سلايدرقضايا المجتمع

مقاربة لمسألة “الشوايا” في المنطقة الشرقية من سورية

لأن لغة الاتهام والتجريح تطغى على الطابع العلمي للنقاشات التي ينبغي أن تسود في جو من الهدوء، وبما أنه يجب تفادي الأحكام المسبقة والتصورات المغلوطة، وضرورة تكريس الجهد نحو الثابت والدائم، بدلًا من اليومي الذي سرعان ما يضيع في زحمة الحياة؛ لا بد من التوقف عند القضية المتصلة بـ “الشوايا” التي استوقفت الكثير من السوريين، نظرًا إلى ما تطرحه من إشكالات تمس الواقع السوري.

لا بد من الإشارة إلى أن أي مقاربة لمسألة “الشوايا” في سورية، لا تأخذ بالحسبان البعد التاريخي للمسألة، مصيرها الإخفاق الحاد، لأنها سترتكب مغالطات كبيرة على صعيد فهم التركيبة العشائرية، والحالة الاجتماعية والاقتصادية في تلك المنطقة، ونستعيد هنا بعض الأفكار التي أوردتها في زاوية سابقة في شبكة (جيرون)، لتشكيل تصور متكامل عن الخلفية التاريخية التي تقف وراء وضعية المنطقة حاليًا.

“الشوايا” هو اصطلاح يُطلق على سكان المنطقة الممتدة على جانبي الفرات من جبال طوروس إلى وسط العراق، ويسكن هؤلاء في سورية محافظات الرقة والحسكة ودير الزور ومعظم ريف حلب الشمالي والشرقي، مع امتدادات في أرياف إدلب وحماة وحمص، مع العلم أن سكان مدينة دير الزور يقصرون التسمية على سكان ريف المدينة فقط. لا أحد يمكنه الجزم بأصل التسمية، ولكن هناك رأيًا شائعًا مفاده أن القبائل البدوية في البادية السورية وامتداداتها في العراق والأردن والسعودية، التي تربي الإبل أطلقت على سكان المنطقة اسم “شوايا”، لأنهم كانوا يرعون الشياه، وهذا في العرف البدوي منقصة، لأن “العزّ في الإبل، والذل في البقر”، بحسب هذا العرف، فالشوايا في منزلة بين المنزلتين: منزلة القبائل المعرقة في بداوتها، وهي تربي الإبل، ومنزلة الحضر الذين يربون البقر. وهو رأي لا سبيل إلى التثبت من صحته، ويبقى مجالًا للنقاش.

المنطقة الشرقية في سورية أقلّ تطورًا، من الناحية الاقتصادية والثقافية والعمرانية، من بقية المناطق في سورية، ولا يمكن فهم هذا الفارق في الجانب التنموي دون معرفة العوامل التاريخية وراءه.

الناظر في كتب التاريخ والأدب في العصر العباسي سيكتشف البون الشاسع بين الصورة التي توردها تلك الكتب عن تلك المنطقة، وصورتها الحالية التي تفيض بالبؤس والحرمان. فتلك الكتب تصور لنا حركة ثقافية وفكرية نشطة، لعبت فيها المنطقة دورًا أساسيًا في نقل التراث السرياني والإغريقي إلى العربية، ولا سيما في مدينتي حران (أورفا حاليًا) ونصيبين اللتين كانتا من أهم المراكز العلمية والثقافية في العصر العباسي. وتتحدث تلك المصادر نفسها عن تنوع ديني يبرز فيه الصابئة والسريان عناصر فاعلة في الحياة الثقافية. والحقيقة أن هذا التنوع العرقي والديني ما يزال واضحًا في تلك المنطقة، بفعل التسامح الذي يسم الشخصية الشامية (المقصود هنا بلاد الشام الطبيعية) عمومًا. استمر الدور المؤثر لهذه المنطقة في العصور التالية، وعلينا ألا ننسى أنها كانت الخزان البشري الذي اعتمد عليه الزنكيون في تشكيل قوتهم العسكرية في مواجهة الصليبيين، حين استطاعوا توحيد المنطقة الممتدة من حلب إلى الموصل، تحت راية واحدة، مع كل ما تزخر من موارد اقتصادية يفيض بها النهران الكبيران: الفرات ودجلة، وهذا عمل ظهرت نتائجه مع صلاح الدين الأيوبي فيما بعد.

غير أن الدور الحضاري لهذه المنطقة تراجع بفعل الغزو المغولي. في أحيان كثيرة، يبدو حديثنا عن الغزو المغولي كلامًا إنشائيًا يتجاهل الآثار التدميرية التي خلفها وراءه، وربما نعجز عن إدراك المآسي التي نتجت عنه. كانت الغزوة المغولية أكبر كارثة تعرضت لها الحضارة العربية، إذ انحدرت بعدها في مسار تراجعي مخيف. لا يكفي القول إن دجلة تحول لونه إلى اللون الأزرق، نتيجة ما رمي به من كتب ومخطوطات، دون أن نعي الكوارث الاجتماعية والحضارية التي رافقت الغزو المغولي. لم تكن المدن والحصون المنيعة تحمي الناس من شراسة المغول وهمجيتهم، فهجر الناس المدن، وعادوا إلى البداوة والرعي، وبخاصة أن هذه المنطقة كانت أكثر عرضة للعنف والدمار من سواها. إن مدن الموصل ومنبج والرقة ورأس العين وماردين وغيرها غدت أطلالًا تنعب فيها الغربان. حقًا إن الهجمة المغولية الكبرى وصلت إلى عين جالوت، ولكن ما نتناساه عمومًا أن الهجمات المغولية المتعاقبة استمرت قرابة قرنين، وكان الفرات هو الحاجز الطبيعي الذي يحول دون امتداد تلك الهجمات إلى بلاد الشام، ناهيك أن تلك الهجمات كانت أقل اندفاعًا من الهجمة الأولى، ولكن الذاكرة احتفظت بالأهوال التي رافقت الهجمة الأولى، التي لم يكن من السهل نسيانها. لعل هذا يفسر السبب في أن المنطقة التي تقع في شرق الفرات (الجزيرة) أقلّ استقرارًا وعمرانًا من المنطقة الواقعة إلى الغرب منه (الشامية). ولكي ندلل على الدمار الذي خلفه الغزو المغولي ينبغي أن نذكر أن بغداد، عاصمة الدنيا في العصور الوسطى، بقيت قرية صغيرة حتى بداية القرن التاسع عشر، كما يذكر المؤرخون. أما العراق ففقد دوره الحضاري، وتقهقر المجتمع العراقي من حياة المدينة إلى حياة القبيلة.

دخلت المنطقة بعد ذلك في حقبة طويلة من النسيان والتهميش، وهو تهميش استمر في أثناء حكم الدولة العثمانية. ثم عادت الحياة والعمران تدريجيًا إلى مدن بلاد الشام الداخلية، لأن المدن الشامية الواقعة على طريق الحجاز من جهة مركز السلطنة -ونعني هنا حلب وحماة وحمص ودمشق- تدفقت إليها الأموال، فاستفادت من حركة انتقال البضائع والقوافل والحجاج، بينما بقيت المدن الفراتية هامشية.

مع انهيار الإمبراطورية العثمانية؛ تقسمت المنطقة المذكورة بين ثلاث دول: العراق وتركيا وسورية. كان حظ سكان المنطقة في الجانب العراقي أفضل من نظرائهم في سورية، فهم الذين أسهموا في ظهور العراق المعاصر بحدوده الحالية، مستفيدين من التوازنات الدولية، ومن كون أبناء تلك المنطقة أكثر انخراطًا في البيروقراطية العثمانية السابقة التي قامت على أنقاضها البيروقراطية الجديدة. وقد استمرت النخبة القادمة من تلك المنطقة في إدارة العراق حتى الغزو الأميركي له عام 2003، وبسبب كون القيادات العراقية المتعاقبة من تلك المنطقة، فإن الكثير من موارد الدولة كانت تتدفق عليها، وهو ما يظهر في الرخاء الاقتصادي الكبير الذي تتمتع به مقارنة بنظيرتها السورية.

يختلف الأمر كليًا في تركيا التي تحولت إلى دولة عصرية، بفعل الإصلاحات الأتاتوركية، فالدولة هنا قامت بعمل كبير جدًا في سبيل إقامة تنمية شاملة ومتوازنة في كل الأقاليم، بما فيها أقاليم المنطقة الجنوبية التي تتفوق اليوم في مستوى التنمية والتقدم البشري والاقتصادي على كل دول الجوار، نظرًا للسياسات الاقتصادية والتنموية المتوازنة التي انتهجتها الدولة التركية.

حبن قامت الدولة السورية الحالية، في أعقاب الحرب العالمية الأولى، غابت تلك المنقطة عن النقاشات التي أدت إلى ظهور الكيان الجديد، وهو الكيان الذي جمع على عجل مناطق متعددة ومختلفة، وانحصرت النخبة الحاكمة في المدن الداخلية المذكورة أعلاه، فيما بقيت مناطق الساحل والفرات والجزيرة على هامش الحياة السياسية والفكرية، بعيدة عن التأثير والمشاركة في صناعة القرار. لقد كانت عشائر تلك المنطقة في طور الانتقال من بدو شبه رحل، أو فلاحين غير مستقرين، إلى فلاحين.

استمر هذا التهميش طوال عهود الحكومات السورية المتعاقبة، إذ تحولت المنطقة إلى منفى للمعارضين السياسيين في عهد الانتداب الفرنسي، والعهد النيابي الذي تلاه، ولم تتمكن تلك الحكومات من تطوير المنطقة، أو لم تشأ تطويرها. وهو أمرٌ لم يدرس على نحو كاف دراسة موضوعية تستخلص الأسباب وراء عدم وجود خطة مدروسة تسعى إلى تنمية تلك المنطقة.

جاءت الإشكالية الكبرى مع الانقلاب البعثي، وتكرست في الحقبة الأسدية، فلم تعد تلك المنطقة منفًى للمعارضين، بل أصبحت مكانًا لممارسة الفساد المنظم، والنهب الذي تسارع مع اكتشاف النفط والغاز، وفضاء لابتزاز الدول المجاورة عبر تحريك العناصر الكردية، بعد أن برزت القضية الكردية إلى السطح، بفعل السياسات الشوفينية التي انتهجها البعث نحو المواطنين السوريين من ذوي الأصول الكردية.

يجدر بنا هنا الإشارة إلى التبدلات المناخية والبيئية التي تمر بها المنطقة، منذ الخمسينيات من القرن المنصرم، حيث أدى الجفاف إلى تراجع في الإنتاج الزراعي، وتصاحب ذلك مع تزايد سكاني كبير، وبلغت الكارثة ذروتها مع موجة الجفاف التي ضربت منطقة الشرق الأوسط، في العقد الأول من القرن الحالي، وأدت إلى انهيار الزراعة، وهجرة مئات الآلاف من سكان المنطقة، إلى مدن حلب ودمشق ودرعا وغيرها، للبحث عن مورد رزق، وقد وصل الجفاف إلى درجة أن نهر الخابور اختفى من الخريطة كليًا.

ثمة مرارة يشعر بها السوريون من ذوي الأصول الكردية، نحو كل ما هو عربي، نتيجة للسياسات العنصرية التي اتبعها البعث، ولم تجد هذه المرارة موضوعًا لها إلا في العنصر الأقرب، أي عرب الجزيرة والفرات، على اعتبار أن السلطة تفضلهم على المواطنين الكرد. وهو رأي له وجاهته، غير أنه يتجاهل نسبية التفضيل المشار إليه، فإذا كان الكردي يقع في ذيل قائمة “الرعايا” لدى السلطة، فإن ابن منطقة الفرات والجزيرة يسبقه بمرتبة واحدة فقط. غير أن هذا ليس هو العامل الأهم في الحساسية بين الطرفين، فمنبع الحساسية ناشئ من اختلاف زاوية النظر إلى السلطة البعثية في العراق. فبحكم الامتداد العشائري والجغرافي، وبسبب التهميش داخل الوطن السوري، كان سكان المنطقة الشرقية يتماهون مع البعث العراقي، كنوع من التفريغ النفسي عن حالة الظلم التي تنتهجها السلطة السورية ضدهم، وكانت السلطة ذاتها تغض الطرف عن موجة التعاطف تلك، لعدم قدرتها على إنهاء علاقات القربى بين العشائر الموجودة على طرفي الحدود، ولاستثمار هذا الاحتقان في خلق التوترات بين سكان الجزيرة السورية أنفسهم.

الضجة الأخيرة حيال “الشوايا” تظهر أن ثمة من لا يزال ينظر إلى أبناء المنطقة بتعال، دون أن يأخذ بالحسبان الظلمَ الذي تعرض له سكان المنطقة عبر التاريخ، والإهمال المتراكم منذ نشوء الدولة السورية. لقد آن الآوان أن ننظر إلى السوريين جميعهم كمواطنين متساوين، ينبغي أن يسعوا لاستعادة دولتهم من يد نظام أثبتت التجربة أنه الخطر الأكبر عليهم جميعًا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق