كلمة جيرون

التحليق بجناح واحد!

لا أدري من الذي أطلق مصطلح “الأدب النسوي”! حتى بات من الثابت، وجود صنف جديد، من حيث البناء والرؤية والأسلوب والموضوع! فهل هذا التصنيف صحيح، أم أنه خطأ نقدي شائع بيننا، نمارسه في غفلة منا؟

ما نعرفه أن اﻹبداع مثل الحرية، عابر للفوارق الجنسية والعرقية والدينية والطبقية، وغيرها من التقسيمات الجغرافية والديموغرافية التي فتن بها النقاد، لدرجة أن تصنيفاتهم الأدبية لم تستثن الريف والمدينة والبحر والجبل والفلاح والعامل…

نعم، هناك أدب أميركي ولاتيني وفيتنامي وروسي وعربي… وثمة مدارس متنوعة في الأدب الواحد، لكن هذه التصنيفات محض أسماء تدل على الهوية، ومن الطبيعي أن نجد بينها فوارق في اللغة والبيئة والتراث والثقافة والمعتقدات والعادات والتقاليد والتاريخ، علمًا أنها تنتمي جميعها إلى فن واحد، هو فن الكتابة. ولا شك أن التصنيف ضروري، لدراسة ظاهرة أو نهج أو تيار إبداعي ما، بسبب خصوصية الأسلوب والبنية الفنية والثقافية التي تميزه عن غيره؛ لكن هذا التصنيف النقدي يصبح خطيرًا، عندما يتحول إلى عملية تقسيم قسرية وشرذمة مجانية للثقافة والإبداع اﻹنساني، وكذلك الوطني. ويصبح الأمر أكثر خطورة عندما نقسّمه إلى “نسائي ورجالي”؛ علمًا أن النساء والرجال يكتبون بلغة واحدة، ويعيشون في بيئة ثقافية وتراثية وسياسية واقتصادية واحدة… يختلفون –طبعًا- في الأسلوب والحساسية وزاوية النظر والموضوع والمعالجة والمدارس؛ فالإبداع ميدان اختلاف وتنوع، ولكل مبدع بصمة وسِمة خاصة به. لكن عزل المرأة -تحديدًا- في حيز خاص بها، يشبه “الحرملك”، وتجذير اختلافها عن الرجل، وتبويب إبداعها على أساس “الجندر” فقط، يُعد من باب “الحق الذي يراد به باطل”، والذي يصب –عمليًا- في خانة التحيز ضد المرأة، باعتبارها مختلفة عن الرجل، لدرجة أن ما تكتبه هو -أيضًا- مختلف، وربما متخلّف عن، وتابع لما يكتبه الرجل، فما هي الغاية من ذلك؟ وهل يحمل هذا الأدب “النسوي” سمات خاصة به تسمح لنا بتبويبه؟

نعم، ثمة فروق بيولوجية ونفسية بين الأنثى والذكر، تنحصر في الوظيفة الجنسية والبدنية، لكن ما هو الفرق العقلي أو المعرفي بينهما؟ وما هي الفروق التي يمكن أن تفصل بينهما، في الفن والإبداع تحديدًا!؟

الكاتب، سواء أكان امرأة أم رجلًا، إما أن يكون كاتبًا جيدًا أو لا يكون، وقد أثبتت المرأة المعاصرة تفوقها في كثير من المجالات الفكرية والثقافية، وكذلك العلمية والتقنية والسياسية، على الرغم من اضطهادها وتهميشها لقرون طويلة، فما هو الداعي لتسمية أدبها بـ “بالنسوي”!؟ هل ثمة علم أو معرفة نسوية خاصة؟ وهل توجد سياسة أو فكر وفن ومسرح وشعر تختص به النساء فقط!؟ وماذا نقول عن المثليات والمثليين؟!

لا يصح أن تكون الفروق (البدنية) مقياسًا أو رائزًا مناسبًا لتصنيف الأعمال الإبداعية (العقلية)، كما لا يصح تصنيفها حسب لون البشرة أو الدين أو العرق! وتعميق الهوة بين الرجل والمرأة ليس في مصلحة أحد. لذلك، يجب علينا أن نتوقف عن تصنيف الإبداع، بناء على “عضلات” المبدع، وأن نلغي مادة الفنون النسوية من مناهجنا التربوية، وأن ننتشل الأعمال الأدبية والفنية من حيز “الجنسانية” الضيق، المختبئ خلف عباءة نضال المرأة من أجل نيل حقوقها، كي ننطلق إلى آفاق الإبداع الواسعة التي تخوضها النساء يدًا بيد مع الرجال. فهل يعقل أن تواجه المرأة التمييز الجنسي الذي يُمارس ضدها، بتمييز جديد يكرس انعزالها!؟

إن الاضطهاد الاجتماعي والسياسي لا يطال النساء فقط؛ بل الرجال أيضًا، مع علمنا أن اضطهادهن يكون مضاعفًا في الأنظمة الشمولية المستبدة، وقضية تحررهن هي قضية المجتمع بأكمله، فلا حرية للمرأة بمعزل عن الرجل، ولا حرية للرجل بمعزل عن المرأة. أما تجربة الأمومة الخاصة التي تخوضها المرأة، فهي تجربة إنسانية فذة تثري العمل الإبداعي وتجربة الكتابة والفن.

إن عزل المرأة وتصنيف إبداعها كنوع مختلف، لا يصبّ في مصلحة نضالها، كما يظن البعض. والنساء اللواتي صدقن هذه “المرتبة” وسارعن إلى الالتحاق بها، ونذرن أنفسهن للدفاع عن المرأة وحقوقها، بمعزل عن الحق العام (وبينهن –للأسف- كثير من الكاتبات العربيات)، وقع إبداعهن في مطب الإدانة والشكوى والأنين، أو التعصب والسطحية والمباشرة، لأنهن حاولن التحليق بجناح واحد؛ بينما تجاوزت الكاتبات الكبيرات هذه العقدة إلى قضايا إنسانية جامعة، فلسفية وعلمية واجتماعية وسياسية، تناولن فيها الحياة بأبعادها المختلفة، وحلّقن في عالم الأدب بجناحين اثنين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق