سلايدرقضايا المجتمع

الاستغلال والاستعباد.. ذئاب الأسد تسوق شبان سورية إلى الجندية

تشبه الطريقة القروسطية، التي يُساق فيها الشبان، كالعبيد، إلى أداء الخدمة العسكرية، والالتحاق بجبهات القتال للدفاع عن نظام الأسد، الطريقةَ التي أدار بها البيض اصطياد الزنوج الأفارقة، واستعبادهم.

يختصر أليكس هايلي، مؤلف رواية (الجذور) التي تناولت حياة الإفريقي “كونتا كنتي” قبل مئتي عام تقريبًا، الطريقةَ على النحو الآتي: “يتم ربط المساجين المساكين من رقابهم معًا بالحبال، ويقتادون في الجو الحار والقاسي عدة أيام، ومن يتمهّل في حركته يسقط السوط على ظهره”.

اعتاد السكان المحليون في دمشق، وغيرها من المدن السورية، رؤيةَ هذا المشهد العبودي العصري في الشوارع، كلما احتاج نظام الأسد إلى وقود للحرب التي يشنها ضد شعبه. حديثًا نشرت حسابات -موالية ومعارضة- على مواقع التواصل الاجتماعي، صورة صادمة لجنود يقتادون شبانًا، في أحد طرقات حي المزة غربي العاصمة، إلى عربة عسكرية مغلقة، كانوا قد رفضوا الانضمام إلى جيش الأسد، تم ربطهم خلف بعضهم بسلسلة حديدية طويلة، منعًا للهرب، في مشهد مؤثر، لا يمكن إلا أن يسبب القلق من جراء متاهة سياسية، هي أقرب إلى الجنون المطلق.

قبل عام، كانت “نقاط التفتيش”، التي نشرها الجيش بمشاركة قوى محلية، تسيطر على المفاصل الرئيسية للمدن، وبحسب إفادات السكان، وصل عددها في دمشق -على سبيل المثال- إلى أكثر من 300 نقطة، وكان على الشبان بين 18 و40 سنة، إلى جانب الوثائق المدنية، أن يحملوا وثائق التعليم، أو أي وثائق أخرى، تثبت تأجيلهم أداء الخدمة العسكرية، كي لا يتم اعتراضهم، وزجهم في وحدات مقاتلة في الجيش النظامي. ومع استعادة الأسد المناطق التي فقدها حول العاصمة، أزيلت هذه النقاط، ونشرت المؤسسة الأمنية حواجز بديلة، درج وصفها بـ “الطيارة”، أي غير ثابتة، تتحرك من منطقة إلى أخرى على نحو مفاجئ، وتقوم بالبحث عن المتهربين من الجندية، أكثر من بحثها عن أصحاب الجرائم، وباعة المخدرات، وعصابات السطو المسلح.

تُعرّف العبودية العصرية بأنها: “عدم قدرة الأفراد على مواجهة العوامل التي تؤدي لتعرضهم للاستغلال، مثل: التهديدات، والعنف، والإكراه، والخداع، واستغلال الطاقات الجسدية”. وأضافت (منظمة العمل الدولية)، ومؤسسة”Walk Free Foundation”  و(منظمة الهجرة الدولية)، عواملَ ذات صلة، كإيواء أو تسليم أشخاص عن طريق التهديد، أو استخدام القوة، أو غيرها من أشكال القسر، أو الاختطاف، أو الاحتيال، أو الخداع، أو إساءة استخدام السلطة، أو استغلال موقف ضعف، أو إعطاء وتلقي مبالغ مالية، أو مزايا، لنيل موافقة شخص له سيطرة على شخص آخر، أو إكراهه بقصد استغلاله.

تبرر حكومة الأسد الطريقة التي تُدير بها هذا الملف، وفق وسائل إعلام محلية، بذريعة تخلّف أعداد كبيرة من الشبان عن أداء خدمة التجنيد الإجباري، وهي الخدمة التي يخضع لها كل شاب بلغ 18 عامًا، باستثناء الطلاب الذين يستأنفون دراستهم، حيث يمكنهم تأجيلها. وكشف (المرصد السوري لحقوق الإنسان) أن الحكومة جندت قسريًا، خلال الأشهر الماضية، نحو 50 ألف شاب، ضمن قواتها المقاتلة، نصفهم تقريبًا من درعا والقنيطرة. تم اصطيادهم، عبر كمائن مفاجئة أعدتها قوات أمنية وعسكرية مشتركة، كالتي شهدتها منطقة المزة قبل أيام. وقد سبق أن اصطادت 300 شاب في ريف دمشق، نُقلوا بحافلات إلى معسكرات في منطقة النبك، شمال العاصمة، ليتم إعدادهم بدنيًا، وتدريبهم على استخدام السلاح، لحماية النظام ومجابهة خصومه.

يروي (عمر) الذي كان يدرس إدارة الأعمال في جامعة دمشق، كيف استطاع أن يتجنب سوقه إلى الجيش بشكل مؤقت: “لم أُرد أن أكون جزءًا من هذه الحرب، ولم يكن أمامي سوى الاحتفاظ بوضعية الطالب، التي تسمح لي باستصدار وثيقة دوام، تمكنني من تأجيل الخدمة العسكرية، لذلك تعمّدت الرسوب في عدة مواد، واستطعت تأجيل الخدمة لمدة سنتين، لأنه يتم فصل الطالب من الجامعة، بعد رسوب ثلاث سنوات. بقي لدي التأجيل الأخير ومدته ستة أشهر، حينذاك خرجت من البلد ولم أعد”.

يعاني الطلبة في الجامعات الحكومية بسبب قانون جديد يُلغي “الدورة التكميلية”، حيث كان بإمكان الطلبة الراسبين استكمال دراستهم وتأجيل الخدمة العسكرية. أما اليوم فإن القانون الجديد يعتبر من يرسب، لعدد محدد من السنوات في الجامعة، “مستنفدًا” لا يحق له تقديم أوراقه الدراسية إلى شعبة التجنيد، وسيُساق إلى الخدمة العسكرية الإلزامية، وقد أثار ذلك القرار حالة من السخط بين الطلبة، دفعت بعضهم إلى الاحتجاج والخروج إلى ساحة الأمويين وسط العاصمة. لكن الحكومة قابلتهم بالعنف، وألقت الشرطة العسكرية القبض على 30 منهم. فيما شنت حسابات موالية للنظام، على مواقع التواصل الاجتماعي، هجومًا عليهم واصفة إياهم بالخونة الذين لا يرغبون في الدفاع عن الوطن.

تؤرخ الحرب السورية لعبودية عصرية، يمارسها الأسد ضد شعبه، ففي (الجذور) لم يستمع “كونتا كنتي” لنصيحة والده، بألا يبتعد كثيرًا عن مضارب القبيلة، مغبة أن يصطاده الذئاب البيض، فوقع في المصيدة. لكن (عمر) الذي تعلم الدرس ولم يبتعد عن بيته، وآثر أن يغيب عن شوارع دمشق، كغيره من الشبان، خوفًا من ذئاب النظام، والاختطاف، والقيود، وسلاسل الحديد، ثم خطوط النار، قرر أن يغادر البلد، عندما سنحت الفرصة له، من غير أن يفكر بالعودة لعبودية الأسد على الإطلاق.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق