اقتصادسلايدر

هل التغيّرات المناخية من أسباب الثورات والحروب؟

بعد الانهيار السوري الكبير، هناك من أشار إلى أسباب سياسية للثورة السورية، وهناك من أشار إلى أسباب دينية واقتصادية وغير ذلك، ولكن ينسى كثيرون، أو يتناسون، الأسبابَ المناخية. والأزمة السورية ليست مجرد أزمة بل هي بداية لحركة عالمية جديدة، فالحكومة الفرنسية، عندما رفعت ضريبة المحروقات قبل ثورة “السترات الصفراء”، كانت ترغب في تغيير سلوك الشعب الفرنسي، وأن يغيّر الشعب الفرنسي عاداته، ويعتمد الطاقةَ البديلة والنظيفة، ولكنها تراجعت عن قرارها تحت الضغط الشعبي، في حين انسحبت الولايات المتحدة قبل حوالي سنتين من اتفاقية باريس للحفاظ على المناخ، وعلى ذلك؛ فإن الثورة السورية كانت مؤشرًا على انهيار عالمي حقيقي، حسب علماء البيئة.

عندما ننظر إلى سورية اليوم، عبر الأقمار الصناعية، نجد أن نسبة الضوء فيها قد انخفضت بنسبة 83 بالمئة، مقارنة بنفس الصورة التي التقطت عام 2011، انهارت البلاد حرفيًا، بالطبع السبب السياسي هو وجود نظام استبدادي إجرامي يقوده بشار الأسد. ويتحمّل النظام السوري هذا الخطأ، وهو ليس بريئًا من التسبب في الانهيار المناخي أيضًا حتى قبل الثورة السورية. فبين أعوام 2007 و2010 تعرضت سورية لأربع سنوات من الجفاف، بل لأسوأ موجة جفاف في المنطقة؛ ما تسبب في كوارث زراعية، وهجرة مليون ونصف المليون سوري نحو المدن. وتؤكد دراسة نشرتها مؤسسة أميركية للعلوم عام 2015، أن النشاط البشري تسبب في مضاعفة سوء تلك الكارثة، وأن الأنشطة البشرية فيها أثرت في تغير المناخ الذي لعب دورًا في المأساة الإنسانية التي يعيشها السوريون.

المناخ بمثابة شرارة وعلامة طريق

في الواقع، لا يجوز إهمال العامل المناخي في التحليلات الجيوسياسية، ففي عامي 1693 و1694 حصلت مجاعة فرنسا، أدت إلى وفاة مليون ونصف المليون شخص، وهو رقم يقترب من عدد ضحايا فرنسا في الحرب العالمية الأولى بين عامي 1914 و1918، وكان عدد سكان فرنسا آنذاك يوازي عدد سكان سورية، حوالي عشرين مليون نسمة، ولعب المناخ دورًا حاسمًا في إطلاق الثورات الفرنسية المتعاقبة أعوام 1789 و1830 و1848، وكما يبدو 2018، وإن كانت ثورة “السترات الصفراء” ثورةً على الرأسمالية المتوحشة، إضافة إلى القرار البيئي للرئاسة الفرنسية الذي تراجعت عنه لاحقًا، وعلى مدى قرون تسببت التغيرات المناخية والبيئة في حروب ومجاعات وجيوش مستنزفة.

وبشكل عام، كانت الأزمات الاقتصادية والديموغرافية الخطيرة في أوروبا ما قبل الثورة الصناعية، بين أعوام 1500 و1800، مرتبطةً ارتباطًا وثيقًا بالاضطرابات المناخية. ووفقًا لدراسة نشرت عام 2011، فإن الأسباب الرئيسية الثلاثة للوفيات المرتفعة، أي الحروب والمجاعات والأمراض، كانت كلها بسبب الأزمات الاقتصادية، التي تسببها الأزمات الغذائية التي نشأت بسبب المخاطر المناخية. فهناك سلسلة من السببية التي يكون أساسها الشرارة المناخية.

البعض سيجادلك لسبب وجيه ومقنع بالمقابل، ففي إيران، على سبيل المثال، حصلت موجات جفاف فظيعة في السنوات الأخيرة، ولم تحصل فيها حروب كما في سورية، في الواقع المناخ ليس السبب الوحيد لجميع المتاعب الجيوسياسية، فيمكننا ذكر أسباب أخرى لقيام الثورة السورية وحروبها. فمن أسباب الربيع العربي تراجعُ أسعار النفط، وسعر الغذاء ونقص الموارد، جميعها كانت أسبابًا لقيام الربيع العربي.

لكن بالإضافة لكل ما ذكر، فإن الإدارة الكارثية للنظام السوري في مواجهة سنوات الجفاف، إضافة إلى نظام زراعي ضعيف للغاية، وسياسات بيئية ضعيفة، فضلًا عن أكثر من مليون لاجئ عراقي هربوا من النزاع المسلح والغزو الأميركي لبلادهم، ولمدة أطول من مليون لاجئ لبناني بعد حرب 2006 في لبنان لجؤوا إلى سورية، كل ذلك تسبب في تشكيل بيئة خصبة لثورة سورية مقبلة لا محالة.

عمى النخبة الثابت

إذا كان المناخ هو الشرارة؛ فمن أين يأتي الاحتراق؟

من خلال دراسة أجزاء أخرى من العالم تأثرت بالعوامل المناخية، حدد علماء المناخ خمسة عوامل أدت إلى الانهيار، وبحسب عالم البيئة والأحياء غاريد دياموند، من خلال إسقاطه على مناطق المناخات الاستوائية على سبيل المثال، فإن هذه العوامل الخمسة متكررة في بقية مناطق العالم، وغالبًا ما تتآزر فيما بينها، وهي: التدهور البيئي أو استنزاف الموارد؛ تغير المناخ؛ الحروب؛ خسارة مفاجئة من الشركاء التجاريين؛ ردّات الفعل (السلبية) للمجتمع تجاه المشاكل البيئية.

بالنسبة إلى دياموند، فإن العامل الوحيد المشترك لجميع الانهيارات هو الخامس (ردّات الفعل السلبية للمجتمع تجاه المشاكل البيئية)، والقائمة على العوامل الاجتماعية والسياسية، والاختلالات المؤسسية، والعمى الأيديولوجي، ومستويات عدم المساواة، وبالذات عدم قدرة المجتمع -وخاصة النخب- على الاستجابة بشكل مناسب لأحداث كارثية محتملة.

في الواقع، يُبرز هذا العامل الخامس الشهير ضعف المجتمع (عدم قدرته على الصمود) إلى درجة تجعله شديد الحساسية للاضطرابات التي تجري دون عوامل خارجية، وإنما نتيجة لعوامل طبيعية خاصة بالمجتمع ذاته.

وفي تصنيف جديد لانهيار الحضارة البشرية لأي بلد، اقترح عالم البيئة والجغرافيا جورج كارل بوتزر، في نفس السياق، مصطلح (الصدمات المزعزعة للاستقرار)، أو محفزات الثورات، فيذكر أنها في كثير من الأحيان تكون ذاتية، مثل عدم الكفاءة أو فساد النخب الحاكمة، انخفاض الإنتاجية الزراعية، انخفاض القدرة الشرائية للمجتمع، الفقر بالطبع، وقد تكون نتيجة عوامل خارجية المنشأ، كحدوث أحداث مناخية متطرفة، غزوات، نضوب الموارد الخارجية، عدم القدرة على الصمود أمام عوامل التراجع مما تتسبب بانهيارات مجتمعية خصوصًا في مجال الموارد، يرافقها التسبب بأزمات اقتصادية مؤاتية.

المناخ إذًا هو شأن سياسي، في أسبابه، وفي عواقبه الطبيعية التي يمكن الأخذ بها أحيانًا أكثر من الأسباب.

حسب علماء المناخ في العالم (كلنا سوريون)

فعليًا، دخلنا عصر عدم الاستقرار المناخي، وتسببت الأحداث البيئية المتطرفة في خسائر هائلة، على مدار عقد من الزمن، ففي عام 2003، على سبيل المثال، تسببت موجة الحر في وفاة سبعين ألف شخص في أوروبا، وخسر القطاع الزراعي الأوروبي 13 مليار يورو، وفي عام 2010، انخفض الإنتاج الزراعي في روسيا بنسبة الربع، والاقتصاد بنسبة 15 بالمئة، فاضطرت الحكومة الروسية إلى التخلي عن الصادرات في ذاك العام، لتجنب أي اضطرابات في روسيا.

ومن ناحية أخرى، ليس هناك شك في أن الصراعات والتشريد الجماعي للسكان، الناجم عن الاحترار العالمي، ستصبح أكثر تواترًا، وأكثر كثافة. وفقا لتقرير للفريق الحكومي الدولي لتغير المناخ، فإن تغير المناخ، سيزيد من مخاطر الصراعات العنيفة، وسيتخذ شكل الحروب الأهلية، والصراع بين الجماعات.

في عام 2013، أظهر تقرير لمجلة العلوم الفرنسية، من خلال دراسة لـ 45 صراعًا في جميع أنحاء العالم، جرت على مدى عشرة آلاف سنة، أن نتيجة ارتفاع متوسط درجة الحرارة، والتغير في معدلات هطول الأمطار، يرتبطان بشكل منهجي بزيادة العنف في الصراعات الأهلية، والنزاعات المسلحة بين الجماعات.

لكن هل يمكننا الشعور بذلك بشكل واضح ومحسوس؟ يجيب هارالد ويلزر، وهو عالم نفس اجتماعي متخصص في الصلة بين تطور المجتمعات والعنف: إن البشر، من خلال بناء الهويات المتخيلة، يجددون دائما المبرر لقتل بعضهم البعض. وحتى إذا كانت الأسباب الجذرية، هي الصراع على تقاسم الموارد، أو الهجرة، أو المجاعة، أو المرض، أو المناخ، فإن الصراعات المسلحة يمكنها أن تحل بسهولة محل الصراعات الدينية أو بين الدول.

يُبرز العالم ويلزر كيف يمكن للمجتمع، ببطء وبطريقة غير محدودة، أن يدفع حدود ما هو مسموح به، إلى درجة التشكيك في قيمة السلمية والإنسانية، ويغرق في ما يعتبره ما كان غير مقبول قبل عدة سنوات، كما في الثورة السورية.

سوف يعتاد الناس الأحداثَ المناخية المتطرفة، من نقص غذاء ونزوح سكان، ومن المرجح أن تزداد نسبة العدوانية لدى الشعوب القاطنة في البلدان الغنية تجاه اللاجئين القادمين إليهم، أو حتى تجاه الدول الأخرى، ولكن الأهم أنهم سيشعرون بأدنى مستوى من الظلم الذي يشعر به المتضررون من الكوارث، هذه الفجوة التي ستمهد لصراعات مستقبلية.

وعلى حد قول ماثيو ريكارد: “تخيّلْ ما سيكون عليه الوضع، في حال استقبالنا لمئتي مليون لاجئ مناخي… فتدفق اللاجئين السوريين ليس مجرد أزمة، وإنما هو بداية حركة كوكبية كبيرة، وبصورة أدق هو انهيار عالمي”. وبالتالي فجميع سكان الأرض هم سوريون.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق