مع رائدة القصّة القصيرة العربيّة سميرة عزَّام حين جُمعت -بعد رحيلها- خواطر كانت كتبتها في مرحلة مُبكّرة من حياتها (ولم تضمّها إلى ما أصدرتْ من أعمال) وتمَّ نشرها في كتاب على أنه اكتشاف! والحال نفسه شهدناه -مع إضافة كثير من “الدربكة” واللغط والادّعاء الذي لا يليق بقامة مثل درويش- عندما جرى إصدار كتاب يضمّ ما وقعوا عليه من قصائد متفرّقة في مكتبه، تحت عنوان من اختيارهم: “لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي”، وتحت يافطة تكريم شاعرنا العربي الكبير، عبر التّنويه بتصحيح أخطائه!!

الفادح، أن إدريس لم يضمّ قصصه تلك إلى أيّ من مجموعاته، وكان يستطيع. وأن عزَّام لم ترغب في ضمّ باكورة تجاربها في كتاب، وكانت تستطيع. وأن درويش كان بإمكانه أن ينشر قصائده في ديوان، ولم يفعل. ولعلَّ الأشدّ تعدّيًا واعتداء وأنانيّة أن تُنشر رسائل حبّ لكاتبنا غسان كنفاني، لو كان يعلم أنها ستُنشر وفقًا لرغبة طرف واحدٍ؛ لما كتبها أساسًا، كما أحسب. فمن أين واتت هؤلاء تلك الأريحيّة والنباهة، في إنابة أنفسهم بأنفسهم عن مبدعينا، وفي إلغائهم لإرادة الكتّاب ورغباتهم، وما ارتأى كلّ منهم، بذريعة الحبّ الكبير لهم وتقديرهم لكتاباتهم، وحتى عواطفهم؟

Tags

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اقرأ أيضاً

Close
Close