مقالات الرأي

النقاش التونسي يغيب عن أجندات النظام والمعارضة

تضمّن طرح الرئيس التونسي، حول المساواة بين الرجل والمرأة، اعتبار هذه القضية شأنًا دستوريًا، وغير قابلة للرَّفض، على الرغم من رفضها من بعض القطاعات التونسيّة. هذا النقاش يتجاوز تونس، ليعمَّ العالم العربي، وكلَّ عالمٍ فيه بشر يؤمنون بالإسلام؛ فجذر القضية هو الانتقال إلى المساواة الكاملة بين الجنسين والبشر بعامة، وهذا يُفسَّر من قبل المتشددين الأصوليين، بأنّه يُعارض النص الديني والفقه الإسلامي بعامة، وبالتالي يجب رفضه. القضية هنا: هل الدساتير العربية والإسلامية دينية بالكامل؟ أم أنها وضعيَّة في قضايا، ودينية في قضايا أخرى؟ هي كذلك بالضبط، والجانب الديني منها يصرُّ على حقوقٍ أكبر للرجل ودونية للمرأة، حيث إن التمييز واضح بكل ما يتعلق بالأحوال الشخصية، بدءًا بالقوامة وليس انتهاءً بالإرث. ما يطرحه النقاش التونسي يجب ألا يظلَّ حبيس هذا البلد، علمًا أن هناك رفضًا إسلاميًّا هزيلًا لهذه القضية، بينما هناك قبولٌ اجتماعي واسع فيه، وهذا يعني أن الناس المؤمنون بالدين لا يجدون مشكلة مع المساواة، بأغلبيتهم؛ الرفض يتأتى من أصحاب النزعة الأصولية، وليس من الإسلام الشعبي أو الثقافي كذلك.

تونس متقدمة، ولا شك، عن العالم العربي في إنصاف المرأة، ففي هذا البلد تشريعٌ يرفض تعدّد الزوجات، والآن، بغض النظر عن ألاعيب الرئيس السبسي، ومحاولاته حشد قطاعات شعبية لصالح سياساته من وراء طرح المساواة، إن إقرار هذا الأمر أمرٌ يُسجَّل له، وهو يعني فعليًا النساء والمجتمع، ويتضمن تغييرًا في الرؤية لموقع المرأة في المجتمع، بل للنص الديني، باعتباره نصًا للإيمان وللتنزيه، وليس للتشريع والسياسة والدولة.

ما يُطرح في تونس يَستكمل مشروع التنوير والإصلاح الديني الذي طُرح في بدايات القرن العشرين وقبله، الذي قال به بشكل خاص علي عبد الرازق، أي أن الإسلام لم يكن يحكم، والدولة العربية في القرون الوسطى لم تكن إسلامية، وبالتالي يجب الفصل بين الدين والدولة والسياسة، وتحديد الدين بشؤون العقيدة والإيمان، وترك قضايا الدولة والسياسة والحياة اليومية، للوضعية وللعقل ولمصالح الناس وصراعاتهم؛ هذا سيرفضه أصحاب الردة الأصولية، وسيحاولون تصويره وكأنّه رفضٌ للنص الديني، يعبّرُ عن نزعاتٍ إلحاديةٍ وعلمانية كارهة للدين وللمسلمين وللنبي. بينما الحقيقة أن طرح المساواة والفصل المشار إليه هو بالضبط تنزيهٌ للدين، ورفضٌ لأسره من قبل مشايخ وسياسيين متأسلمين، ودفع للإسلام السياسي ليتعلمن ويتوضعن وينزع لباسه الديني في السياسة، وأن يكون له ملء الحرية في ما يتعلق بشؤون الدين والاعتقاد فقط، كما لسواه الحق بالاعتقاد بقضايا أخرى، وضمان حرية الاختيار دستوريًا، إيمانًا أم سواه.

الثورات العربية، بدءًا من أواخر 2010، كانت من أجل حياة أفضل “حرية وكرامة، ومحاربة الفساد وتحسين الوضع الاقتصادي والتخلص من الدولة الأمنية…” وسوى ذلك، كانت الثورات من أجل المساواة أيضًا، أي من أجل أن تكون الدولة دولةَ حقوق، ووضعية بالكامل. التطور التونسي بخصوص الحريات والعدالة والمساواة هو نتيجة ثورة 2011 في هذا البلد، ونتيجة ما سلف كذلك. سورية أيضًا عليها أن تحسم هذه القضية: هل الثورة السورية رجعية أم تقدمية؟ وهل يمكن أن تكون تقدميةً في أمر ورجعيةً في آخر؟ أهي مع بقاء قانون الأحوال الشخصية الديني والطائفي أم مع تغييره، وتغيير كل النصوص الدستورية ذات الطبيعة الدينية؟ وبماذا يختلف أهل النظام عن أهل الثورة، بما يتعلق بالجانب الدستوري والتشريعي الديني؟ أليس من الضرورة تبني رؤية وضعية وعلمانية تتجاوز المماحكات السياسية الضَّيِّقة! ثم، هل بعد ثماني سنوات من الثورة يمكن أن نتجاهل ما طرحه التوانسة! أعتقد أن هذا التجاهل يتضمن الموافقة على رؤية النظام الحالية ذاتها، أي أن أقسامًا كبيرة من المعارضة تتوافق مع النظام، في عدم التصدي لقضية المساواة هذه، والاستثمار السياسي الرجعي بقضية الدين، ورفض أي مواجهة مع الرؤية الفقهية “العتيقة” لمسألة التمييز بين الجنسين؛ ولنتأمل النقاش الموالي والمعارض بخصوص المرسوم 16 الأخير، الذي ينظم شؤون وزارة الأوقاف السورية، بما يكافئ شيوخ “النظام السنة” على دورهم المناهض للثورة، وتعزيز التدين المجتمعي.

قضية إقرار المساواة وقانون أحوال شخصية مدني في سورية، ورفض القول بدينٍ لرئيس الدولة، وقضية الإرث، يجب أن تكون مسائل وضعية، تنطلق من إقرار دستوري فيها. أطرح القضية باعتبار أنّ أيّ تغييرٍ جديٍّ مستقبلي في سورية سيتضمَّن بالضرورة تغييرَ الدستور والقضايا المطروحة أعلاه، وبالتالي ما طرحه التوانسة يجب أن يُطرح في سورية كذلك، وعدم العودة عنه لأية اعتباراتٍ، ومهما كانت الأسباب.

الدولة السورية المستقبليَّة تستطيع دسترة المساواة، وهي قضية يجب إخراجُها من سوق السياسة والمنافسة؛ ففي دول “إسلامية” كثيرة، أصبح كل ما يخص قانون الأحوال الشخصية قضايا وضعية بالكامل، وتركيا هنا مثال. وبالتالي لا ننطلق من رؤية علمانية متشدّدة، ولا معادية للدين، بل من قضية الحقوق الطبيعية للمرأة ككائن عاقل. رجال الدين والسياسة المتأسلمون سيكسبون كثيرًا، إن وجدوا تفسيرًا يتوافق مع العصر وروح الدين ومقاصده العليا، أي مع المساواة بين الجنسين.

لن أتناول قضية حقوق المرأة، وأنّها أصبحت تشارِك في كل قضايا الحياة وفي العمل والتعليم وأعمال المنزل، وقد شاركت في ثورة 2011 ليكون لها حق المساواة. إن المساواة هي قضية احترامٍ لكينونتها في هذا العصر، وإذا كان هناك تبريرات تاريخية تناسب العصور القديمة والوسطى؛ فإن قيم العصر الحديث والمساواة وحقوق الإنسان والمواطنة والعقلانية والفرد، تنصّ على تلك المساواة الكاملة، ورفض كل شكل للتمييز بين البشر.

المعارضة السورية، وكذلك من يدعي الثورة ولو كان إسلاميًا أو سواه، ستكسب كثيرًا بطرح قضية المساواة. إن الدفاع عن هذه القضية هو دفاع عن مطالب ثورة 2011، وعن قيمها في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية والحريات والمواطنة والديمقراطية؛ فهل تعي المعارضة ذلك، لا سيّما أنّها تُدعى إلى مؤتمراتٍ تخصُّ النقاش حول دستور جديد لسورية؟! نريد دستورًا وضعيًا بالكامل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Close